لعنة “الذهب” في السودان

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
معركة الشعب السوداني مع الفقر معركة طويلة ومستمرة، شدَّ إليها خيل الهجرة والاغتراب، وضرب باطن الأرض في وقت من الأوقات، فخرج “الذهب الأسود”، وتلونت أحلام السودانيين بألوان الخروج من خناق الفقر المدقع إلى رحاب عافية الاقتصاد السوداني. وكما الأحلام، لم يستمر ذلك كثيرًا، لأن السودانيين اصطدموا بحقيقة أنهم أخرجوا “شيطان” البترول، واستبدلوا الفقر بالحرب على الموارد التي أفضت إلى فصل الوطن جغرافيةً وشعبًا، بخسائر لا يمكن تقديرها على مستوى أرقام الاقتصاد والمورد البشري.
خسر السودانيون الإضافة الكبيرة في اقتصاديات البلد بانفصال الجزء الأقوى والأكبر في إنتاج البترول “جنوب السودان”، فعوضتهم الأرض مرة أخرى بالذهب الأصفر، بإنتاج قد لا يعوض فاقد البلد من البترول، ولكنه كان الضوء الذي دفع الكثيرين من السودانيين للاتجاه للبحث عن النجاة من الفقر في قلب الصحراء.
(*) بريق الذهب وظلال الموت ..
لا يمر وقت طويل قبل أن نقرأ في الأخبار بأن الأرض التي تهب الذهب، وغيرت ملامح حياة الكثيرين من السودانيين، بل ونقلتهم من نقطة الفقر الصفرية إلى عتبات الغنى والرفاهية، قد ابتلعت مجموعة من المعدنين بانهيار بئر أو منجم للذهب، لتضاف طريقة أكثر بشاعة للموت إلى طرق الموت المتعددة في السودان.
بريق الذهب في صحاري السودان أغرى أكثر من مليوني سوداني بأن يتخلوا عن أي نشاط إنتاجي يمثل سبل العيش، لأنه لا يوفر لهم العيش الكريم، واختاروا الطريق الصعب الذي يقودهم لتحقيق أحلامهم بالبحث عن الذهب في باطن الأرض وصحرائها.
وفي ظل غياب الرقابة الرسمية والتراجع الكبير في معايير السلامة، أصبح من العادي أن نسمع عن عدد من المعدنين الناشطين في التعدين الأهلي والعشوائي قد دفنوا، هم وأحلامهم بالنجاة من الفقر، تحت رمال الآبار والمناجم. ولم تنتبه الجهات الرسمية بعد لخطورة ما يحدث، ربما لأن من يلقون حتفهم بهذه الطريقة هم، في الأساس، من فقدوا كل فرص الحياة واختاروا طريق باطن الأرض بلا شيء يخسرونه.
ترسم “الأزمة الاقتصادية” الطاحنة في السودان هذا المشهد القاتم، لينتشر التعدين التقليدي في الولاية الشمالية وولاية نهر النيل والبحر الأحمر وجنوب كردفان، ويُبنى اقتصاد موازٍ يضم الآلاف من السودانيين بامتياز غياب الرقابة والحوكمة.
لطالما وثَّقت البيانات التي تصدرها لجنة الأطباء المركزية حالات وفاة وإصابة العشرات من المعدنين بنشاطهم التقليدي المفتقر لأدنى احترازات السلامة المهنية والسلامة الصحية، لتنتشر أمراض الجهاز التنفسي. وبالضرورة تعاني مناطق التعدين من نقص حاد في الخدمات الصحية والإسعافات الأولية والطوارئ، وبالتالي فهي بيئة مخاطر بالدرجة الأولى. ويكفي أن التقارير الرسمية تشير إلى أن 20% من مرضى “السل” في مستشفى عطبرة هم من عمال المناجم، وهي نسبة تكشف إلى أي مدى أصبحت الآثار الصحية الكبيرة لممارسة التعدين بشكله العشوائي في السودان.
(*) كل الطرق المؤدية للموت ..
لم يتوقف الأمر عند حدود الضحايا التي تدفنهم الرمال داخل الآبار والمناجم بهذا الشكل المأساوي، بل يمتد لمخاطر أخرى ذات علاقة بعملية إنتاج الذهب واستخلاصه باستخدام الزئبق والسيانيد، لتتسع دائرة الخطر متجاوزة العاملين في نشاط التعدين إلى تشكيل خطورة أكبر على “ديموغرافيا” الولايات التي تشهد نشاطًا عشوائيًا للتنقيب عن الذهب.
ولطالما ارتفع صوت سكان تلك المناطق منددين بهذا النشاط الخطر، ومطالبين بإيقاف فتح طرق جديدة تهدد حياتهم وحياة الأجيال القادمة عن طريق تلوث المياه والتربة، وآثار مخلفات استخلاص الذهب على مياه نهر النيل. وشكاوى المواطنين من رصد حالات صحية تحمل مؤشرات خطيرة، مثل تشوهات صاحبت عددًا من المواليد الجدد، وحالات الإجهاض، وانتشار الأمراض الجلدية في الولايات التي تشهد نشاطًا مكثفًا للتنقيب عن الذهب. ومع ذلك لا توجد حتى الآن إجراءات حاسمة تضبط هذه الممارسات وتنظم العمل بمعايير سلامة عالية للإنسان والبيئة، تحد من درجة المخاطر والمهددات لهذا النوع من النشاط الذي صار آخذًا في التوسع والانتشار، بل أصبح في نظر الكثير من شباب السودانيين باب “النجاة” الوحيد، على الرغم من ارتفاع نسبة المخاطر فيه.
(*) آثار الذهب على حياة الاقتصاد السوداني ..
اقتصاديات التنقيب عن الذهب في أصلها هي اقتصاديات “عشوائية” تقودها أنشطة غير منظمة. ولإثبات ذلك يمكننا الرجوع للقراءة في التقارير الرسمية التي تقول إنه في العام 2024 بلغ إنتاج الذهب 64.3 طنًا، وارتفع إلى 70 طنًا في 2025، وأن ما يصل إلى نسبة 83% من إنتاج العام 2024 كان من مساهمات التعدين العشوائي. وفي فترات سبقت الحرب وصلت نسبة المساهمة في إجمالي الصادرات في السودان من هذا النشاط إلى ما يقارب 57%. وبهذه الأرقام كان من الممكن جدًا أن يسد الذهب الفراغ الذي خلفه خروج البترول من معادلة الاقتصاد السوداني بشكل كبير ومؤثر، لولا سوء الإدارة والتعامل الرسمي المنظم مع هذا المتغير، الذي كان من الممكن أن يقلب موازين الاقتصاد في هذا البلد رأسًا على عقب.
ذكرت “فايننشال تايمز” أنه، وعلى الرغم من مساهمة قطاع التعدين في الإيرادات العامة في السودان بما قيمته 1.8 مليار دولار في 2025، فإن ما يقدر بنصف الإنتاج من الذهب يخرج خارج البلاد عن طريق التهريب والقنوات غير الرسمية. ولذلك لا يمكن الشعور بتأثير هذا المتغير الكبير على الاقتصاد العام ومستوى المعيشة اليومي للسودانيين، ولا ثبات قيمة العملة المحلية، ولا وجود احتياطيات منه تثبت أركان السياسات الاقتصادية والمالية في السودان.
ما لم تتولَّ الدولة مهمة تقنين هذا النشاط العشوائي، وتضع معايير للعمل فيه، وترفع من مستوى السلامة الصحية والبيئية عند التعامل مع إنتاج واستخلاص الذهب، فإن هذا النشاط سيهدينا في كل يوم “كارثة” جديدة تضيع معها الأرواح وتنتشر بسببها الأمراض والأوبئة.
بالإنتاجية العالية لهذا النشاط وارتفاع الدخل، كان من الواجب على وزارة الصحة اعتماد بناء نظام صحي متكامل في مناطق الإنتاج، وتطوير أنظمة الطوارئ والإسعافات، ولو بالتنسيق مع الجهد الأهلي. وكذلك يجب على الدفاع المدني رفع مستويات الوعي بالسلامة المهنية والعمالية، وإلزام الأفراد والجهات بالسقف الأعلى من معايير السلامة وتدابيرها، بقدر حجم الكوارث التي شهدتها مناطق التعدين بشكل متكرر.
وعلى الجهات المختصة أن تستمع للسكان المحليين وصوتهم المرفوع بخطورة الاستخدامات الكيميائية للمواد في استخلاص الذهب، وحماية مصادر المياه والتربة من مخلفات هذا النشاط، واستصدار القوانين التي تجرم هذه الممارسات وتطبيقها بكل صرامة حتى لا تتكرر الكوارث.
لا يبدو أن أمر “التهريب” عصيٌّ بالدرجة التي يتواصل معها نزيف هذا المورد الاقتصادي المهم، ولو تم النظر إلى حجم الفاقد في هذا القطاع بسبب التهريب، ستعرف الجهات الرسمية أن الإهمال يضيع على البلاد شريان التغذية الرئيسي لاقتصادها.
ولا بد من إنفاذ التدابير أعلاه لتحويل “نغمة” اكتشاف الذهب واستخلاصه في حياة السودانيين إلى “نعمة” تعيد قطار التنمية والاقتصاد إلى طريق اقتصاد قوي ومتماسك، ويساهم في معركة إعادة إعمار ما خربته الحرب.



