(العودة) تحاور د. محمد سعد بيومي، مدير الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة بوزارة الزراعة والري

"الإرشاد الزراعي في السودان: من الدمار إلى الإعمار"

حاورته _ نشوة أحمد الطيب 

في ظل التحديات الراهنة، يظل المزارع السوداني خط المواجهة الأول في تأمين الغذاء واستقرار الريف ، تعمل الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة كجسر بين البحث العلمي وحقول الإنتاج، محوّلة المعرفة إلى ممارسات تعزز الإنتاجية والدخل، مع تمكين صغار المزارعين والمرأة الريفية والشباب. في هذا الحوار، يكشف د. محمد عن إنجازات الإدارة، التحديات، ودورها في إعادة الإعمار وبناء مستقبل الريف السوداني و ضمان الأمن الغذائي

نحن الجسور التي تربط بين البحث العلمي والمزارع في الحقل”

“الحرب عطّلت الميزانيات وتوقفت البرامج”

“الإرشاد ليس عبئًا على الموازنة… بل استثمار اقتصادي واجتماعي”

“رفع إنتاجية الفدان من أقل من جوال إلى متوسط 8 جولات”

“إعادة الإعمار تبدأ بالإنسان الريفي”

“نقل التقانة لا يقتصر على المعلومة بل على التطبيق”

س. كيف تُعرّفون الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة؟

ج.ببساطة شديدة… نحن الجسور الذي يربط بين البحث العلمي والمزارع في الحقل.

الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة هي الذراع الذي يضمن أن المعرفة لا تبقى في الكتب أو في مراكز البحوث، بل تصل إلى المزارع بصورة عملية ومفهومة وقابلة للتطبيق.

نحن نعمل حتى لا يكون المزارع وحده في مواجهة التحديات — سواء كانت تغيرات مناخية، أو مشاكل إنتاج، أو ضعف موارد. دورنا أن نرشده، نسانده، ونمكّنه من اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.

كذلك نحن مسؤولون عن تطوير العمل الإرشادي نفسه: ندرّب المرشدين، نضع الخطط، ننسّق مع الشركاء، ونسعى لإدخال أدوات حديثة في نقل التقانة، بما يناسب ظروف البلاد الحالية.

أنا شخصيًا أرى أن الإرشاد الزراعي ليس مجرد وظيفة، بل رسالة. رسالة تقوم على تمكين الإنسان الريفي، وتحسين حياته، وتعزيز استقرار مجتمعه.

باختصار… نحن نحول المعرفة إلى ممارسة، والتقانة إلى إنتاج، ونقرب المسافة بين المعلومة والحقل.

س. ما هو الدور الأساسي لإدارة الإرشاد الزراعي ضمن منظومة وزارة الزراعة والري؟ ومتى تأسس هذا القطاع في السودان؟

ج.الدور الأساسي لإدارة الإرشاد الزراعي في منظومة وزارة الزراعة والري هو أن تكون حلقة الوصل بين السياسات والبحوث من جهة، والمزارع في الحقل من جهة أخرى. فالوزارة تضع السياسات، ومؤسسات البحث تطوّر التقانات، لكن الإرشاد هو الذي يترجم ذلك إلى ممارسة يومية في الحقول.

نحن نقود عملية نقل التقانة، نبني قدرات المرشدين، نضع الخطط الإرشادية، ونتابع تنفيذها ميدانيًا، حتى تتحول الرؤية الزراعية للدولة إلى إنتاج واستقرار ودخل أفضل للمزارعين.

أما من حيث النشأة، فقد دخل الإرشاد الزراعي إلى السودان بصورة مؤسسية في عام 1958 عبر برامج المعونة الأمريكية، وكانت البداية في منطقة مريدي بجنوب السودان. ثم تطور العمل الإرشادي تدريجيًا ليصبح جزءًا من الهيكل الرسمي لوزارة الزراعة.

لكن بصراحة، ارتبط دخول الإرشاد في بداياته بالمشروعات الممولة من المنظمات الخارجية، وهذا خلق — مع مرور الوقت — تصورًا لدى بعض متخذي القرار بأن الإرشاد نشاط مرتبط بالدعم الخارجي أكثر من كونه جهازًا وطنيًا استراتيجيًا. هذه النظرة انعكست سلبًا على مكانة الإرشاد وأدت إلى إضعافه في فترات مختلفة.

اليوم نحن بحاجة إلى تغيير هذه العقلية. الإرشاد ليس مشروعًا مؤقتًا، وليس نشاطًا تابعًا للمنظمات، بل هو جهاز سيادي تنموي لا يمكن لأي نهضة زراعية أن تنجح بدونه.

السودان، خاصة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، يحتاج إلى جهاز إرشادي قوي وفاعل، قادر على الوصول السريع للمزارعين، ودعمهم بالمعرفة، وتمكينهم من استعادة الإنتاج وتحقيق الاستقرار الغذائي والاقتصادي.

بمعنى واضح: لا يمكن أن نتحدث عن تعافٍ زراعي حقيقي دون إرشاد زراعي قوي ومؤسسي.

س. ما هي رسالة الإدارة العامة للإرشاد الزراعي؟ وما الأهداف التي تقوم عليها؟ وما الفئات التي تستهدفها؟

ج.رسالتنا في الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة هي تمكين المزارعين بالمعرفة والتقانة المناسبة، ليس فقط لزيادة الإنتاج، بل لتحسين التسويق وزيادة العائد الاقتصادي بصورة مستدامة.

في الماضي كان يُنظر إلى الإرشاد باعتباره معنيًا بالإنتاج فقط، لكننا اليوم نؤمن أن الإنتاج دون تسويق فعّال لا يحقق التنمية. لذلك نعمل على توجيه المزارعين نحو الإنتاج المرتبط بالطلب السوقي، وتحسين جودة المنتجات، وتقليل الفاقد، وربطهم بالمعلومات التسويقية وسلاسل القيمة.

أهدافنا تقوم على ثلاثة محاور متكاملة:

رفع الإنتاجية، تحسين الجودة، وتعزيز القدرة التسويقية للمنتجين.

نحن نهتم بتوعية المزارعين بمتطلبات السوق، بالمواصفات، بالتعبئة والتخزين، وبالتوقيت المناسب للبيع. كما نسعى لربطهم بالتعاونيات والقطاع الخاص والفرص التمويلية.

أما الفئات المستهدفة، فهي صغار المزارعين في القطاعين المطري والمروي، والمرأة الريفية، والشباب الزراعي، إضافة إلى الجمعيات والتعاونيات الإنتاجية، لأن التنظيم هو المدخل الحقيقي لقوة التسويق.

ببساطة، نحن لا نرشد لإنتاج محصول فقط، بل نرشد لإنتاج قابل للتسويق ومربح.

وفي هذه المرحلة من تعافي السودان، يصبح التسويق الزراعي جزءًا أصيلًا من عمل الإرشاد، لأنه الضامن لتحويل الجهد الزراعي إلى دخل واستقرار اقتصادي.

س. ما هي أبرز المهام والاختصاصات التي تضطلع بها إدارتكم؟

ج.إدارتنا مسؤولة عن نقل التقانة الحديثة من البحث إلى الحقول، وبناء قدرات المزارعين والكوادر الإرشادية، ومتابعة الأداء الزراعي، وربط الإنتاج بالأسواق.

نحن نعمل لضمان أن المعرفة تتحول إلى إنتاج مستدام، جودة عالية، ودخل أفضل للمزارعين، مع دعم الشراكات لضمان قوة وفاعلية الإرشاد الزراعي في كل أنحاء.

س. كيف تعملون على نقل التقانة الزراعية الحديثة من مراكز البحوث إلى الحقل والمزارع؟

ج.نحن نعمل على جسر الفجوة بين البحث العلمي والمزارع. نفعل ذلك من خلال:

تنظيم حقول إيضاحية وتجريبية لتوضيح تطبيق التقانة عمليًا.

تدريب المرشدين الزراعيين والمزارعين على التقنيات الحديثة مباشرة في الحقل.

تطوير أدوات إرشاد رقمي ومواد مبسطة توصل المعرفة بشكل سريع وفعال.

متابعة النتائج ميدانيًا لتقديم حلول عملية لأي تحديات تظهر أثناء التطبيق.

بمعنى آخر، لا نكتفي بنقل المعلومة، بل نضمن أن المزارع يفهمها ويطبقها ويستفيد منها على أرضه.

س. ما طبيعة التنسيق بين الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ومؤسسات البحوث الزراعية والجامعات والجهات ذات الصلة؟

ج.طبيعة التنسيق لدينا تقوم على الشراكة المؤقتة والمشروعات المشتركة. في الواقع، لا توجد علاقة مؤسسية دائمة بين الإرشاد ومراكز البحوث، فكل تعاون يتم في إطار مشاريع محددة غالبًا بدعم من المنظمات الوطنية والدولية.

رغم ذلك، يظل الإرشاد عضوًا فعالًا في اللجان الفنية المهمة، مثل لجنة إجازة الأصناف، ولجنة الآفات والمبيدات، ولجنة المعاملات الفلاحية، حيث نساهم بخبرتنا الميدانية في توجيه القرارات وضمان تطبيقها على الأرض.

نحن نحرص على أن يكون أي تعاون مع مراكز البحوث والجامعات مفيدًا للمزارعين، مع التركيز على نقل التقانة بشكل مباشر وقابل للتطبيق. ونسعى دائمًا لتجنب التداخل، لأن هدفنا الأسمى هو خدمة المزارع وتمكينه من المعرفة الصحيحة والعملية.

باختصار، التنسيق قائم على المشاريع واللجان الفنية، والإرشاد يظل الجهة التي تصل المعرفة إلى الحقل والمزارع، لضمان أن أي ابتكار أو توصية لا تبقى على الورق بل تُطبق عمليًا.

س. ما الذي قدمته الإدارة خلال الفترة الماضية لتحسين الإنتاج الزراعي وزيادة كفاءة المزارعين؟

ج.الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة قامت خلال الفترة الماضية بعدة إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

من أبرز هذه الإنجازات، إدخال التسميد في المحاصيل والخضر، مما أدى إلى زيادة ضخمة في الإنتاجية. كما قمنا بتنفيذ برامج لزيادة إنتاجية الذرة الرفيعة المطرية في بعض المناطق، لتصبح 8 جولات إنتاجية، بما يعكس قدرة المزارعين على تطبيق الممارسات الزراعية الصحيحة.

أيضًا، عملنا على ربط المنتجين بالأسواق من خلال برامج مثل برنامج الحبوبة الزيتية، لتأمين تسويق منتجاتهم بشكل أفضل وزيادة عائدهم الاقتصادي.

كل هذه الإنجازات تثبت أن للإرشاد الزراعي أثرًا مباشرًا في زيادة الإنتاجية وتحسين دخل المزارع. ومع ذلك، ما زال هناك تحدٍ يتمثل في عدم توفير ميزانية ثابتة للإرشاد، وهو أمر يحتاج إلى إعادة النظر، لأن الإرشاد ليس مجرد خدمة، بل هو أداة اقتصادية قوية ترفع الإنتاج والدخل القومي وتساهم في زيادة عائدات الدولة من الجبايات والزكاة وغيرها من الرسوم.

باختصار، الإرشاد الزراعي يثبت يوميًا أنه شريك أساسي في التنمية الزراعية، وليس مجرد نشاط داعم، ونجاح أي برنامج إنتاجي يرتبط مباشرة بكفاءته وانتشاره بين المزارعين.

س. هل يمكنكم الإشارة إلى برامج أو مبادرات حققت أثرًا ملموسًا على أرض الواقع؟

ج.بالتأكيد، لدينا العديد من البرامج التي أثبتت نجاحها على أرض الواقع. على سبيل المثال، برنامج تعظيم نقل التقانة والإرشاد بولاية سنار كان له أثر واضح جدًا على الإنتاجية.

قبل البرنامج، كانت إنتاجية الفدان أقل من جوال واحد، لكن بعد تطبيق التقانات الحديثة والإرشاد الميداني، وصلت الإنتاجية إلى المتوسطة 8 جولات للفدان، ما يمثل زيادة ضخمة ومباشرة في العائد الاقتصادي للمزارعين.

أتذكر عندما زرنا المزارعين في البداية، كان مطلبهم الاساسي الأساسي انهم عاوزين دعم و اغاثة، لكن بعد انتهاء البرنامج أصبحوا من مخرجي الذكاة.

هذا المثال يعكس بوضوح كيف يمكن للإرشاد الزراعي أن يحول المعرفة إلى إنتاج ملموس وزيادة دخل المزارع، وهو نموذج حي للعديد من المبادرات الأخرى التي تنفذها الإدارة على مستوى الولايات.

س. كيف ساهم الإرشاد الزراعي في دعم صغار المزارعين وتقليل الفاقد وضعف الإنتاجية؟

ج.الإرشاد الزراعي في السودان يلعب دورًا محوريًا في تمكين صغار المزارعين وتحسين إنتاجهم. نحن لا نكتفي بتقديم المعلومات النظرية، بل نعمل على تدريب المزارعين على الممارسات العملية الصحيحة، مثل استخدام التسميد، اختيار الأصناف الملائمة، مكافحة الآفات، وإدارة الموارد الزراعية بكفاءة.

على أرض الواقع، أثبتت البرامج مثل مدارس المزارع الحقلية و البرنامج القومي للحلول المتكاملة نجاحها، حيث لاحظنا زيادة الإنتاجية بشكل ملموس، وتحسن دخل المزارعين مقارنة بمن لم يشاركوا في هذه البرامج.

كما أن الإرشاد يسهم في تقليل الفاقد الناتج عن الممارسات التقليدية غير الصحيحة، من خلال رفع وعي المزارعين وتحسين مهاراتهم الفنية في كل مراحل الإنتاج.

باختصار، الإرشاد الزراعي يحول المعرفة إلى إنتاج ملموس، يزيد دخل المزارعين، ويقلل الهدر، ويجعل الزراعة أكثر استدامة وفاعلية. وهذا ما يجعل الإرشاد أداة أساسية للنهوض بالقطاع الزراعي في السودان.

س. ما الدور الذي تلعبه الإدارة في تحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الزراعي في السودان؟

ج.في الواقع الحالي، الإرشاد الزراعي في السودان يلعب دورًا حيويًا في دعم الأمن الغذائي والاستقرار الزراعي، لكنه ليس وحده قادرًا على تحقيق هذا الهدف. الإرشاد يحتاج إلى تضافر الجهود من جميع الجهات الزراعية، وتوفير البنية التحتية اللازمة، والدعم المؤسسي والمالي ليتمكن من أداء دوره بشكل كامل.

الإرشاد يمكنه تدريب المزارعين، نقل التقانة، وتقليل الفاقد، وزيادة الإنتاجية، لكنه يحتاج إلى بيئة أعمال مناسبة تشمل وسائل نقل للمزارعين، أدوات للحقول، دعم لبرامج التدريب، وسلاسل تسويق فعّالة للمنتجات. من دون هذه البيئة، يبقى دوره محدودًا، رغم أهميته الحاسمة.

باختصار، الإرشاد الزراعي هو عامل أساسي لتحقيق الأمن الغذائي واستقرار الإنتاج، لكنه يحتاج إلى شراكات، موارد، وبنية تحتية متكاملة ليتمكن من تحويل المعرفة إلى إنتاج مستدام، وتحقيق أثر ملموس على أرض الواقع في حياة صغار المزارعين والمجتمعات الريفية.

س. كيف أثر الصراع الحالي على أنشطة الإرشاد الزراعي، وما الذي تقومون به الآن؟

ج.بالطبع، الحرب أثرت بشكل مباشر على عمل الإرشاد الزراعي. فقد تعطلت الميزانيات، توقفت البرامج، ولم نتمكن من مزاولة أنشطتنا بشكل طبيعي بسبب تدمير المقرات ونهب المعدات وفقدان البيانات.

لكن رغم هذه الصعوبات، نحن الآن أطلقنا البرنامج القومي للتحول الرقمي، كجزء من جهودنا لتحقيق أهداف حكومة الأمل. هذا البرنامج يهدف إلى إعادة بناء القدرة الإرشادية، نقل التقانة الحديثة للمزارعين، وربطهم بالمعرفة والأدوات الرقمية حتى في ظل التحديات.

باختصار، الإرشاد الزراعي لم يتوقف عن مهمته الحيوية، ونحن نعمل على تحديث أدواتنا وطرقنا للتكيف مع الواقع وتحقيق أثر ملموس على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.

س. ما البرامج أو الخطط التي تعمل عليها الإدارة حاليًا رغم الظروف الاستثنائية؟

ج.رغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، نحن في الإدارة العامة للإرشاد الزراعي ونقل التقانة لم نتوقف، بل حاولنا أن نحول التحدي إلى فرصة.

أطلقنا مؤخرًا البرنامج القومي للتحول الرقمي للإرشاد الزراعي، وهو برنامج استراتيجي يهدف إلى رفع قدرات المرشدين الزراعيين في الولايات وتمكينهم من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة إرشادية فعّالة.

الفكرة ببساطة أننا لم نعد نستطيع الاعتماد فقط على الزيارات التقليدية، خاصة في ظل ضعف الحركة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. لذلك بدأنا في تدريب المرشدين على:

استخدام فيسبوك وواتساب كقنوات تواصل مباشر مع المزارعين

إعداد محتوى إرشادي مبسط (فيديوهات قصيرة، صور توضيحية، رسائل صوتية)

إدارة مجموعات رقمية للمزارعين حسب المحاصيل والمناطق

نشر التنبيهات الزراعية الموسمية في الوقت المناسب

هدفنا هو توسيع التغطية الإرشادية بأقل تكلفة وأسرع وسيلة ممكنة، حتى نضمن وصول المعلومة لكل مزارع، مهما كانت الظروف.

نحن لا نعتبر التحول الرقمي رفاهية، بل أصبح ضرورة في هذه المرحلة. وفي الوقت نفسه، نعمل على إعادة تأهيل البنية الإرشادية تدريجيًا، وبناء شراكات مع الجهات ذات الصلة مثل الهيئة القومية للبحوث الزراعية لضمان أن المحتوى الرقمي يستند إلى معلومات علمية دقيقة ومجربة.

باختصار، رسالتنا في هذه المرحلة:

إذا تعذر الوصول إلى المزارع بالطريقة التقليدية… سنصل إليه بالطريقة الرقمية.

س. كيف تنظرون إلى دور الإرشاد الزراعي في مرحلة التنمية وإعادة الإعمار في السودان ما بعد الحرب؟

ج.أنا أؤمن بأن بداية أي إعمار حقيقي لا تكون ببناء الجدران… بل ببناء الإنسان.

فإذا لم نُعد تأهيل الإنسان بالمعرفة والمهارة والثقة، فلن تصمد أي بنية تحتية مهما كانت قوية.

في مرحلة ما بعد الحرب، سيكون الإرشاد الزراعي حجر الأساس في إعادة بناء الريف السوداني. لأن الزراعة هي النشاط الاقتصادي الأول في معظم ولايات السودان، وهي الأسرع قدرةً على تحريك عجلة التعافي.

ومن وجهة نظري ان دورنا لن يقتصر على نقل تقانة زراعية فقط، بل سيتوسع ليشمل:

إعادة تأهيل المزارعين نفسيًا ومهنيًا

تدريب العائدين إلى قراهم على أساليب إنتاج منخفضة التكلفة وسريعة العائد

دعم الشباب والنساء للدخول في مشروعات زراعية صغيرة

تعزيز العمل التعاوني وروح المشاركة المجتمعية.

نحن نتحدث عن إعادة بناء منظومة إنتاج كاملة، تبدأ بالوعي وتنتهي بالسوق.

إذا نظرنا إلى تجارب دولية مشابهة، نجد أن الزراعة كانت المدخل الأساسي للتعافي:

بعد الإبادة الجماعية في رواندا، ركزت الدولة على إصلاح القطاع الزراعي عبر برامج إرشاد قوية، وتدريب المزارعين، وتحسين سلاسل القيمة. وخلال سنوات قليلة، تحولت الزراعة إلى رافعة أساسية للنمو والاستقرار.

وفي فيتنام بعد الحرب، كان الاستثمار في الإرشاد الزراعي وتحديث الممارسات سببًا رئيسيًا في تحولها من دولة تعاني من نقص الغذاء إلى واحدة من أكبر مصدري الأرز في العالم.

وكذلك في البوسنة والهرسك بعد النزاع، لعبت برامج الإرشاد الريفي دورًا مهمًا في إعادة توطين العائدين وإحياء الاقتصاد المحلي.

هذه التجارب تؤكد أن إعادة الإعمار تبدأ بالتمكين المعرفي والإنتاجي.

في السودان، إذا أردنا استقرارًا حقيقيًا، فعلينا أن نعيد تشغيل الأرض بسرعة، وأن نعيد الثقة للمزارع بأنه قادر على الإنتاج رغم كل ما حدث.

المطلوب من الإرشاد الزراعي في المرحلة القادمة ان لا يكون مجرد جهاز فني… بل يصبح مؤسسة لإعادة بناء الإنسان الريفي، وتعزيز الاستقرار، ومحاربة الفقر، ومنع النزوح المتكرر.

س. ما المطلوب من الدولة والشركاء والقطاع الخاص لدعم وتفعيل دور الإرشاد الزراعي؟

ج.دعني أبدأ بحقيقة مهمة أثبتتها التجارب الدولية:

الدولة هي الداعم الحقيقي والأساسي للإرشاد الزراعي.

في معظم الدول التي حققت قفزات في الإنتاج الزراعي، كان الإرشاد ممولًا ومسنودًا سياسيًا من الدولة باعتباره استثمارًا استراتيجيًا، وليس خدمة هامشية. وهنا أقول بصراحة: نحن بحاجة إلى تغيير في العقلية العامة تجاه الإرشاد.

للأسف، ظل يُنظر إلى الإرشاد الزراعي كمؤسسة خدمية تقليدية، تقدم نصائح فقط. وهذه النظرة هي التي أقعدت الإرشاد منذ دخوله السودان بصورته المؤسسية.

بينما الحقيقة أن الإرشاد مدخل اقتصادي مباشر. كيف؟ لأنه يزيد الإنتاجية.يعظم الاستفادة من الموارد بكفاءة وفعالية.يخفض الفاقد.يحسن جودة المنتج. وهذا ينعكس مباشرة على:تخفيف حدة الفقر تحسين الأمن الغذائي والحالة التغذوية و زيادة دخل الأسر الريفية ، بل ويمتد أثره إلى زيادة الناتج القومي عبر تحريك قطاعات النقل، التصنيع، والتجارة لذلك، المطلوب من الدولة هو: تمويل مستقر ومستدام للإرشاد الزراعي ، إعادة تأهيل البنية التحتية ، توفير وسائل الحركة والتقنيات ، الاستثمار في بناء قدرات الكوادر ، إدماج الإرشاد في التخطيط الاقتصادي الكلي ، أما الشركاء الدوليون والمنظمات، فلهم دور مهم في: بناء القدرات الدعم الفني ، إدخال منهجيات حديثة ، دعم التحول الرقمي ، تمويل البرامج النوعية

هذه الشراكات ترفع كفاءة وفعالية جهاز الإرشاد وتسرّع عملية التطوير المؤسسي.

بالنسبة للقطاع الخاص، فأنا أرى أن دوره محوري. ، يمكنه أن يسهم في: تمويل نشر التقانات الزراعية الحديثة ، دعم الحقول الإيضاحية ، توفير مدخلات محسنة ، تقصير فترة تبني التقانة لدى المزارعين

عندما يرى المزارع نتيجة ملموسة بدعم مشترك بين الإرشاد والقطاع الخاص، تتسارع عملية التغيير.

ولا يفوتني التأكيد على أن شراكتنا مع الهيئة القومية للبحوث الزراعية تمثل ركيزة أساسية.

عندما يتكامل البحث العلمي مع الإرشاد، يمكننا إحداث اختراقات حقيقية في تجسير الفجوة المعرفية وسد الثغرات المهارية لدى المزارعين.

باختصار، الإرشاد الزراعي ليس عبئًا على الموازنة…

بل هو استثمار اقتصادي واجتماعي طويل المدى.

وإذا تعاملنا معه بهذه الرؤية، سنرى أثره ليس فقط في الحقل… بل في الاقتصاد الوطني بأكمله.

س. ما الرسالة التي توجهونها للمزارعين السودانيين في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد؟

ج.قبل أي رسالة… أود أن أبدأ بتحية صادقة، مليئة بالتقدير والامتنان، لكل مزارع سوداني.

في الوقت الذي كانت فيه التقارير تشير إلى احتمال وجود فجوة غذائية، وفي ظل ظروف أمنية واقتصادية معقدة، تحمّل المزارعون مسؤولية وطنية كبيرة، وواصلوا الإنتاج رغم المخاطر والتحديات.

هم لم ينتظروا الاستقرار الكامل… بل صنعوا الحد الأدنى من الاستقرار بأيديهم.

هذه الروح تستحق الاحترام. رسالتي لهم اليوم أنكم لستم وحدكم. نحن جميعًا شركاء في عملية الإعمار. نعم، قد تكون للدولة أولويات متعددة، وقد تواجه نقصًا في الميزانيات، لكن هذا لا يعني أن نتوقف أو نستسلم للواقع.الإعمار يبدأ من الحقل.والنهضة تبدأ بالبذرة. أدعو المزارعين إلى الاستمرار في روح المبادرة، والتكاتف، وتبني الممارسات الحديثة، والعمل الجماعي، وفي نفس الوقت المطالبة الواعية بوضع الزراعة والإرشاد الزراعي في مقدمة أولويات الدولة. لأن الزراعة ليست قطاعًا عاديًا… بل هي أساس الأمن الغذائي والاستقرار الوطني.

نحن في الإرشاد الزراعي نعتبر أنفسنا في خندق واحد مع المزارعين. نقود معًا معركة الإصلاح والإعمار… معركة الإنتاج والمعرفة… معركة استعادة عافية الريف السوداني.

وأقولها بكل وضوح: إذا صمد المزارع السوداني في أصعب الظروف، فهو قادر على قيادة مرحلة التعافي وبناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى