الإرهاب بين المفهوم والبنية: في تفكيك البنية التمهيدية للإرهاب
الجزء الثالث

البعد الخامس
الدولة بين الحماية والتواطؤ: هل تكبح البنية التمهيدية للإرهاب أم ترسّخها؟
بقلم.: صباح المكي
مقدمة
إذا كان الجزء الأول قد سعى إلى تفكيك مفهوم الإرهاب من الداخل، كاشفًا اضطراب تعريفه وحدود التمييز بينه وبين غيره من أشكال العنف، فإن الجزء الثاني انتقل إلى ما هو أعمق من التعريف نفسه: إلى البنية التي تسبق الفعل، واللغة التي تمهّد للترويع قبل أن يتجلى في صورته المسلحة المباشرة. وهناك بدا واضحًا أن الإرهاب لا يُنتَج بالسلاح وحده، بل يُمهَّد له الطريق أيضًا عبر نزع الإنسانية، وتوسيع دائرة العدو، وتطبيع الكراهية، حتى يغدو العنف أقل نفورًا وأكثر قابلية للتبرير. وفي الأمثلة الدولية كما في الحالة السودانية، ظهرت هذه الحقيقة بوصفها منطقًا متكررًا: أن الترويع كثيرًا ما يبدأ من الكلمة قبل أن يبلغ الرصاصة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك لا يتعلق بالبنية وحدها، بل بالسلطة التي تسمح لها بالنمو، وبالمجتمع الذي يدفع ثمنها. من الذي يوقف هذا الانحدار حين تتحول الكراهية من خطاب إلى مناخ، ومن مناخ إلى تفكك اجتماعي، ومن تفكك إلى نزوح يُعاد فيه فرز الناس بأسمائهم ولهجاتهم وانتماءاتهم؟ هنا يبدأ الجزء الثالث، حيث لا يعود الحديث عن الكراهية بوصفها لغة فقط، بل بوصفها أزمة دولة وأزمة مجتمع في آن: دولة قد تكبح البنية التمهيدية للإرهاب أو تتواطأ معها، ومجتمع يتلقى أثرها في ثقته اليومية، وفي وحدته الهشة، وفي جغرافيته البشرية التي يُعاد رسمها تحت ضغط الخوف.
*الدولة بين الحماية والتواطؤ*
إذا كان خطاب الكراهية في السودان نتاجًا لتاريخ طويل من التهميش، وتسييس الهوية، وتسليح الانتماء، فإن مواجهته لا يمكن أن تُترك للمجتمع وحده، ولا أن تُختزل في دعوات أخلاقية عامة إلى التسامح والتهدئة. فالدولة ليست متفرجًا خارجيًا على هذه الظاهرة، بل هي، في كثير من الأحيان، أحد شروط إنتاجها أو أحد مفاتيح كبحها. ولهذا فإن السؤال عن دور الدولة لا يَرِد هنا بوصفه تفصيلًا لاحقًا، بل بوصفه سؤالًا يمس جوهر البنية التمهيدية للإرهاب نفسها: هل الدولة في السودان جزء من اقتصاد الكراهية الذي يمهّد للترويع، أم يمكن أن تتحول إلى أداة لتفكيكه؟
تكمن المشكلة في أن الدولة لا تفشل فقط حين تعجز عن منع خطاب الكراهية، بل أيضًا حين تتعامل معه بانتقائية، أو تتساهل معه إذا صدر عن حلفائها، أو تستخدم هي نفسها لغة الفرز والاشتباه والتحريض في لحظات الحرب والاستقطاب. وعند هذه النقطة، لا تكون قد قصّرت في واجبها فحسب، بل تكون قد منحت الكراهية غطاءً ضمنيًا ورسالة خطيرة مفادها أن التحريض يمكن احتماله، بل قد يكون نافعًا، ما دام يخدم توازنات قائمة أو ضرورات آنية. وهكذا لا تعود الدولة مجرد سلطة غائبة عن كبح هذه البنية، بل قد تصبح أحد العناصر التي تسمح لها بالنمو والاتساع
.
ومن هنا، تبدأ أي مواجهة جادة من الإطار القانوني. فالدولة مطالبة بسنّ تشريع واضح ودقيق يجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العداء أو العنف أو التمييز ضد الجماعات البشرية، من دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لخنق حرية التعبير أو تجريم الخلاف السياسي المشروع. فالمشكلة لا تكمن فقط في نقص النصوص، بل في غياب نصوص منضبطة تميز بوضوح بين الرأي والنقد من جهة، والتحريض ونزع الإنسانية من جهة أخرى. لأن اللحظة التي تُترك فيها الدعوة إلى نزع الإنسانية بلا ردع قانوني هي نفسها اللحظة التي تُفتح فيها الطريق أمام الترويع بوصفه فعلًا ممكنًا ومبررًا.
لكن وجود القانون وحده لا يكفي، لأن العطب في السودان، كما في كثير من البيئات المأزومة، يكمن أيضًا في انتقائية التطبيق. فلا معنى لتجريم خطاب الكراهية إذا كان هذا التجريم يُفعَّل ضد طرف ويُعلَّق أمام طرف آخر، أو إذا كانت بعض المنابر والجهات تتمتع بحصانة غير معلنة تتيح لها التحريض بلا كلفة. فالدولة التي تريد فعلًا أن تكبح هذه الظاهرة يجب أن تُظهر أن الكراهية ليست جريمة فقط حين تصدر عن الخصوم، بل جريمة بصرف النظر عن هوية قائلها، وموقعه، وسنده السياسي أو العسكري. وإلا فإن الانتقائية نفسها تتحول إلى مساهمة مباشرة في إنتاج البيئة التي ينمو فيها الترويع.
ولا يقل أهمية عن ذلك مراجعة اللغة العامة التي تُدار بها الشؤون العامة وتُقدَّم بها القضايا الوطنية. إذ لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية بفاعلية إذا ظلت في المجال العام تعبيرات توحي بالفرز أو التعميم أو الشك الجماعي. فالتصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على معاقبة المحرّضين، بل يتطلب أيضًا ترسيخ لغة وطنية جامعة في توصيف المواطنين والمناطق والجماعات، تقوم على المساواة في الانتماء والحقوق والواجبات. ذلك أن الخطاب الذي يعزز المواطنة المتساوية يضيّق المساحة التي تنمو فيها الكراهية، فيما تفتح التعميمات الجارفة ولغة الاستعلاء أو التخوين الباب أمام مزيد من الاحتقان وسوء الظن والانقسام، بل وتغذي البنية النفسية والأخلاقية التي تسمح بالترويع لاحقًا.
وفي الحالة السودانية، يكتسب هذا الدور أهمية خاصة فيما يتعلق بحماية الفئات الأكثر تعرضًا لحملات التشهير والكراهية الرقمية، وفي مقدمتها النساء، إلى جانب الناشطين، والصحفيين، والإعلاميين، وغيرهم من الفاعلين في المجال العام. ومع أن هذه الممارسات قد تطال شرائح متعددة، فإنها لا تقف عند حدود التشهير، بل كثيرًا ما تتخذ أيضًا شكل وصم وعنصرية قائمين على الهوية. ويكتسب استهداف النساء، ولا سيما الناشطات والسياسيات والإعلاميات، خطورة مضاعفة، لأنه يجمع في كثير من الحالات بين التشهير، والوصم الاجتماعي، والتمييز، بما يجعله أداة لإقصائهن من المجال العام. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى آليات واضحة لتلقي الشكاوى، وحماية الضحايا، والتعامل الجاد مع حملات التشهير والعنصرية المنظمة. لأن هذا النمط من الاستهداف لا يضر بالأفراد وحدهم، بل ينعكس أيضًا على سلامة المجال العام وقدرته على البقاء فضاءً آمنًا للمشاركة والتعبير.
كما يقع على الدولة واجب تنظيم الفضاء الرقمي من دون تحويل ذلك إلى ذريعة للرقابة الشاملة أو قمع الحريات. فالمطلوب ليس شرطة أفكار تلاحق كل تعبير حاد، بل سياسات ذكية تستهدف الحسابات والشبكات التي تحرّض على القتل، أو تدعو إلى التطهير، أو تمارس التشهير المنظم، أو تبث الكراهية والعنصرية، أو تؤجج النزاع على أساس الهوية.أي أن الدولة مطالبة بحماية المجتمع من التحريض، لا باتخاذ مكافحة الكراهية ذريعة لإسكات كل معارضة أو رأي مخالف. ذلك أن الفضاء الرقمي، في سياق الحرب، لم يعد وسيطًا محايدًا، بل صار جزءًا من بنية الحرب نفسها. فمن خلاله تُدار حملات التضليل، وتُبث الكراهية، وتُوجَّه الانفعالات الجماعية، وتُمهَّد الأرضية النفسية لتقبّل العنف أو تبريره. وليس مثال رواندا ببعيد عن هذا المعنى، فقد سبقت الإبادة الجماعية هناك حملات تحريض ممنهجة استهدفت جماعة إثنية بعينها، وأسهمت في تهيئة المجال العام لتقبّل القتل الجماعي وتبريره. وحين انفجر العنف، كانت النتيجة مذبحة هائلة أودت بحياة مئات الآلاف خلال نحو مئة يوم. وبهذا المعنى، لم تعد الحروب المعاصرة ميدانية فقط، بل أضحت أيضًا حروبًا سيبرانية ومعلوماتية ونفسية، تستهدف الوعي العام، وتعيد تشكيل المجال المدني بالخوف، وتحوّل المنصات إلى أدوات تعبئة وتمزيق وإرهاب رمزي يسبق الإرهاب المادي أو يرافقه. ولذلك، لم تعد حماية الفضاء الرقمي مسألة تقنية فحسب، بل أصبحت جزءًا من حماية السلم الأهلي ومنع تحويل المنصات إلى ساحات مفتوحة لإنتاج الخوف والكراهية وإعادة تدوير العنف.
غير أن أي جهد في هذا الاتجاه سيظل هشًا ما لم يُربط بمسار أوسع من العدالة والمحاسبة. ذلك أن الإفلات من العقاب هو التربة التي تنمو فيها الكراهية، لأنه يقنع الفاعلين بأن التحريض يمكن أن يمر، وأن اللغة التي تمهّد للعنف لا تُحاسب، وأن الضحايا يمكن أن يُنسَوا مرة بعد مرة. ولذلك فإن دور الدولة لا يقتصر على منع الجريمة القادمة، بل يشمل أيضًا كسر الحلقة القديمة: توثيق الانتهاكات، ومساءلة المحرّضين، والاعتراف بالضحايا، ومنع إعادة تدوير الخطاب نفسه كلما انفجرت أزمة جديدة. فلا يمكن كسر البنية التمهيدية للإرهاب ما دامت الذاكرة الجريحة تُترك بلا عدالة، وما دام المحرّضون يتحركون بلا كلفة.
ثم إن مكافحة خطاب الكراهية ليست مهمة قضائية وأمنية فقط، بل هي أيضًا مهمة تربوية وإعلامية وثقافية. الدولة مسؤولة عن إصلاح المناهج بما يعزز قيم المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد، ويضمن تقديم التنوع السوداني بصورة منصفة، ويحول دون تكريس سلوكيات أو تصورات تقوم على الاستعلاء والإنكار. أما وزارة الإعلام، فتقع عليها مسؤولية محورية في حماية المجال العام من الانقسام الرمزي، عبر بناء سياسة إعلامية وطنية تعكس تنوع السودان بدل اختزاله، وتقدّم الوطن بوصفه ملكًا لجميع أبنائه، لا صورة تحتكرها جهة أو جماعة أو مركز. فالإعلام الوطني، ولا سيما القناة القومية، يجب أن يكون مرآة جامعة يرى فيها السوداني نفسه ممثلًا بكرامة، في لغته ولهجته وثقافته وتجربته الاجتماعية، لا أن يشعر بأن الوطن المعروض على الشاشة لا يشبهه ولا يعترف به. كما أن وزارة الإعلام مطالبة بأن تنقل التعدد من مستوى المعايير المعلنة إلى مستوى التمثيل الفعلي، عبر برامج ومضامين ووجوه تعكس اتساع المجتمع السوداني وتنوعه، لأن الخلل لا يكمن دائمًا في غياب المبادئ، بل في ضعف تجسدها العملي داخل الفضاء الإعلامي الوطني. فالمشكلة لا تبدأ عند لحظة الجريمة فقط، بل قبلها بكثير، حين تتشكل في الوعي العام صورة من يستحق الاحترام ومن يمكن احتقاره أو استبعاده. ومن هنا، فإن دور الدولة لا يقتصر على منع العنف بعد وقوعه، بل يمتد إلى منع الشروط التي تجعله ممكنًا منذ البداية.
وفي المحصلة، لا ينجح أي حديث عن كبح هذه البنية ما لم تستعد الدولة معناها الأساسي: أن تكون حامية لجميع المواطنين على قدم المساواة، لا ممثلة لهوية ضد أخرى، ولا راعية لمركز ضد هامش، ولا مظلة لفئة دون غيرها. فحين يشعر الناس أن الدولة تقف فوق الجميع وتحمي الجميع، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالقبيلة والجهة والانتماء الضيق. أما حين تبدو الدولة منحازة أو عاجزة أو متورطة، فإن الكراهية تجد بيئتها المثالية، لأن المواطنين يعودون إلى تعريف أنفسهم والدفاع عن أنفسهم خارج الإطار الوطني المشترك. وبهذا المعنى، لا يظهر دور الدولة هنا بوصفه تفصيلًا إداريًا، بل بوصفه اختبارًا مباشرًا لمعنى الدولة نفسها: فإما أن تكون مؤسسة للعدالة والمواطنة المتساوية، فتفكك الشروط التي تمهّد للترويع، وإما أن تبقى جزءًا من البنية التي تنتج الكراهية وتسمح لها بالاتساع، بصمتها أو انتقائيتها أو تواطئها.
*أثر الكراهية على النسيج الاجتماعي ومسارات النزوح*
لا تتوقف آثار خطاب الكراهية عند لحظة التحريض أو الانفجار العنيف، بل تمتد إلى الأنسجة الدقيقة التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة. فهو يفسد الثقة بين الجيران، ويشوّه العلاقات في الأحياء والأسواق وأماكن العمل، ويحوّل التفاعل اليومي إلى مساحة شك دائم. بل إن بعض الأفراد يستخدمونه أحيانًا لتصفية حسابات شخصية أو للانتقام، عبر اتهام أبرياء بالولاء لهذا الطرف أو ذاك، بما قد يقود إلى اعتقالهم أو تصفيتهم أو نفيهم اجتماعيًا. وهكذا لا يبقى الخطاب العنصري مجرد فكرة، بل يتحول إلى أداة تدمير اجتماعي مباشر.
ومن أشد النتائج قسوة أن النزوح نفسه بات يُعاد تشكيله على أسس الهوية. فلم يعد الناس يفرون فقط من الرصاص والقصف، بل أيضًا من الكيفية التي قد يُنظر بها إلى أسمائهم ولهجاتهم وأصولهم وانتماءاتهم عند نقاط التفتيش أو داخل مناطق السيطرة المختلفة. وهكذا يصبح خطاب الكراهية عاملًا مباشرًا في إعادة رسم الجغرافيا البشرية، وفي تقرير من يستطيع المرور، ومن يُجبَر على الاختباء، ومن يُدفَع إلى طريق أكثر خطرًا فقط لأنه ينتمي إلى هوية معينة.
*خاتمة: الكراهية ليست قدرًا، بل نتيجة بنية مختلة*
وفي المحصلة، لا ينبغي قراءة خطاب الكراهية والعنصرية في السودان بوصفه ظاهرةً محصورة في إقليم بعينه أو قابلة للاختزال فيه، ولا بوصفه نتاج الحرب الراهنة وحدها، بل باعتباره عرضًا بنيويًا لأزمة دولة لم تنجح بعد في تحويل تنوعها إلى عقد وطني متساوٍ، فظل التهميش يتكرر، بدرجات مختلفة، في أنحاء واسعة من السودان وبصور متعددة. وهو ليس قدرًا ثقافيًا ثابتًا، ولا دليلًا على استحالة العيش المشترك بين السودانيين، بل نتيجة تاريخ طويل من سوء بناء الدولة، وتسييس الهوية، وتفاوت السلطة والثروة، وغياب المحاسبة، ثم تغليب منطق القوة والسلاح في إدارة الصراع، وتفاقم هذه السموم عبر الفضاء الرقمي.
ولهذا فإن معالجته لا يمكن أن تتم بالمواعظ الأخلاقية وحدها، ولا بمجرد الدعوة العامة إلى التسامح، بل تحتاج إلى ما هو أعمق: إعادة تأسيس المجال الوطني على قاعدة المواطنة المتساوية، والعدالة، والاعتراف بالتعدد، وتجريم التحريض، وحماية النساء، وإنفاذ مبدأ المحاسبة على الجميع من دون انتقائية أو تمييز. فالكراهية لا تعيش من تلقاء نفسها، بل تزدهر حيث توجد بنية مختلة، وحيث تغيب العدالة، وحيث تصبح اللغة أداة للاستبعاد بدلًا من أن تكون جسرًا للتواصل والتعاضد. ومن دون معالجة هذه الجذور، سيظل السودان يواجه الخطر نفسه كلما اهتزت الدولة أو اشتد الصراع: أن تُستباح اللغة أولًا، ثم يُستباح الإنسان بعدها.
bitalmakki@gmail.com



