أيقونة الشاشة السودانية (نسرين سوركتي) في بوح ما بعد العودة.. 

شهدت بداية الحرب ومررتُ بالصدمة الاولى

في الغربة كنا ننام ونصحو على اخبار الموت و الدمار

اي رسالة تطمينية كانت تساوي لي الدنيا وما فيها

وجدتُ كل زاوية في بلادي تهمس: (هنا تغير كل شيء)

حاورها/ خوجلي الشيخ

تعتبر الاستاذة نسرين عبد العزيز عمر إحدى أميز المذيعات اللائي ظهرن في السنوات الاخيرة إن لم تكن أميزهن.. هي بمثابة اميرة لمذيعات السودان وايقونة للشاشات السودانية.. تمتلك كاريزما مثالية وصاحبة إطلالة مريحة.. ظهرت في برامج المنوعات بقناة النيل الازرق ثم انفجرت موهبةً و إتقاناً و براعةً على شاشة قناة “الشروق” في برامج سياسية اشهرها برنامج “المحطة الوسطى”.. ثم سرقتها الغربة واختفت هناك في ضباب لندن بعيداً عن الاضواء.. في فترة الحرب فتحت نسرين خطاً ساخناً مع كل من يحتاج لمد يد العون فكانت اشعاراتها الخضراء تسبق لهفة سلامها.. الآن وبعد ثلاث سنوات من القلق والتوتر عادت نسرين إلى ارض الوطن وهذه المرة كانت العودة مختلفة لذلك استقبلتها صحيفة ” العودة” لتستمع إلى كل ما يعتمر داخل هذه النجمة المتدفقة احساساً وعشقاً لهذا البلد… لم نكثر لها من الأسئلة وجعلناها تنداح بكل نبلها وحبها لسودان ما قبل وبعد الحرب.

حمداً لله على سلامة وصولك. لأرض الوطن أستاذة نسرين..

سلمك الله وبارك فيك وسلم وطننا السودان.

كم من السنوات قضيتيها خارج السودان ؟

غادرته منذ العام ٢٠١٩ لكنني شهدت بداية الحرب حيث كنت أقضي رمضان وسط أسرتي الكبيرة في السودان آنذاك..

زيارتك للسودان هذه المرة مختلفة لأنها الأولى بعد الحرب أليس كذلك؟

نعم… مختلفة.. ليست فقط لأنها الأولى بعد الحرب… بل لأنني رأيت كيف بدأت.. أذكر ذلك اليوم جيدًا. لم يكن في ملامحه ما ينذر بكل هذا الخراب. كانت الحياة عادية… أو هكذا ظننا. ثم جاء الصوت الأول غريب، مفاجئ… نظرنا لبعضنا في صمت، نحاول أن نفسر ما سمعنا.. لكن الأصوات تكررت… واقتربت… ولم تعد قابلة للإنكار.. في تلك اللحظة، انقسم الزمن.. قبلها… وبعدها.. أذكر الارتباك، المكالمات السريعة، الوجوه التي تحاول أن تبدو مطمئنة وهي لا تصدّق.. أذكر كيف بدأ الخوف يتسلل بهدوء، ثم استقر في كل شيء.

ولم نكن نعلم أن تلك اللحظة الصغيرة.. ستفتح بابًا طويلًا من الفقد، والغياب، والانتظار.

اليوم، وأنا أعود… لا أرى المكان فقط، بل أرى البداية.. كل شارع يحمل صدى أول يوم، كل زاوية تهمس: “هنا تغير كل شيء.”

أمشي بين الوجوه، بين البيوت، بين الذكريات…وأدرك أنني لا أزور وطنًا كما كان، بل أزور لحظة ما زالت مستمرة.

الغريب أنني نجوت…لكن جزءًا مني بقي هناك، في ذلك اليوم… عند أول صوت.

حدثينا بتركيز عن لحظة رؤيتك لأرض الوطن من نافذة الطائرة ؟

من بعد غياب ثلاثة سنوات عرفت أن هذه العودة ليست ككل مرة.

نزلتُ وأنا أحمل داخلي خوفًا خفيفًا… ليس من الطريق، بل من الحقيقة التي تنتظرني.. هل سأجد الأشياء كما تركتها؟ أم أن الذاكرة كانت أرحم من الواقع؟ في الطريق، كنت أراقب بصمت. شوارع أعرفها جيدًا، لكنها بدت كأنها تنظر إليّ بحذر… كأنها تسألني: “وينك كل الزمن ده؟” وصلت الحي… والبيت الكبير لأسرتي… توقفت قليلًا قبل أن أنزل… قلبي كان أثقل من خطواتي.. نظرت حولي بعض البيوت واقفة، وبعضها كأن التعب كسرها. أما الأصوات… فكانت أقل. أقل بكثير مما أتذكر.. تقدمت ببطء. هنا كنا نلعب. هنا كان بيت عمّ فلان… هنا ضحكنا، وهنا بكينا… والآن، الصمت يحتفظ بكل شيء.. ثم جاء الصوت… “إنت وصلت؟

استدرت.. وكان العناق أطول من كل الغياب. ضحك ممزوج بدموع، وكلمات ناقصة لأن القلب سبق اللسان.

جلست بينهم، أستمع أكثر مما أتكلم. كل واحد فيهم يحمل قصة… قصة نجاة، أو فقد، أو انتظار.. وأنا؟ كنت أحاول أن أجد مكاني بين ما كنت أعرفه… وما أصبح عليه الحال.

في الليل، خرجت وحدي.. نظرت للسماء—نفس السماء، بلا تغيير.. فهمت حينها… السودان لم يختفِ.. هو فقط… جريح.

 

كيف تلقيتِ خبر اندلاع الحرب في السودان؟؟

 

كنت شاهدة وحضور واعتقدت أنها قد لا تتجاوز الأيام وأنها مجرد حالة انفلات أمني وسيتم القضاء عليها سريعاً ولم يخطر ببالي أبداً أنها ستستمر لسنوات! في البداية، كثير من الناس ما استوعبوا الحاصل.. الخبر جا بشكل مفاجئ اشتباكات… ثم أصوات ضرب… ثم تأكيد إنها حرب.. الإحساس كان مزيج من عدم تصديق والتوتر السريع، سؤال واحد هل دي جد؟ ولا حتعدي؟ بعد أول خبر عن ضحايا، و قصف قريب من البيت، انقطاع طويل في التواصل.. اللحظة دي كانت فاصلة من قلق مؤقت… إلى وجع حقيقي.

 

هل كانت أسرتك الكريمة في الخرطوم في أيام الحرب الاولى؟

أنا وأسرتي الصغيرة والكبيرة شهدنا بداية الحرب في السودان ومررت بحالة الصدمة الأولى.. كنت أقضي رمضان في السودان وبدأن في التجهيزات للاحتفال بعيد الفطر وسط الأهل والأحباب… الحرب لم تمهلنا.. بعد مرور ما يقارب الأسبوعين وبعد أن كنا نأمل مثل كل من شهد الحرب إلا تتجاوز الأسبوعين اضطررت للخروج من الخرطوم برفقة أسرتي الصغيرة

 

يقال أن السودانيين عاشوا اياماً صعبة في الغربة و هم يرون أهلهم يُقتلون و بلادهم تسير نحو هاوية لا يمكن الخروج منها.. حدثينا عن هذه الأيام ؟

 

في الغربة، الألم بيكون مضاعف. ما بس لأن الوطن بيتألم، لكن لأنك بعيد وما قادر تعمل حاجة مباشرة.

كثير من السودانيين كانوا بيصحوا وينامون على أخبار القتل والدمار

يتابعوا فيديوهات لأحياءهم وهي بتتحول لركام، يحاولوا يتواصلوا مع أهلهم في ظل انقطاع الاتصالات في لحظات، مجرد رنة تلفون أو رسالة “نحن كويسين” كانت بتساوي الدنيا دي كلها.. صعب إحساس كان العجز.

إنك تشوف بلدك بتنهار قدامك وما قادر توقف النزيف.. البعض حاول يساعد عن طريق تحويلات مالية، دعم المبادرات الإنسانية، نشر الوعي في الخارج، لكن برضو، الإحساس الداخلي كان ده ما كفاية.

 

ما هو أسوأ خبر تلقيتيه أيام الحرب؟

هذه المرة… لم تكن رسالة.. كان اتصالًا.. رنّ الهاتف في وقتٍ متأخر، وفي الحرب، المكالمات المتأخرة لا تحمل خيرًا.. كان زوجي الذي ظل صامداً في السودان… وترددت لثوانٍ، كأنني أعرف أن الإجابة ستغيّر شيئًا في داخلي إلى الأبد.

رددت.. لم أسمع التحية.. فقط صوت مكسور يقول: “أبوي مات.” سكتُّ.. ليس لأنني لم أسمع بل لأنني لم أستطع أن أسمح للكلمة أن تدخل.

“كيف؟” سألتها، لكني لم أكن أريد إجابة. أي تفسير لن يغيّر شيئًا.

قيل لي: “كان في المكان الغلط… في الوقت الغلط.”كأن الموت أصبح صدفة. كأن الحياة نفسها أصبحت مخاطرة يومية.. أغلقت الهاتف… أو ربما هو الذي أُغلق، لا أذكر. جلست في مكاني طويلًا، أحاول أن أستوعب فكرة أن شخصًا كنت أعرفه، بصوته، بضحكته، بتفاصيله الصغيرة… لم يعد موجودًا.

لا وداع.. لا جنازة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى