هل الخرطوم جاهزة لاستقبال أبنائها؟

هل نعود الآن أم ننتظر؟ سؤال العائدين إلى السودان

تقرير: نشوة أحمد الطيب

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الدامية، يقف السودانيون أمام سؤال صعب: هل يمكن العودة إلى الخرطوم بأمان وبكرامة؟ بين أطلال المنازل وغياب الخدمات الأساسية، ومخاوف الأمان، يحاول العائدون أو المقبلون على العودة استعادة حياتهم، بينما تظل العاصمة تختبر قدرتها على احتضان سكانها من جديد، في هذا الملف تسلط صحيفة (العودة) الضوء على شهادات العائدين، وتعرض واقع الحياة اليومية، والاحتياجات الأساسية، ومستوى الأمان، لتقدم صورة واضحة عن جاهزية الخرطوم لاستقبال أهلها في ظل تصاعد دعوات حكومة السودان بعودة مواطنيها لأرض الوطن.

عودة عملية محددة

في سياق العودة المتردّدة إلى العاصمة، تروي “آمنة” وهو اسم مستعار تجربتها بعد أن عادت مع أسرتها من ولاية النيل الأبيض إلى الخرطوم، مدفوعة بجملة من الدوافع العملية ، تقول إنها قررت العودة في هذا التوقيت تحديداً بسبب انتظام الدراسة الجامعية في الخرطوم لأبنائها ورغبة الأسرة في الاطمئنان على منزلها وممتلكاتها بعد غياب طويل. وتوضح أن الأوضاع المعيشية في العاصمة، من حيث الأسعار، لا تختلف كثيراً عمّا كانت عليه في الولاية التي نزحوا إليها، فغلاء السلع بحسب تعبيرها أصبح سمة عامة في مختلف أنحاء البلاد، غير أن صعوبة الحياة تتضاعف في ظل غياب مصدر دخل ثابت، لاسيما للأسر التي تعيل أطفالاً وطلاب جامعات، حيث يتعاظم الضغط النفسي والمادي.

منزل بلا مياه أو كهرباء

وفيما يتصل بالخدمات، تشير آمنة إلى أن التيار الكهربائي لم يعد بعد إلى حي الأزهري جنوب الخرطوم الذي تقطنه، بينما عاد في بعض الأحياء المجاورة، معربة عن أملها في أن تُستكمل أعمال الإمداد. أما المياه، فتتوفر في بعض المنازل، غير أن موقع شقتهم في طابق علوي يحول دون وصولها إليهم، ما يضطرهم إلى شراء المياه بصورة منتظمة، وهي كلفة إضافية تثقل كاهل الأسرة وتزيد من مشقة الحياة اليومية.

استقرار حذر

وعن الوضع الأمني، تؤكد أن منطقتهم تشهد استقراراً ملحوظاً، وأن معظم الجيران عادوا إلى منازلهم، ولم تسجل الأسرة منذ عودتها أي حوادث مقلقة، مشيرة إلى أنهم يتحركون في أوقات مختلفة من اليوم دون خوف يُذكر. وتصف الأوضاع العامة بأنها “شبه طبيعية”، مع عودة بعض الأسواق إلى العمل، وإن ظلت حركة المواصلات محدودة وتعتمد في الغالب على “الركشات” ذات التكلفة المرتفعة قياساً بدخل المواطنين.

لكن العودة لم تكن بلا خسائر؛ إذ وجدت الأسرة منزلها متضرراً، وبعض الممتلكات مفقودة، ما اضطرهم إلى البدء من جديد تقريباً.

البعوض يفاقم معاناة الناس جنوب الخرطوم

وتضيف آمنة أن انتشار البعوض بصورة كثيفة، ليلاً ونهاراً، يمثل معاناة يومية في ظل حرارة الطقس وغياب حملات الرش والنظافة المنتظمة.ورغم هذه التحديات، ترى آمنة أن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تلوح، منها إعادة فتح عدد من المستشفيات وبعض الجامعات في الخرطوم، ما يعزز شعوراً تدريجياً بعودة الاستقرار. وتشجع بقية الأسر على العودة للاطلاع على أوضاع منازلها، معتبرة أن زيادة عدد السكان من شأنها أن تنشط المواصلات وتُسهم في استعادة إيقاع الحياة الطبيعي.

وتختتم حديثها بدعوة الجهات المعنية إلى تكثيف الجهود لتسريع توصيل الكهرباء إلى جميع أنحاء ولاية الخرطوم قبل رمضان، وتنفيذ حملات رش للبعوض والذباب، وتنظيم حملات نظافة شاملة، لتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لعودة المواطنين واستقرارهم.

“التعليم خيار لا يحتمل التأجيل”

كما تروي روان عثمان، طالبة جامعية في عامها الدراسي الأول في حديثها للصحيفة، تجربتها بعد أن عادت إلى الخرطوم لاستئناف دراستها. تقول إن العودة كانت خياراً مرتبطاً بالتعليم في المقام الأول، رغم إدراكها لصعوبة الأوضاع الخدمية والمعيشية. وتصف حياتها في حي الأزهري جنوب الخرطوم بأنها “مقبولة إلى حدٍّ ما”، غير أن الكهرباء لم تعد بعد إلى منزلهم، فيما تمثل المياه تحدياً حقيقياً للأسر القاطنة في الطوابق العلوية، إذ يصعب وصولها إليها، ما يجعل السكن في الأدوار الأرضية أكثر ملاءمة في الظروف الراهنة، وترى روان أن مستوى الخدمات تحسّن نسبياً، وإن كانت الأسواق والمحال التجارية تقع على مسافات بعيدة من بعض الأحياء السكنية، ما يفرض أعباء إضافية على السكان. وعن الوضع الأمني في الأزهري، تؤكد أنه مستقر خلال ساعات النهار، غير أن الحركة تكاد تنعدم بعد غروب الشمس، إذ يفضّل معظم السكان البقاء في منازلهم بدافع الحذر ،وتشير إلى أن الأوضاع تختلف في مناطق أخرى، لافتة إلى أن بعض الأحياء في السلمة جنوب الخرطوم تشهد تدهوراً أمنياً ملحوظاً، مع ورود حوادث نهب وترويع واعتداءات، ما يعمّق شعور القلق لدى المواطنين.

نهار يتحرك.. وليل يفرض حذره

وتضيف أن الأمان ــ في تقديرها ــ نسبي ويرتبط بالزمن والمكان، فهو متوفر بدرجة أكبر خلال النهار، بينما يتراجع الإحساس به ليلاً. أما المواصلات، فتراها متاحة إلى حد كبير، لكن تكلفتها مرتفعة، إذ تبدأ أجرة الرحلة الواحدة من نحو أربعة آلاف جنيه، وهو مبلغ يمثل عبئاً واضحاً على الطلاب ، وعن محيط الجامعة، تؤكد أن الأوضاع داخل الحرم الجامعي مستقرة وتخضع لإجراءات تنظيمية واضحة، غير أن المخاوف تتزايد خارج أسواره، حيث تظل حوادث السرقة والنهب قائمة، ما يفرض على الطلاب قدراً أكبر من الحيطة أثناء تنقلهم.

الكلاكلة: من بقي شاهداً على التحول

كما يروي محمد لصحيفة العودة وهو أحد المواطنين الذين لم يغادروا منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم طوال فترة الحرب تجربته الواقعية مع المدينة بعد مرور عام على انتهاء الاشتباكات. ويصف ما يُنشر عن العاصمة بأنه “مجرد تضليل لا يعكس الحقيقة” مؤكداً أن الخرطوم، رغم تضرر بنيتها التحتية وانقطاع الكهرباء والمياه في بعض المناطق بقيت صامدة واستقبلت العائدين تدريجياً ، ويضيف محمد أن المحاولات الإعلامية للتقليل من قدرة الخرطوم على التعافي “خداع يخدم أجندة سياسية ” مشيراً إلى أن بعض المنصات الإعلامية كانت تنشر معلومات مضللة بالتعاون مع جهات مرتبطة بالمليشيا ويعترف بأن هناك مشاكل فعلية منها غياب الخدمات و بعض التدهور الأمني وارتفاع الأسعار، لكنه يؤكد أن المدينة لم تشهد أي استخدام أسلحة كيميائية أو أسلحة دمار شامل كما يقول عنها الإعلام الخارجي المضاد ، وأن الحوادث الصحية مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا وقعت لكنها ليست استثناءً على مستوى الخرطوم ، حيث شهدت معظم ولايات السودان حالات وفاة أكبر بكثير

حياة أفضل

ويؤكد محمد أن الحياة في الخرطوم اليوم “أفضل مع كل يوم يمر”، مشيراً إلى أن الذين بقوا في المدينة كانوا شهوداً على كل لحظة من معاناتها وتعافيها، وأن العودة إلى طبيعتها تتطلب الوقت والجهد، لكنها بدأت فعلياً ويرى أن قرار العودة إلى السودان من الخارج او العودة إلى العاصمة من الداخل مسألة شخصية وأن المدينة ليست حكراً على أحد: “ وهي اليوم تُظهر قدرة سكانها على النهوض واستعادة حياتهم”.

الغربة خيار مؤقت

تروي هيفاء النور، إحدى السودانيات اللواتي لجأن إلى مصر عبر التهريب البري، تفاصيل تجربتها خلال الحرب واللجوء، موضحة أن أسرتها غادرت مدينة أم درمان في بدايات النزاع خشية على والديها المسنين المصابين بأمراض مزمنة تتطلب علاجاً دائماً ومستمرّاً ، تصف هيفاء الأوضاع في مصر في البداية بأنها جيدة، لكنها بدأت تتدهور مع ظهور سلوكيات سلبية من بعض السودانيين اللاجئين هناك، ما أثار ردود فعل عدائية من بعض المصريين في محيط السكن والأسواق والأماكن الخدمية العامة، إذ واجهت أسرتها التنمر والاعتداءات المتكررة أثناء تنقلهم في منطقة فيصل.

قرار محسوم

وتوضح أن قرار العودة إلى السودان، وإلى منزلهم في أم درمان، كان محسومًا منذ البداية، لكنه كان مرهونًا بهدوء الأوضاع في العاصمة وعودة الحياة الطبيعية، وبالأخص المرافق الصحية من مستشفيات وصيدليات، وهو الجانب الأكثر أهمية بالنسبة لها ، وعن حال المدينة بعد العودة، تقول هيفاء إن الوضع في أم درمان جيد، والأسواق عامرة، والمواد الغذائية متوفرة، وإن كانت الأسعار مرتفعة، إلا أنها تعتبرها “ضريبة الحرب”. وتوجه هيفاء رسالة لكل السودانيين المقيمين في مصر، مؤكدة أن السودان بخير الآن، وأن العودة إلى الوطن تُعد انتصارًا للكرامة وعزة النفس، ووسيلة للحفاظ على السلامة النفسية قبل الجسدية.

أمان من رحم التجربة

في شرق النيل جنوب الخرطوم، يروي الأستاذ إبراهيم علي ساعد، أحد فاعلي المجتمع والسكان المقيمين بالمنطقة، صورة متكاملة عن الحياة بعد توقف الاشتباكات، مؤكدًا أن العاصمة بدأت تتعافى رغم حجم الدمار والخسائر الكبيرة ، يقول ساعد إن الوضع العام للخدمات والحياة كان في البداية صعبًا، لكن الأوضاع بدأت تدريجياً تتحسن. ويشير إلى أن كثيرين فقدوا كل ممتلكاتهم، ما اضطرهم للبدء من الصفر، حتى في أساسيات الحياة اليومية، مثل تجهيز مطابخ بسيطة لتلبية الاحتياجات الأولية. ويصف ساعد حال الشوارع بأنها كانت تعاني من تكدس كبير للنفايات، ووجود الأشجار المتسلقة والهياكل المحروقة والمشلعة للعربات.

أسواق متوفرة

وعن الوضع النفسي، يؤكد ساعد أن الشعور بالطمأنينة لا يقارن بما كان عليه الحال سابقًا، خاصة فيما يتعلق بحرية الحركة. ويضيف: “أثناء تواجد المليشيا، كان الشخص مقيدًا تمامًا، وحتى لو خرج كان معرضًا لخطر الاعتقال أو القتل أو التصفية أو النهب أو غيره. أما الآن، فالناس تتنقل بحرية، يذهبون إلى الأسواق ويقضون احتياجاتهم دون خوف”. ويؤكد أن الأسواق متوفرة بكل المواد الغذائية، رغم انخفاض بعض السلع مثل الخضروات خلال شهر رمضان، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر يكمن في محدودية مصادر الدخل، خاصة بالنسبة للموظفين ذوي الرواتب المتراكمة وأصحاب الأعمال الصغيرة والمهن الهامشية.

ويشير ساعد إلى أن الخدمات الأساسية تحسنت نسبيًا، فالمياه متوفرة في معظم أحياء شرق النيل، بينما لا تزال محولات الكهرباء غير كافية بسبب التخريب الكبير الذي طالها. ويضيف رسالة للمواطنين: “أي شخص يستطيع العودة إلى منزله أو جزء من أسرته فلا يتردد، فالعودة والعمل على تنظيف وترتيب البيوت يعيد الحياة إلى الأحياء والمدينة”.

إبراهيم علي ساعد، أحد فاعلي المجتمع بشرق النيل.

شرق النيل في الصدارة

وعن الوضع الأمني، يقول ساعد إن شرق النيل قد تكون حالياً في الصدارة من ناحية الأمان مقارنة بمعظم المناطق الأخرى. ويعود ذلك إلى التواجد الكبير للمواطنين في الأحياء الرئيسة، وعمل أجهزة الشرطة المستمر والدوريات المنتظمة، إضافة إلى خبرة السكان في التعامل مع تهديدات الماضي. ويؤكد: “شرق النيل آمنة، والأسواق مستقرة، والأسعار جيدة، والمياه متوفرة، والمحولات تعمل تدريجيًا في كل حي، لكن ما يميز شرق النيل هو الأمان”.

أما النظافة، فيوضح ساعد أن غالبية الأحياء اعتمدت على الجهد الشعبي بمساعدة المحلية، غير أن النهَب والتخريب الكبير يتطلب تدعيم أسطول عربات النفايات لتغطية المنطقة بالكامل.

انخفاض الحميات

وعن الوضع الصحي، يشير ساعد إلى انخفاض كبير في حالات الحميات، واستعادة عمل المراكز الصحية والمستشفيات الرئيسية، ما يجعل الوضع الصحي العام مستقرًا. ويضيف أن التكافل الاجتماعي لا يزال حاضرًا، فالناس متكاتفون في عمليات الإطعام والتنظيف، وتجد الأسر العائدة دعماً كبيراً من المجتمع في ترتيب منازلها واستكمال احتياجاتها.

حرم: الذاكرة المثقلة

تروي حرم شيخ الدين، الإعلامية السودانية، تجربتها مع الحرب من بداياتها في حديثها لصحيفة “العودة” قائلة إنها كانت تقيم في ولاية الجزيرة في الأيام الأولى، قبل أن تعود إلى أم درمان، وتحديداً إلى منطقة كرري بالثورات.

وتصف العاصمة لحظة عودتها بأنها كانت “مخيفة تماماً”، مشيرة إلى أن منطقتي كرري والثورات كانتا من أكثر المناطق التي تعرضت لقصف كثيف. تقول إن المشهد العام كان كئيباً؛ بيوت مهجورة جزئياً، وأخرى يسكنها نازحون، وبعضها تعرض لقذائف أو ضرب مباشر، بحيث نادراً ما تجد منزلاً سليماً بالكامل، فبيت متضرر يجاوره آخر أقل ضرراً، في صورة تعكس حجم الدمار الذي أصاب المنطقة.

وتوضح أن الوضع العام آنذاك كان مشحوناً بالتوتر، وأن غالبية السكان كانوا يعتمدون اعتماداً شبه كلي على التكايا لتأمين وجبة يومية، إذ تشير إلى أن ما يقارب 80% من الأهالي كانوا يعتمدون على وجبات تقدمها التكايا، غالباً الفول أو العدس أو ما يتيسر من طعام. ورغم طول الصفوف، فإن عدد التكايا كان كبيراً، بدعم من خيرين كُثر، حتى إن بعض التكايا كانت تغطي احتياجات أكثر من حي واحد.

مصادر دخل غير مستقرة

وتضيف أن شكل الحياة اليومية كان يفتقر إلى أي نشاط اقتصادي يُذكر؛ لا وظائف ولا مصادر دخل مستقرة. من كان له قريب في الخارج كان يتلقى دعماً مالياً، أما من لا سند له فكان يعتمد على التكايا. وتشير إلى أن المعيشة كانت مرتفعة الكلفة، والناس بالكاد تؤمّن ما يسد الرمق من طعام وشراب.

وتستعيد أجواء القصف، فتقول إن السكان كانوا يميزون أصوات القذائف وأنواعها، ويحفظون إيقاع التدوين وعدده، بل ويرصدون اقتراب الطائرات المسيّرة من خلال تمركزها فوق بنايات قريبة. وقد خلق ذلك حالة من الترقب الدائم، إذ كان الناس يتوقعون في أي لحظة سقوط قذيفة جديدة.

ملاذ مؤقت

أما عن وضع المنازل في أم درمان، فتشير إلى أن كثيراً من سكان الثورات الأصليين كانوا قد غادروا، وحلّ مكانهم نازحون من مناطق أخرى، وتحولت المنازل إلى ملاذات مؤقتة لهم. وتؤكد أن التوتر كان السمة الغالبة، وأن الخوف من التدوين كان حاضراً في كل وقت.

وعلى الصعيد النفسي، تؤكد حرم شيخ الدين أنها مرت بفترة عصيبة للغاية، خاصة لكونها مسؤولة عن أطفال ووالدتها وأقارب مسنين. تقول إنها لم تكن تخاف على نفسها بقدر ما كانت تخشى على أطفالها، الذين عاشوا النزوح والحرمان والتوتر، وكانت تضطر لإدخالهم تحت السرير أثناء القصف. وتشير إلى أن آثار الحرب النفسية لا تزال ماثلة فيها حتى اليوم، وأنها لا تزال تشعر بأن ما حدث لم يكن مستحقاً، وأن قدراً أكبر من الوعي كان يمكن أن يجنب البلاد الحرب، معتبرة أن المواطن البسيط هو المتضرر الأول والأكبر.

الإعلامية السودانية حرم شيخ الدين.

“شاهدنا الموت وسقوط الضحايا”

وتؤكد حرم أنهم كانوا يرون الموت بأعينهم؛ يسمعون عن سقوط ضحايا هنا وهناك، ويعيشون ترقب الضربة القادمة دون يقين بشأن من ستطاله. وتذهب إلى القول إن المجتمع بحاجة إلى دعم نفسي حقيقي لمعالجة آثار تلك المرحلة.

وفي مقارنة بين ما قبل الحرب وما بعدها، ترى أن الحياة قبل النزاع كانت أبسط وأسهل، ومليئة بنعم لم يكن الناس يدركون قيمتها. وتشير إلى أن الحرب علمت الناس الصبر والتدبير والاقتصاد في المصروفات، لكنها تؤكد أنه لا مجال للمقارنة بين بلد مستقر نسبياً وبلد أصابه الخراب.

أسعار مرتفعة

أما عن الاحتياجات الحالية، فتقول إن المواد التموينية الأساسية – كالسكر والدقيق والزيت – متوفرة لكنها مرتفعة الأسعار، ومن يملك المال يستطيع الشراء، ومن لا يملكه يعجز عن ذلك. كما أن محال الخضروات مفتوحة، وبعض أسعارها معقولة.

وفيما يتعلق بالأمن، تشير إلى أنه حتى عام 2025 كانت حوادث النهب والمشكلات الأمنية كبيرة، لكن بحلول فبراير 2026 استقر الوضع إلى حد بعيد. وتوضح أن مظاهر الخوف من سرقة الهاتف أو الممتلكات داخل الأحياء تراجعت بشكل ملحوظ، وأن ظاهرة الدراجات النارية المسلحة وإطلاق النار باتت نادرة، وإن وقعت فهي في أطراف بعيدة وليست في المناطق الرئيسة المأهولة.

“نعتمد على العمل الحر”

وتتطرق إلى وضعها المهني، فتقول إنها كانت تعمل منتجة في قناة سودانية 24 قبل الحرب، غير أن القناة منحت العاملين إجازة دون راتب بعد الشهرين الأولين، فتوقف عملها. كما أُهمل المتعاونون في تلفزيون السودان. وتضيف أنها استقالت من الجامعة بسبب توقف الرواتب وعدم وجود حلول، وأصبحت تعتمد على العمل الحر، الذي يدر دخلاً غير منتظم. وتشير إلى أن العمل في المؤسسات الإعلامية عاد جزئياً إلى أم درمان والخرطوم، لكن العاملين بنظام التعاقد أو التعاون ما زالوا يواجهون تجميداً لأوضاعهم.

رسالة للعائدين

وتوجه حرم رسالة إلى من لم يعودوا بعد، مفادها أن قرار العودة شأن شخصي وتقييم ذاتي. وتنصح بالاعتماد على معلومات موثوقة من أشخاص محل ثقة، أو أن يسبق رب الأسرة أسرته لتقييم الأوضاع ميدانياً قبل اتخاذ القرار.

وتقول إنها شخصياً، رغم بقائها في البلاد، ترى أن الوضع يسمح بالحياة، وأن الإقامة في الوطن قد تكون أفضل من الغربة بالنسبة للبعض، وإن كانت التقديرات تختلف من شخص لآخر. وتضيف أن من الممكن، رغم الصعوبات، إيجاد فرصة عمل أو مصدر دخل، حتى لو كان عملاً حراً.

“معارك دارفور مقلقة”

وتختم حرم بالإشارة إلى أن القلق لا يزال حاضراً بسبب استمرار المعارك في دارفور، مؤكدة أن استقرار البلاد الكامل رهين بعودة الأمن إلى كل أقاليمها. وتبدي أملها في أن يعم السلام البلاد “شبرًا شبرًا”، حتى ينعم الجميع، داخل الخرطوم وخارجها، بالأمن والاستقرار.

أرقام النزوح عودة بين الأمل والهشاشة

وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى فبراير 2026، ما تزال الأزمة السودانية تُصنَّف بوصفها أكبر أزمة نزوح في العالم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، من حيث عدد المتأثرين وحجم الحركة السكانية العابرة للحدود الداخلية و تشير البيانات المجمّعة إلى أن ما بين 12 إلى 14 مليون شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم منذ بداية الصراع، ويبلغ عدد النازحين داخلياً داخل السودان نحو 8.8 مليون شخص، مع الإشارة إلى أن الرقم بلغ في بعض فترات الذروة قرابة 11 مليوناً، أما على مستوى اللجوء الخارجي، فقد عبر نحو 4.4 مليون شخص الحدود إلى دول الجوار..

إحصاءات العودة في 2026: اتجاهات عكسية

على الرغم من استمرار الحرب، ترصد المنظمات الدولية منذ عام 2024 حركة عودة عكسية، بعضها طوعي وبعضها مدفوع بظروف المعيشة الصعبة في دول اللجوء ، حيث تم تسجيل عودة نحو 529,000 لاجئ إلى السودان خلال الفترة الممتدة بين 2024 وبداية 2026.وتبيّن البيانات أن 89% من هؤلاء العائدين قدموا من مصر، في ظل تحديات متعلقة بالقيود القانونية وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما قدم 11% من تشاد ودول أخرى.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة في تقريرها الصادر في فبراير 2026 أن نحو 3.5 مليون نازح داخلي عادوا إلى “أماكن سكنهم الأصلية” في تسع ولايات، أبرزها الخرطوم والجزيرة وبعض مناطق دارفور، رغم استمرار المخاطر الأمنية ونقص الخدمات.

وفي تعليقها على أوضاع العائدين، أوضحت مفوضية اللاجئين في فبراير 2026 أن “80% من العائدين من الخارج أبدوا رغبة في العودة مباشرة إلى مناطقهم الأصلية، غير أنهم يواجهون دماراً واسعاً في البنية التحتية ونقصاً حاداً في الخدمات الأساسية والاحتياجات الغذائية”. وتتوقع الأمم المتحدة استمرار ما تصفه بـ“النزوح المتذبذب” خلال عام 2026، إذ قد يُضطر بعض العائدين إلى الفرار مجدداً في حال تصاعد القتال في مناطق العودة، ما يعكس هشاشة الاستقرار الحالي وتعقيد المشهد الإنساني في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى