المواجهة السياسية في برنامج “الطريق 18” – (الهندي x شريف) 

بقلم/ الشاذلي حامد المادح 

إتسمت الحلقة بتباين حاد في منهجية الطرح .. حيث إعتمد الصحفي الهندي عز الدين على ما يمكن تسميته بـ “التحليل البنيوي للوقائع” .. فقد قدم سلسلة من الأدلة الزمنية و الميدانية (مثل تحركات 11- 14 – 15/ أبريل و إجتماعات مبعوثة الإتحاد الأوروبي و رواية أمجد فريد) لنقل الحوار من مربع التكهنات إلى مربع “الأدلة السياسية و الميدانية” .. في المقابل .. تمسك السياسي شريف محمد عثمان بـ “سردية دائرية” عابرة للحلقات و الضيوف ، تقوم على “شيطنة” الخصم (الحركة الإسلامية) كغطاء شامل للهروب من إستحقاقات الأسئلة المتعلقة بـ “التواطؤ السياسي” أو “الشرعنة” التي منحت للتمرد خلال الفترة الانتقالية .. و لذلك ذات المحتوى و المضمون الذي قدمه أمام ضياء الدين بلال و هشام شمس الدين و كل مداخلاته في كافة البرامج هو ذات المضمون الذي قدمه أمام الهندي في هذه الحلقة .

كشف التحليل عن إستراتيجيتين متناقضتين : استراتيجية الهندي : إتجهت نحو “عقلنة الصراع” من خلال التمييز بين مؤسسة الجيش ككيان وطني و بين الأخطاء الإدارية في نشأة الدعم السريع .. كما نجح في تفكيك “الفزاعات الإعلامية” (مثل قصة التدريب الإيراني) عبر منطق “الضرورة الفنية” و التي عبر عنها بوفرة ضباط المعاش السودانيين و التي تجعل البحث عن خبرات خارجية أمراً غير منطقي ، مما أعاد الإعتبار لمفهوم “المقاومة الشعبية” كفعل وطني مؤقت أملته ضرورة الدفاع عن الدولة و قد عزز منطقه بتجربة الحرب في الجنوب حيث إختفى المجاهدون بمجرد الوصول الى سلام في 2005 م .

إستراتيجية شريف : إعتمدت على “الإسقاط النفسي” و ليّ عنق الحقيقة” .. فهو يمارس “الكذب الواثق” من خلال إنكار وقائع شهد بها شركاؤه في العمل السياسي و يسعى دوماً لـ “عزل الخصم أخلاقياً” بدلاً من محاججته برامجياً .. هذا الخطاب يتسم بـ “الزئبقية” فهو يطالب بالحوار في الختام بعد أن يكون قد قطع كل خيوط التواصل في ثنايا حديثه عبر “التخوين” و”الشيطنة المطلقة” .

كذلك .. بينما قدم الهندي قراءة لمآلات الحرب ترتكز على إستعادة هيبة الدولة و تحول الجيش من الدفاع إلى الهجوم بفضل الإسناد الشعبي ، ظل خطاب شريف حبيس “ثقافة الكراهية” التي أنتجتها بعض منصات الثورة ، حيث يتم التعامل مع الحرب كأداة لتصفيات سياسية مع تجاهل تام للحقائق الميدانية التي تثبت تورط قيادات من فصيله السياسي (مثل محمد حسن عربي و غيره) في هياكل “حكومة الدعم السريع” و هو تناقض جوهري ينسف مصداقية السردية التي يحاول ترويجها .

سرديات “شريف عثمان” المكرورة (نهج الناشط)

شماعة “الكيزان” : إرجاع كل أحداث الحرب إلى “الحركة الإسلامية” كغطاء للهروب من أي تحليل سياسي لمستجدات الراهن (مثل جولات البرهان) .

إنكار التورط السياسي : القفز فوق حقيقة إنضمام قيادات بارزة من حزبه (مثل محمد حسن عربي) لهياكل الدعم السريع و محاولة تصوير الأمر كأحداث فردية معزولة لتغبيش الرأي العام .. غض الطرف عن مشاركة عضوية حزبه في القتال إلى جانب الدعم السريع .

ليّ عنق الحقائق التاريخية : تكرار رواية “الطلقة الأولى” و تكذيب شهادات رفقائه في الإتفاق الإطاري (مثل أمجد فريد) الذين أكدوا نية التمرد الإنقلابية قبل 15 أبريل .

فزاعة “التدخل الأجنبي” : تدوير قصص “التدريب الإيراني” للمستنفرين دون دليل مادي ، بهدف وصم المقاومة الشعبية بالإرهاب و عزلها دولياً و ذلك يخدم الدعم السريع .

شيطنة المؤسسة : أستخدام مصطلح “جيش الكيزان” كأداة دعائية لإضعاف الإلتفاف الشعبي حول المؤسسة العسكرية ، رغم إعترافه الضمني بشرعيتها في محطات سابقة (مثل إعتصام القيادة)

النقاط الصلبة لـ “الهندي عز الدين” (نهج التوثيق والموضوعية)

التسلسل الزمني القاطع : الإستناد إلى وقائع ما قبل الحرب (11-14 أبريل) مثل التحشيد في مروي و تهديدات حميدتي للمبعوثة الأوروبية ، مما يثبت أن الحرب كانت “خياراً عسكرياً” للتمرد و ليست مؤامرة سياسية لحزب ما أو حركة ما .

الإستدلال بالمصادر المحايدة : تعزيز الطرح بتقارير دولية (مختبر ييل) و شهادات من داخل معسكر “الإتفاق الإطاري” نفسه ، مما يخرج الحوار من دائرة “الخصومة السياسية” إلى دائرة “الواقعة المشهودة” .

المنطق الفني و العسكري : تفنيد ادعاءات التدريب الخارجي (إيران) بمنطق الحاجة فالسودان يمتلك آلاف الضباط المعاشيين ، مما يجعل “الخبرة الوطنية” هي الأساس و المحرك الفعلي للعمليات .

النقد المؤسسي المتزن : موضوعيته برزت في عدم الدفاع الأعمى .. حيث حمل الجيش مسؤولية الخطأ الإداري في تضخيم الدعم السريع سابقاً ، لكنه ميز بصرامة بين “خطأ التأسيس” و”جريمة التمرد” .

الرؤية الوطنية الشاملة : طرح مفهوم “قبر ثقافة الكراهية” و العودة للتقاليد السياسية الرصينة (الانتخابات و البرلمان) مقابل خطاب الإقصاء الذي يتبناه الطرف الآخر ، مما يجعله يتحدث بلسان “رجل الصحافة” الحريص على البقاء الوطني .

تحليل أداء المذيع و مدير الحوار (علي فارساب)

يعد أداء مدير الحوار في هذه الحلقة نموذجاً لـ “الإختلال المنهجي” في إدارة الندوات السياسية و يمكن تلخيص إخفاقاته في النقاط التالية :

فقدان السيطرة على “أجندة الحلقة” : فشل المذيع في حماية موضوع الحلقة الأساسي (جولات البرهان و مسعد بولس) و سمح للضيف السياسي بجر الحوار نحو “الطلقة الأولى” لتوفير “مساحة هروب” مريحة له من الأسئلة الصعبة ، مما أفقد الحلقة قيمتها التحليلية تجاه المستجدات الدبلوماسية .

الإنحياز الإجرائي : مارس المذيع إنحيازاً غير معلن عبر “المقاطعة الانتقائية” حيث كان يتدخل لقطع حبل أفكار الهندي عز الدين عند طرحه لوقائع موثقة .. بينما يمنح شريف عثمان مساحات زمنية للإسترسال في خطاب إنشائي هتافي دون أن يقاطعه .

الأسئلة الموجهة : تحولت أسئلة المذيع للهندي إلى “مرافعات اتهام” تتبنى وجهة نظر الطرف الآخر .. بينما كانت أسئلته لشريف “تمريرات بروتوكولية” لا تلمس التناقضات الصارخة في مواقفه السياسية .

سوء الإدارة الزمنية : وضع الهندي عز الدين في بداية الحلقة و جعل شريف معقباً دائماً ، هو خطأ في “بروتوكول الحوار العادل” فالمنطق المهني يقتضي التبادل في البدء و الختام لضمان عدم منح طرف واحد “الكلمة الأخيرة” التي ترسخ في ذهن المشاهد بصورة أنطباعية بعيدة عن الحقائق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى