طق خاااااص: “العودة” إلى الإيغاد.. من القطيعة إلى إدارة الخلاف ..

بقلم: خالد ماسا ….
(*) القطيعة ..
كانت الحرب المندلعة في 15 أبريل من العام 2023م في الخرطوم بمثابة أنبوب اختبار للعلاقات الدبلوماسية في الإقليم الذي يضم الدول المنضوية تحت مظلة المنظمة الحكومية للتنمية “IGAD”، إذ إنه وعلى الرغم من الأهداف المشتركة والمعلن عنها في بيان التأسيس للمنظمة، إلا أن تقاطعات المصالح وهشاشة الأساس الذي قامت عليه هذه العلاقات بين دول الإقليم جعلت من مساهمات المنظمة متأرجحة في حسم عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك لدول الإقليم.
وأيضًا، وعلى الرغم من أن “IGAD” في ذاكرة النادي السياسي السوداني تحتفظ برصيد إيجابي على أيام «نيفاشا» واتفاق السلام الشامل، والذي أفضى لإيقاف حرب طال أمدها بين الحكومة والحركة الشعبية المتمردة عليها وقتها، إلا أن حراك “IGAD” بخصوص الحرب الأخيرة، بعد ثمانية أشهر، كان قد أزعج الحكومة السودانية بعد أن وجهت المنظمة دعوتها لقائد قوات الدعم السريع للمشاركة في قمتها، وهي دعوة تتعارض تمامًا مع القيم التي اتُّفق عليها عند التأسيس، وهي الخطوة التي أعطت الحكومة السودانية المبرر لاعتبار ذلك يصل إلى حد المساس بالسيادة، واتخاذ قرار بتجميد عضوية السودان في المنظمة في يناير 2024م.
“حساسية” الحكومة السودانية العالية في التعامل مع تحركات “IGAD” في ملف حرب السودان جاءت أيضًا من رئاسة كينيا للمنظمة، وهي التي تعتبر بأن الرئيس الكيني/ وليام روتو لا ينطبق عليه الحياد المطلوب للعب دور الوساطة بين الحكومة السودانية والمليشيا المتمردة، وبالتالي كانت «القطيعة» هي الخيار الذي أبعد الإيغاد من طريق التدخل المباشر في الأزمة السودانية وأضعف الدور الإقليمي فيها.
في هذه المرة كانت المبادرة بالقطيعة من طرف الحكومة السودانية، بينما كانت القطيعة الأولى مع أحد أكبر منظمات الإقليم «الاتحاد الأفريقي» بقرارٍ منه بعد قرارات 25 أكتوبر 2021م، والتي وصفها الاتحاد الأفريقي بالانقلاب وجمّد عضوية السودان بناءً عليها، ولا يزال القرار ساريًا.
(*) عربون المصالحة ..
البيان الصادر من جانب “IGAD” في يناير 2026م، والذي ندّدت فيه بشكل صريح بالانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع تجاه المدنيين وقطعها لطريق المساعدات الإنسانية، ودعمت من خلاله وحدة السودان واحترام سيادته، ودعوتها لقيادته بالعودة إلى أحضان المنظمة، يُعتبر المفتاح وكلمة السر التي أذابت جبل جليد القطيعة بين الطرفين.
وبما يشبه فقه رد التحية بأحسن منها، ردّت الخارجية السودانية ببيان أعلنت فيه «فك التجميد» والعودة للمنظمة، واصفة فحوى خطاب المنظمة بالإشارات الإيجابية، ليشهد شهر فبراير 2026م العودة الرسمية الكاملة للسودان.
«القطيعة» مع “IGAD” لم تكن الخيار الموفق للحكومة السودانية، خاصة وأنها أعقبت الغياب عن الاتحاد الأفريقي، الأمر الذي غلّ يد الدبلوماسية السودانية في عزّ حاجتها للفضاء الإقليمي لمحاصرة مترتبات الحرب وكسب أراضٍ جديدة في جغرافيا مواقف دول الإقليم، وبالتالي فإن قرار العودة يُعتبر بمثابة «مراجعات» على المسار الدبلوماسي وإعادة «تموضع» تتنفس من خلاله حكومة السودان.
وهذا أيضًا لا ينفي أن IGAD نفسها توصلت إلى أنه ليس عليها أن تُحاسب على فاتورة علاقات بعض الدول فيها مع قادة متمردين، الأمر الذي أبعدها تمامًا عن مسارات حل المشكل السوداني، وبالتالي كانت في حاجة ماسة للانتقال من مربع «القطيعة» إلى مربع «إدارة الخلاف».
(*) إصلاح “المنهج” الدبلوماسي ..
مدرسة «القطيعة» والصدام مع المجتمع الدولي والإقليمي ليست بالشيء الجديد على الدبلوماسية السودانية، وظلت هي المنهج المعتمد سلمًا وحربًا. وفي أوان الحرب الحالية ظل هذا المنهج هو السمت الحاكم لخطاب الخارجية السودانية، للحد الذي بدت فيه وكأنها أداة «تخريب» لكل المساعي الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب في السودان.
يجب أن يكون مفهومًا لدى الدبلوماسية السودانية بأن احتفاظ السودان بمقعده في المنظمات الإقليمية والدولية وكل التجمعات يعزز من قدرات الدولة، ويمكنها من التعاطي الإيجابي مع كل مشكلاتها، ويجنبها الحرج الدبلوماسي ومضاعفة قيمة الفواتير التي تدفعها الدولة.
ليس المطلوب في السياسة السودانية تقديم التنازلات أو التخلي عن ثوابت الدولة في سبيل البقاء في تكوينات الإقليم أو على المستوى الدولي، أو أن تكون «القطيعة» هي المقابل لذلك، فالعالم يعتبر التجمعات الدولية والإقليمية منصات لإدارة الخلاف، وليس لمفاقمتها بالقطيعة التامة.
الصحيح أيضًا هو دعم مسارات إصلاح المؤسسات الإقليمية والدولية وإعادة هيكلتها، بحيث تتخلص من عيوب جوهرية أظهرتها الممارسة، وأظهرت فيها ضعفًا واضحًا، خصوصًا في الإقليم، وهذا يتضح جليًا في الأزمة السودانية الحالية بابتعاد كلي لمنظمات الإقليم عن مسارات الحل، وتقدّم مسارات أخرى تطرح حلولًا لحرب السودان.



