سراج الدين مصطفى يكتب : العزيزة .. دهشة النص متجاوز !!

نقر الأصابع ..
حين ينجح نص غنائي فى أن يخلق كل هذا الأثر من مفردات بسيطة فذلك يعنى أننا أمام تجربة تعرف جيدا كيف تصل إلى القلب دون استئذان ونص العزيزه واحد من هذه النصوص التى لا تتكئ على البلاغة الثقيلة بقدر ما تعتمد على صدق الشعور وحرارة البوح لذلك يبدو النص قريبا من الناس وقادرا على ملامسة ذاكرتهم العاطفية بسرعة كبيرة كما أن النص يمنح القارئ إحساسا بأنه يعيش تفاصيله الخاصة لا تفاصيل الشاعر وحده وهذه من علامات النصوص التى تملك قابلية البقاء.
وطن الحنين:
أجمل ما فى النص أنه تجاوز فكرة الحبيبة التقليدية إلى مساحة أكثر اتساعا فالعزيزة هنا ليست امرأة فقط بل حالة أمان كاملة وملاذ روحى ولذلك جاءت عبارة احضانك بلد ياحلوة باعتبارها من أكثر الصور عمقا لأنها حولت الحبيبة إلى وطن نفسى يحتوى التعب والخوف والحنين وهذه النقلة من الخاص إلى العام منحت النص بعدا إنسانيا أكثر رحابة وجعلته قابلا للتأويل بأكثر من معنى كما أن عبارة ظروفنا الوحيدة الطال تحمل قدرا كبيرا من الاختزال والذكاء التعبيرى.
موسيقى داخلية:
النص أيضا يملك وعيا موسيقيا واضحا حتى وهو يتحرك خارج الوزن التقليدى إذ اعتمد على الإيقاع الداخلى وصناعة اللازمة الغنائية عبر التكرار خصوصا فى عبارة سلميلنا علي التى تحولت إلى جرس موسيقى يربط أجزاء النص ببعضها كما أن تمديد الكلمات لم يكن مجرد شكل كتابى بل محاولة ذكية لنقل الإحساس صوتيا وكأن الكاتب يريد من المتلقى أن يسمع الانفعال قبل أن يقرأه وهذه التقنية تمنح النص روحا شفاهية قريبة من طبيعة الغناء السودانى الحديث.
خيال قريب:
فى جانب الأخيلة استطاع النص أن يصنع صورا جديدة من مفردات مألوفة جدا وهذه ميزة صعبة لا تتحقق بسهولة فصورة الضفاير الموجه موجة منحت النص حركة بصرية ناعمة بينما جاءت صورة المواسم التائهة داخل الضفاير لتفتح الباب أمام خيال صوفى وعاطفى معا كذلك فإن تفاحتين خدودك صورة رغم بساطتها إلا أنها مشبعة بالحياة والبراءة والحميمية الشعبية وهذا النوع من الخيال يمنح النص قدرة على العيش داخل وجدان المستمع بسهولة كبيرة.
رهان التجديد:
ما يميز هذا النص فعلا أنه لا يحاول أن يبدو متفلسفا أو متعاليا على الذائقة الشعبية بل يراهن على العفوية والدفء ولذلك تبدو كلماته كأنها خرجت دفعة واحدة من قلب ممتلئ بالشوق وهذه النوعية من الكتابة هى الأقرب للناس والأكثر قدرة على البقاء لأن التجديد الحقيقى لا يأتى دائما من التعقيد بل أحيانا يولد من البساطة حين تكون مشبعة بالصدق والخيال والإحساس ولذلك يمكن النظر إلى نص العزيزه باعتباره محاولة واعية لتحديث الأغنية العامية السودانية دون الانفصال عن روحها الشعبية القديمة.



