حلاوة العودة
اعداد/ سراج الدين مصطفى

حكايات صنعت وجدان المستمعين
دكان ود البصير .. سنوات من المعرفة والمتعة
دكان الحكايات:
احتل برنامج دكان ود البصير مكانة مميزة في ذاكرة الإذاعة السودانية بعدما نجح في الجمع بين التاريخ والدراما والفكاهة والقضايا الاجتماعية في قالب قريب من وجدان الناس. انطلقت فكرته مطلع ثمانينيات القرن الماضي، واتخذت من الدكان الشعبي مسرحا للأحداث، باعتباره مجلسا مفتوحا تتقاطع فيه الحكايات وتلتقي عنده مختلف الشخصيات والآراء وتتشكل من خلاله صورة المجتمع السوداني.
فكرة البرنامج:
لم يكن الدكان مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل كان مساحة رمزية تعكس تفاصيل الحياة السودانية بما تحمله من اختلاف في الآراء والثقافات والاهتمامات. ومن خلال الحوارات والمواقف اليومية استطاع البرنامج تقديم موضوعات تتصل بالتاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع، مستفيدا من طبيعة الدكان باعتباره ملتقى للناس ومكانا لتبادل الأخبار والآراء والحكايات التي تختصر كثيرا من ملامح الحياة.
عبد المطلب الفحل:
ارتبط البرنامج باسم الدكتور عبد المطلب الفحل الذي تولى إعداده وكتابته وتقديمه، مستندا إلى خلفيته الثقافية واللغوية واهتمامه بالتاريخ السوداني. وقد اتجه إلى تقديم المعلومات التاريخية عبر الدراما والحوار والطرفة، بعيدا عن أسلوب المحاضرات المباشرة. وكان يؤكد أهمية الاستناد إلى المصادر في تناول الوقائع التاريخية، ليصبح الترفيه وسيلة لتقديم المعرفة وتعزيز الوعي لدى المستمعين.
شخصيات وحكايات:
استمد البرنامج جاذبيته من شخصياته التي عكست نماذج مألوفة في المجتمع السوداني، واختلفت في مستوياتها الثقافية وطرائق تفكيرها ومواقفها من الأحداث. وأتاح هذا التنوع مساحة للحوار والمفارقات الطريفة، فانتقلت الحلقات بين الحكاية التاريخية والقضية الاجتماعية والموقف اليومي. كما أسهم استخدام اللغة السودانية القريبة من الناس في تعزيز التواصل مع المستمعين بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.
البدايات الإذاعية:
تشير مصادر تناولت البرنامج إلى أن فكرته بدأت عام 1981، بينما تذكر روايات أخرى أن بثه انطلق عام 1982، ويرتبط إخراجه باسم إبراهيم البزعي. واستمر البرنامج سنوات طويلة على أثير الإذاعة السودانية بأم درمان، حتى أصبح من الأعمال المعروفة لدى أجيال متعاقبة. وتذكر بعض الكتابات أنه قدم أكثر من ألف حلقة، وهو رقم يحتاج إلى مراجعة أرشيفية دقيقة.
التاريخ والحياة:
تجاوز دكان ود البصير حدود الترفيه، إذ استخدم الحكاية الدرامية لتقريب التاريخ السوداني وتقديم القضايا العامة بلغة سهلة. وتناولت حلقاته موضوعات اجتماعية وثقافية ووطنية، إلى جانب قضايا التوعية والتنمية الريفية. وقد ساعد هذا التنوع على توسيع دائرة جمهوره، وجعل البرنامج نموذجا لتوظيف الدراما الإذاعية في تقديم المعرفة دون التخلي عن الفكاهة وروح الحياة اليومية.
توقف البرنامج:
تذكر كتابات صحفية أن البرنامج توقف عام 2018، بعد سنوات طويلة من الحضور الإذاعي، وتربط بعض الروايات توقفه بمشكلات مالية وإنتاجية. ومهما تكن التفاصيل المتعلقة بنهاية بثه، فإن غيابه أعاد الاهتمام بتجربته ومكانته في الذاكرة السودانية، خاصة لدى المستمعين الذين ارتبطوا بحكاياته وشخصياته، ووجدوا فيه مساحة تجمع المتعة والمعرفة وتستعيد تفاصيل المجتمع.
ضرورة التوثيق:
يستحق دكان ود البصير مشروعا توثيقيا يجمع تسجيلاته ونصوصه ويحصر أسماء المشاركين فيه، مع تسجيل شهادات معده ومقدمه والعاملين معه والمستمعين الذين عاصروه. كما ينبغي التحقق من تاريخ انطلاقته وعدد حلقاته ومراحل إنتاجه بالرجوع إلى أرشيف الإذاعة السودانية. فحفظ هذه التجربة ليس استعادة لبرنامج شهير فحسب، بل صون لجزء مهم من الذاكرة الثقافية والإبداعية السودانية.
////////////////////
نقر الأصابع ..
سراج الدين مصطفى
حدق العيون .. أبهى الأغنيات الوطنية
بساطة آسرة :
في حدق العيون تتجلى قدرة الشاعر محمد عبد القادر أبو شورة على تقديم الوطن بلغة بسيطة ومباشرة لكنها مشبعة بالحب والاعتزاز والانتماء فهو لا يحتاج إلى تراكيب معقدة ليصنع صورة الوطن الملاذ والسكن والشموخ وإنما يذهب إلى المعنى الأقرب للوجدان فيصيب به عمق الإحساس الوطني.
حمولة المعنى :
بساطة التعبير هنا ليست فقرا في اللغة وإنما اختيار واع لطريقة تصل إلى الناس دون حواجز فالوطن في النص ليس جغرافيا صامتة بل ملاذ ساعة المحن وذاكرة متوارثة ومصدر كرامة وشموخ وتتسع هذه المعاني تدريجيا لتربط التجربة الشخصية بتاريخ الشعب ونضاله وأحلامه في الغد.
ذاكرة الانتماء :
حين يقول الشاعر غنيت هواك قبل الفطام فإنه يختصر علاقة الإنسان بوطنه في صورة طفولية شديدة الحميمية ثم ينتقل إلى وهج الشموس وشرف الاسم ووسام المجد في بناء لغوي يوازن بين عفوية التعبير ورفعة المقصد ويمنح الكلمات طاقة وجدانية تتجاوز مناسبات الغناء العابرة.
عبقرية التلحين :
هنا تتدخل عبقرية محمد وردي الذي لم يتعامل مع الكلمات بوصفها نصا يحتاج إلى التلحين فحسب بل قرأ ما وراءها من عاطفة وطنية واندفاع جماعي فاختار لها مسارا موسيقيا يرفع حرارة المعنى ويمنح المفردات البسيطة اتساعا تعبيريا يجعلها قابلة للإنشاد الجماعي والتفاعل.
تفسير موسيقي :
نجاح وردي يكمن في قدرته على تفسير النص لحنيا دون أن يطغى على روحه فالموسيقى تمنح الاعتزاز بالوطن قوة إضافية وتدفع الصور الشعرية نحو فضاء أرحب حيث يتحول الغناء من تعبير فردي عن المحبة إلى حالة مشتركة يتقاسمها المستمعون وتستقر في وجدانهم.
ملامح سودانية :
يستدعي النص النيل والخليل وعتيق ليؤكد أن الهوية الوطنية تتشكل من تاريخ الأرض وإبداع أبنائها ونضالاتهم ويأتي اللحن ليجمع هذه الإشارات في نسيج واحد فلا تبدو الأسماء مجرد إحالات تاريخية وإنما تتحول إلى علامات على ذاكرة سودانية تستمد منها الأغنية قوتها وخصوصيتها.
حلم التعايش :
تبلغ الأغنية ذروة رؤيتها في صورة الوطن الذي يجمع الهلال والصليب ويمنح الأطفال ظله الآمن وحياتهم المفعمة بالحب والحليب هنا تتجاوز الوطنية حدود الفخر بالماضي إلى مشروع إنساني للمستقبل ويمنح وردي هذه الرؤية دفئا موسيقيا يجعل الحلم قريبا من القلب وممكنا في المخيلة.
أغنية خالدة :
من اجتماع الكلمة الصادقة واللحن المتمكن والأداء المشحون بالإحساس ولدت واحدة من أزهى الأغنيات الوطنية السودانية فقد أدرك محمد وردي أن عظمة الأغنية لا تقاس بتعقيد مفرداتها بل بقدرتها على تحويل المعنى البسيط إلى تجربة فنية عميقة تتجدد في الوجدان كلما غناها الناس.
///////////////////
نص كلمة
أسامة الشيخ .. تجربة فنية لا تشيخ
تجربة مختلفة:
مثل أسامة الشيخ تجربة فنية لافتة في المشهد الغنائي السوداني إذ استطاع أن يثبت حضوره عبر مشروع فني انطوى على أفكار جديدة ورؤى مغايرة للسائد ولم يكن مجرد صوت يسعى إلى الانتشار بل صاحب محاولة لتقديم نفسه بصورة مختلفة مستندا إلى طموح التجديد والرغبة في فتح مسارات جديدة أمام الأغنية السودانية.
مشروع واعد:
امتلكت تجربة أسامة الشيخ ملامح مشروع كان يمكن أن يتطور ويصل إلى مراحل أكثر نضجا لو وجد الاستمرار والاهتمام الكافي فبعض التجارب تحتاج إلى وقت طويل حتى تكشف عن كامل إمكاناتها وتؤكد قدرتها على صناعة الفارق غير أن الطريق الفني لا يخلو من المنعطفات التي تغير مسار الفنان وتؤثر في حضوره.
هجرة البريق:
حين اقتربت تجربة أسامة الشيخ من مرحلة تستدعي المزيد من التراكم والتطوير اختار الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية محاولا من هناك استعادة بعض بريقه الفني وهي خطوة تطرح أسئلة حول قدرة الفنان على مواصلة مشروعه بعيدا عن بيئته الأولى فالموهبة تحتاج إلى الاجتهاد والاستمرار كما تحتاج إلى جمهور يتابع تطورها ويحتضن محاولاتها.
/////////////////////
كلام فى الفن
عبدالرحيم البرعي :
لم يكن الشيخ عبدالرحيم البرعي مجرد شيخ طريقة صوفية ارتبط اسمه بالمريدين والأذكار والمدائح النبوية بل كان إنسانا مغايرا امتلك قدرة نادرة على الوصول إلى الوجدان السوداني والتأثير فيه بمحبة صادقة وروح شفيفة جعلت حضوره يتجاوز حدود التصوف إلى فضاء المجتمع والذاكرة الشعبية السودانية.
عزالدين أحمد المصطفى :
ما لا يعرفه كثيرون عن عزالدين ابن الفنان الكبير أحمد المصطفى أنه صاحب تجربة موسيقية خاصة وقدرات عالية في التلحين منحته شخصية فنية مستقلة وهو إلى جانب ذلك إنسان مثقف يمتلك وعيا معرفيا ينعكس على رؤيته للفن وقدرته على التعامل مع الموسيقى باعتبارها معرفة وإبداعا يتجاوز حدود الموهبة وحدها.
صلاح إدريس :
الأغنيات التي قدمها صلاح إدريس للفنان حسين شندي أحدثت تحولا واضحا في تجربته الفنية ونقلته إلى مساحة جديدة من الحداثة دون أن يفقد هويته كمطرب شعبي فقد جمعت تلك التجربة بين روح الغناء الجماهيري والتجديد في النص واللحن والأداء لتقدم نموذجا لافتا في تطوير الأغنية الشعبية السودانية.
صديق الكحلاوي :
كان صديق الكحلاوي مطربا يمتلك مقومات الصوت والحضور والقدرة على التواصل مع الجمهور وقد عرفته حفلات الماضي بحضور كثيف وزاه جعل منه واحدا من الأسماء التي ارتبطت بذاكرة المناسبات الاجتماعية والطرب الجماهيري وكانت تجربته تعكس زمنا امتلك فيه المطرب مكانته بصوته وأدائه وقدرته على صناعة الفرح.
عبدالرحمن الريح :
بتقديري الخاص تستحق تجربة عبدالرحمن الريح وقفة متأنية تعيد قراءة مكانته في تاريخ الأغنية السودانية فهذا الرجل لم يكن مجرد شاعر وملحن بل صاحب مشروع فني أسهم في نقل الأغنية من فضاء الحقيبة إلى آفاق الحداثة وفتح أمامها مسارات جديدة في التعبير والتلحين وبناء الشخصية الغنائية السودانية.
///////////////////



