تواشيح الوطن والعودة في ليالي رمضان

محادثة رمضانية..رشيقة..أنيقة..من الصديق الحبيب الإعلامي المصري جهير السيرة أيمن عطية مهنئاً..كعادته وهو يغلف الإشفاق بالتمني..أعادتني لمحطة الشجن (اللذيذ)..
ففي رمضان..حين يهدأ صخب العالم وتعلو همهمة الدعاء.. يبدو السودان كأنه صفحة مفتوحة بين الألم والرجاء..هذا الشهر ليس طقساً روحياً فحسب..بل هو مرآة كاشفة.. يضع السياسة في ميزان الأخلاق..ويعيد تعريف الوطن كمعنى يتجاوز حدود الجغرافيا أو الخرائط الممهورة بالأختام..
الحرب التي أشعلتها مليشيات الدعم السريع.. ومعها تحالفات سياسية وناشطون إنحازوا لخطاب ملتبس بين الشعارات والوقائع.. كانت محاولة فاشلة لإعادة صياغة الدولة على مقاس الفوضى.. ولإقناع الناس بأن البديل عن المؤسسات هو السلاح.. وعن الشرعية هو الأمر الواقع..لكن رمضان قلت لصديقي بطبيعته التأملية يفضح هذا الزيف.. يذكرنا أن الدول لا تُبنى بالغلبة.. بل بالعقد الإجتماعي وهذا للسودان والسودانيين فيه (عرق عريق)..
في المنافي حمل السودانيون وطنهم كما يُحمل المصحف في السفر.. بخشوع وحذر..إرتفعت موائد إفطار بسيطة.. لكنها كانت أشبه بخرائط حية للسودان.. تمر من الشمالية.. عصيدة من الجزيرة.. تواشيح من دارفور.. وأحاديث لا تنتهي عن الخرطوم وأمدرمان ومدني.. رمم السودانيون هويتهم وأفطروا علي تمر العودة الأكيدة وماء النيل القُراح..
لقد أرادت الحرب أن تحول السودان إلى خبر عابر في نشرات المساء..إلى رقم في تقريرٍ دولي.. غير أن السودانيين أصروا على أن يكونوا رواة لقصتهم وليسو ضحايا لها..في ليالي التراويح إستعاد الناس أسماء القرى كما تُستعاد الآيات.. يُتلى النيل كأنه سورة رحمة.. وتُذكر الأسواق القديمة كشواهد على حياة كانت.. وستكون..
التاريخ السوداني ليس صفحة بيضاء..ولكن اللوحة الوطنية راسخة في عمق الجغرافيا والتاريخ ولذلك ستستمر مثل هذه الحادثات في الذوبان في قلب ذاكرة النسيان.. تعلم الناس أن الدولة فكرة تُصان بالتضحيات..ولذلك بدا أن تحالفات بعض السياسيين مع منطق المليشيا خروجاً على جوهر الوطنية ليس مجرد خطأ تكتيكي.. فالوطن الذي حمله هؤلاء (السمر) الميامين أينما حلوا كفكرة (عودة) مستمرة وليس ساحة إختبار لنظريات القوة..ومؤامرات الخارج..
لا يكتب رمضان السودان قصته بالعجلة.. بل يكتبها بالصبر.. في كل ركعة دعاء لعودة آمنة.. وفي كل تسبيحة وعد خافت بأن هذه المحطة التاريخية ستنقضي.. العودة ليست مجرد رحلة جغرافية.. إنها استعادة للمعنى..أن تعود المدارس لتفتح أبوابها.. وأن يعود المسرح ليضيء خشبته.. وأن يعود الصحافي ليكتب بلا خوف لا من ولا علي يا صديقي.. وأن نعود إلي أنفسنا..
السودانيون اليوم لا يلوحون بالوطن كشعار فارغ.. بل كتواشيح تُرتل في ليالي الرجاء..يلوحون به وهم يعبرون المطارات والمعابر.. وهم يعلقون صور بيوتهم على جدران الغربة.. وهم يربون أبناءهم على حكايات النيل والحقول.. لقد حاولت الحرب أن تفرقهم.. لكنها جمعتهم حول الوطن كما لم يحدث من قبل..
في هذا الشهر..يتعلم الناس أن الليل مهما طال يعقبه فجر..والسودان.. الذي حُمل في القلوب والحقائب.. سيعود محمولاً على أكتاف الفرح..ستُطوى هذه الصفحة بالتعلم.. وسيسجل التاريخ أن شعباً واجه المؤامرة بالصبر..وحول المنفى إلى منبر..والحزن إلى نشيد.. تلك هي تواشيح الوطن الخالد..
وتلك هي فكرة العودة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى