خالد ماسا يكتب: دامرة مُستريحة.. خارطة “الدم” والنفوذ..

وأغلب ظن الذين استمعوا لخطاب قائد قوات الدعم السريع الأخير في كمبالا ذهب باتجاه قراءته من الناحية السياسية، وأن وفد “تأسيس” الذي رافقه وصعد منه على منصة الخطاب عبد العزيز الحلو ومحمد حسن التعايشي ليقدما الوجه السياسي المقابل لخطابات الحرب، وحتى عندما جاء حديث حميدتي على ذكر الشيخ موسى هلال قائلًا: “في مليشيا عملها ابن عوف اللهو قائدهم عبد الواحد سعيد والأمير حقهم موسى هلال”، مستنكرًا قول موسى هلال “الجنجويد” في إشاراته لقوات الدعم السريع، لم يكن أحد يتوقع بأن هذا المجتزأ من الخطاب يمكن أن يكون بمثابة إشارة ميدان لما حدث بعد ٤٨ ساعة في دامرة مستريحة بواسطة سرب من المسيرات أعقبه هجوم بري واسع سيطرت به قوات الدعم السريع على الدامرة، وقامت بما تعودت وتدربت عليه متى ما وطئت محركات سياراتها ذات الدفع الرباعي أرضًا سبقتها إليها “الغبينة”.

(*) الحرب أولها الكلام..

والقصف والتدوين من قبل قوات الدعم السريع ناحية “دامرة” موسى هلال، الزعيم القبلي للمحاميد، بدأ من منصة خطاب كمبالا، وهو تطور طبيعي يعود لجذور شجرة الخلاف بين نمط “الزعيم القبلي” الذي استخدمته الدولة وقتها لإنجاز مهام وتكاليف محددة في إقليم دارفور، وأُلصقت بتاريخه آنذاك وصمة اسم “الجنجويد”، واستُبدل بنمط “القائد العسكري” الذي يمثله محمد حمدان دقلو بعد أن قام المركز السياسي في العاصمة الخرطوم بمراجعات جوهرية في خطته للتعامل مع الأوضاع في الإقليم المشتعل، والذي لفتت الفظائع التي حدثت فيه أنظار المجتمع الدولي، وصار مصطلح “الجنجويد” عبئًا ثقيلًا على أكتاف النظام الذي لم تكن تنقصه الأثقال وقتها، فقام بدمج وتذويب هذه القوات في قوة حرس الحدود، ليصعد بعدها نجم الزعامة العسكرية الجديدة كخمر قديمة في قناني جديدة اسمها “الدعم السريع”.

وصحيح أن العقل المفكر للمركز الحاكم وقتها كان قد انحاز لفكرة “العضل” العسكري، إلا أن من يعرف كيمياء الإقليم جيدًا يدرك بأنه ليس من السهل القفز فوق الروافع الاجتماعية فيه، وعندما تم تكوين “مجلس الصحوة الثوري” كان من المفهوم بأن النفوذ القبلي للشيخ موسى هلال هو رأس مال المجلس، وأنه من الصعب خروجه تمامًا من معادلات النفوذ في الإقليم، وأن ما يضمره كل منهما تجاه الآخر، رغم روابط الدم، كان كافيًا ليتربص أي واحد منهما بالآخر، وبدأ ظاهرًا بأن الصراع لن يبقى حبيسًا داخل البيت القبلي “محاميد/ رزيقات” طويلًا، وتبقى رغائب امتلاك النفوذ المطلق في الإقليم تراود الطرفين، وتبقت فقط ساعة الاندلاع، وهي تمامًا ما حدث في العام 2017 بتوقيف الشيخ موسى هلال بقوة السلاح من دامرة مستريحة بكامل الرضا من سلطة المركز وقتها.

(*) دامرة مستريحة.. القراءة الثانية للنفوذ القبلي في دارفور..
في العام 2019م، وبانتصار ثورة ديسمبر وسقوط النظام الحاكم لثلاثة عقود، بمنطق التحكم في تباديل وتوافيق أدوات النفوذ، كان لا بد من قراءة ثانية للأوضاع في الإقليم الرقم الصعب في معادلة صراع السلطة والثروة في السودان، وبموجب هذه القراءة خرج الشيخ موسى هلال من السجن قائدًا لمجلس الصحوة وزعيمًا قبليًا ذا وزن ثقيل لا يمكن تجاوزه في مضمار سباق السلطة والنفوذ.

ولكل من يعلم تركيبة الإقليم لن يعجز عن الإجابة على سؤال: هل مجلس الصحوة الثوري هو إطار و”منفستو” سياسي أم هو عبارة عن رافعة قبلية للتفاوض حول خارطة النفوذ في الإقليم؟

بطبيعة الأحوال التي أوجدتها الحرب منذ منتصف أبريل 2023م، والتي فرضت حتى على العوام تحديد موقعهم من إعراب جملة الحرب، لم يكن من الممكن أن يكون هذا الوزن القبلي غير متأثر بهذا الزلزال الذي ضرب المشهد السوداني بشكل عام، وصحيح أنه لم يصدر من مجلس الصحوة الثوري بشكل رسمي ما يشير إلى الانحياز إلى جانب الجيش في هذه الحرب إلا من بعض القيادات في تصريحات تُفهم في إطار قاعدة “عدو عدوي صديقي”، وإن كانت قيادة الدعم السريع تعتقد بأن “الدم يحن” في معركة الوجود التي خاضتها، فإن “الدامرة” لم تنسَ أن ما أُريق في ترابها في العام 2017م لم يكن الدم فقط.. كان شيئًا أكبر من ذلك بكثير.

ولعل القراءة الثانية في خطاب قائد الدعم السريع الأخير في كمبالا تقول بأنه يعض أصبع الندم لأنه لم يقرأ جيدًا في حكمة “إذا هبت رياحك فاغتنمها” إبان العام 2017م، حيث كانت سلطته التي تأمر وتنهى، وليكون الهجوم الأخير على دامرة مستريحة بمثابة “فش الغبينة” لحسابات قديمة وجديدة، وهنا يمكننا القول بأن حرب أبريل ليس من الدقيق وصفها بأنها بين الجيش والدعم السريع، بل هي أعادت فتح صراعات قديمة داخل البنية الاجتماعية في السودان بشكل عام، وفي دارفور على وجه الخصوص.

(*) دامرة مستريحة.. للقصة بقية..
وبالضرورة لن تكون المقاطع المصورة لدخول قوات الدعم السريع حتى مقار وضيافة الزعيم القبلي في دامرته، والروايات حول اغتيال مقربين لموسى هلال، هي آخر المشاهد إذا ما قرأنا ما حدث مقرونًا بأحداث مدينة الجنينة وما حدث في الفاشر، لأن حقيقة التاريخ تقول بأن “المصائب يجمعن المصابين”، ولابد من يوم ما تتكاثر فيه الزعازع لتنزع الأوتاد التي وضعتها الحرب، وبعكس ما أفاد به محمد حسن التعايشي في حواره بقناة Sky News Arabia عن إقامة دولة وليس حكومة، فإن الدولة على الأقل لا تقوم بمثل ما حدث في الجنينة والفاشر وكل مدن السودان، ومؤخرًا في دامرة مستريحة، وهو يعتبر إعادة للقراءة من كراسة النظام السابق الذي أراد أن يحكم البلاد بالبندقية فأسقطته السلمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى