ايمن كبوش يكتب : اتركوا المواطن في حاله

أفياء..

# من الظلم وعدم التقدير أن نطالب المواطن السوداني بما هو أكبر من طاقته المهدودة طوال الحقب الممدودة، فظل وحده (يشيك) على الفواتير، ورغم ذلك يتحامل عليه بعض الشانئين حين يطالبونه بالمزيد من التضحية والثبات في ميادين ليست ميادينه تسديدا لأخطاء الآخرين وسوء تقديراتهم.

# ينصرف المواطن احيانا نحو ذاته منكفئا عليها بعيدا عن الشؤون التي تبكيه.. ولكم حمل الهموم شجونا وجراحا وهو لا يملك من شئون المعارك الحربية شيئا يبديه.. أن ادمن المتابعة الدقيقة اللصيقة عاتبناها بغلظة.. وان سكت عنها قلنا عنه إنه انصرف، والانصراف في عرف الجيش، ايها السادة، فعل مشروع ومطلوب لنيل قسط من الراحة والاستجمام، اراحة العقل واراحة البدن في بلد الركض واللهاث.. لأن الإنسان الذي ظل راكضا طوال ثلاثة أعوام من عمر الأهوال.. يستحق بطبيعة الحال.. أن نعطيه نداءً بالانصراف لترميم الكثير من أموره الذاتية التي تدمرت دون أن يكون شريكا في إصدار أوامر هذا الدمار ولكن.

# من حق المواطن أن ينصرف لمعاشه الخاص وحياته الخاصة بحثا وتنقيبا عن ما يسد حاجته.. يكفيه ما قدمه حتى الساعة من دماء وعرق وتضحيات كبيرة في معركة الكرامة لأن هذا هو واجبه، ولكنه لن يظل طوال يومه في كابينة سلاح الإشارة والتوجيه المعنوي والتتبع الحراري.. لان هذا لن يوفر له لقمة العيش الكريم وهو مطالب بأن يسخر ساعات يومه في العمل سواء في المصانع أو الحقول أو مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.. حوجته لا تتوقف عند حدود المأكل، والمشرب والسكن والرسوم الحكومية والدراسية.. بل هو يبحث عن تعويض كامل شامل لما فقده خلال هذه الحرب ذات الكلفة العالية، حيث لم يعد هناك مسكن ولا مأوى ولا ملبس ولا ادوات كهربائية.. ورغم ذلك ظل المواطن واقفا بشموخ لا ينسى.. ومازال يأمل في العودة إلى أرضه وداره لا ليستعيد ذكرياته القديمة، بل ليخيط تفاصيل البدايات الجديدة من الصفر وهو أكثر حبا للوطن وأكثر حماسا لإصلاح الكسر وجبر الضرر بإرادة ذاتية وعزم لا يلين بأن ما مضى قد يمثل كفارة للذنوب..

# عانى المواطن ما عانى من مآلات الحرب.. وتوزعت روحه نازحا في صعد الدنيا المختلفة.. ثم تناسى اوجاعه وقرر العودة اخيرا إلى حياته التي كانت ما قبل منتصف شهر ابريل ٢٠٢٣.. فهل تم استقباله بالترحاب الذي يليق به وبمن يحتاجون لأبسط خدمة من الدولة.. وهي خدمة العلاج النفسي الذي لا يحتاج للطبيب بقدر ما يحتاج للقرارات الداعمة لمعاش الناس وخدماتهم الإنسانية.. لا محاصرتهم بالجبايات الجائرة والفواتير التي تفوق طاقتهم.. الدولة تريد أن تغطي على عجز موازنتها من الجيوب الخالية.. بدلا من إيجاد معالجات أخرى لسد الدين وستر الحال.

# اخيرا اقول أن أغلب السودانيين في الخدمة العامة وكذلك القطاع غير المنظم من مطحوني (رزق اليوم باليوم)، حياتهم ومعاشهم الآن، لا تتماشى مع ثقوب الموازنة العامة للدولة، ولكن غالبية شعبنا تصالح مع الواقع الكئيب بيقين (المكتوب في الجبين لابد تراه العين).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى