المجلس التشريعي: صراع سياسي جديد يشتعل في قلب الأزمة السودانية

تقرير – عماد النظيف 

بينما ترسم جبهات القتال بين الجيش السوداني والدعم السريع صوراً مأساوية لمعاناة السودانيين، تتجلى في القتل والنزوح وتدهور الأوضاع الإنسانية، تشهد الساحة السياسية معارك من نوع آخر، لكنها لا تقل أهمية. محور هذه المعارك، الجدل المحتدم حول تشكيل المجلس التشريعي المزمع. ففي الوقت الذي يمثل فيه هذا المجلس بالنسبة للبعض خطوة حاسمة لاستكمال هياكل السلطة وتحقيق الشرعية، يراه آخرون مجرد محاولة شكلية لن تجدي نفعاً في ظل الأزمات المتفاقمة. هذا التباين في وجهات النظر يعكس عمق التحديات التي تواجه السودان، ويعرّي تعقيدات المشهد السياسي الذي يشهد صراعاً على السلطة في خضم أزمة إنسانية غير مسبوقة. فهل يمثل المجلس التشريعي طوق نجاة، أم أنه مجرد إضافة شكلية لن تعالج الجروح الغائرة؟”

تنص الوثيقة الدستورية الانتقالية، الموقعة بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير في 17 أغسطس 2019، على ضرورة تشكيل المجلس التشريعي خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تشكيل الحكومة. ورغم ذلك، تم تأجيل هذه الخطوة عدة مرات، إذ لم تنجح جميع المحاولات المنسوبة لتحقيقها خلال الفترة الماضية. ومع ذلك، بدأ رئيس مجلس السيادة، الفريق عبدالفتاح البرهان، في الأسابيع الأخيرة بإجراء مشاورات مع القوى السياسية بهدف تشكيل المجلس التشريعي، وذلك في إطار استكمال هياكل السلطة في الدولة.

عمر عثمان أبو شعبة

فيما أكد القيادي في تحالف الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية، عمر عثمان أبو شعبة، عدم وجود اتفاق نهائي بين القوى السياسية السودانية حول تفاصيل تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي. وأشار أبو شعبة إلى عدم الاتفاق على عدد أعضاء المجلس، أو آلية تشكيله، أو حتى الإطار الزمني المحدد لإتمام هذه العملية.

وفي تصريح لصحيفة “العودة”، كشف أبو شعبة عن رؤية الكتلة الديمقراطية التي يمثلها، والتي تقترح تشكيل المجلس بآلية شاملة تشمل القوى السياسية، وأطراف السلام، والقوات المسلحة.

واقترحت الكتلة أن يتألف المجلس من 300 عضو، يمثلون طيفاً واسعاً من الأطراف الفاعلة في البلاد، بما في ذلك القوى السياسية، وممثلي الولايات، ومنظمات المجتمع المدني، وأطراف اتفاقيات السلام، والقوات المسلحة، بالإضافة إلى الإدارات الأهلية، والطرق الصوفية، والمقاومة الشعبية.

وفيما يتعلق بالإطار الزمني لتشكيل المجلس، أوضح أبو شعبة أنه لم يتم تحديد موعد نهائي حتى الآن.

وفي سياق متصل، شدد أبو شعبة على أن حزب المؤتمر الوطني المحظور لن يتمكن من المشاركة في المجلس التشريعي الانتقالي، وذلك بسبب الحظر القانوني المفروض عليه.

الذهاب إلى انتخابات 

و يقول رئيس تنسيقية القوى الوطنية، محمد سيد أحمد الجكومي، إننا كقوى سياسية (تنسيقية القوى الوطنية والجبهة الثورية) اتفقنا بنسبة تزيد عن 70%. وقد قدمنا رؤيتنا حول المرحلة الانتقالية والمجلس التشريعي واستكمال المحكمة الدستورية إلى السيد الرئيس. سنلتقي مع الكتلة الديمقراطية لتوحيد الأفكار. من الضروري إكمال مؤسسات المرحلة الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات ليختار الشعب من يمثله بدلاً من هذا الارتباك.

محاولة بائسة

وصف الناطق الرسمي باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، بكري الجاك، تشكيل المجلس التشريعي بأنه “مجرد محاولة بائسة لإظهار أن هناك مؤسسات وإجراءات انتقال”، تهدف إلى “الحصول على شرعية لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي وتثبيت سلطة البرهان كحاكم بأمره”.

وأكد الجاك أن هذا الإجراء “لا يقدم ولا يؤخر، ولا يساهم في إيقاف الحرب ولا في تخفيف معاناة السودانيين”، متوقعًا أن يصبح المجلس “وسيلة جديدة للمأكلة والنهب وتقنين الفساد”.

يعتبر الجاك أنه لا يوجد إطار دستوري يحدد كيفية تشكيل المجلس، مشيرًا إلى أن الأولوية القصوى ينبغي أن تكون لإيقاف الحرب. ويتساءل عن كيفية المشاركة في هذه المهزلة.

يوسف الصادق الشنبلي

على النقيض، يرى القيادي بحزب الأمة القومي، يوسف الصادق الشنبلي، أن تشكيل المجلس التشريعي يمثل “إستحقاقًا دستوريًا نصت عليه الوثيقة الدستورية منذ العام 2019م”، معتبرًا إياه “خطوة مهمة لإستكمال هياكل السلطة التي ظلت معطلة ومغيبة عمدًا دون أي مبررات موضوعية لأكثر من خمسة أعوام”.

وأوضح الشنبلي أن الهدف من المجلس يكمن في “توسيع دائرة الشورى والمشاركة في إدارة الدولة وإتخاذ القرار، الأمر الذي ظل محتكراً في مجلسي السيادة والوزراء”.

يجب أيضاً إشراك الولايات والقطاعات المهنية المهمة والقوى السياسية، بالإضافة إلى تزويد المجلس بالخبرات والكفاءات وتمثيل المرأة والشباب.

ويرى محدثي أن تشكيل المجلس ضروري ليقوم بمهام التشريع والرقابة، وإصدار القوانين المهمة، خاصة قانون الانتخابات وقوانين التحول الديمقراطي مثل قانون الحريات والنقابات والخدمة المدنية وغيرها. كما يجب أن يجيز المجلس الاتفاقيات الدولية ويصادق عليها، بالإضافة إلى دوره الرقابي على أجهزة الدولة وتقديم التوصيات بإعفاء المقصرين.

وطالب بأن تكون مدة المجلس عامين كحد أقصى، بهدف التمهيد للانتخابات.

وكشف عن موافقة معظم القوى السياسية على المشاركة في المجلس التشريعي، وبدئها بتقديم التصورات والمقترحات ونسب المشاركة، بالإضافة إلى تصريحات رئيس مجلس السيادة التي أكدت المضي قدماً.

مجلس رمزي وتشريفي

لا يعتقد المحلل السياسي محمد تورشين أن تكوين أي جسم في هذه اللحظات، سواء كان مجلسًا تشريعيًا برؤية الكتلة الديمقراطية أو بأي رؤية أخرى، سيكون له أثر فعال فيما يتعلق بالمضي قدمًا في إعادة التجربة الثورية في السودان وما بعد الثورة.

يعتقد أن البرلمان المُعين لن يكون برلمانًا جادًا في مناقشة التشريعات، وكذلك في فرض الرقابة بالشكل المطلوب؛ لأنه مُعين، وبالتالي يكون الولاء للشخص الذي قام بتعينه – في إشارة منه إلى البرهان -. لذا، يعتقد أن سعي الحكومة والأطراف المتحالفة معها لاستكمال السلطة بتعيين التشريعي سيعطي انطباعًا بأن هناك أجهزة دولة مكتملة، سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية. لكن على أرض الواقع، لا يعتقد أنها ستنجح ولا ستحقق تطورًا مهمًا؛ لأن الأوضاع، كما أشار، التي جاءت في تشكيل المجلس استثنائية وغير مستقرة، والبلاد تشهد حالة حرب. وبالتالي، سيكون دور المجلس التشريعي رمزيًا وتشريفيًا أكثر من كونه ذا جدوى فيما يتعلق بمعالجة الإشكاليات وسن التشريعات.

ويرى أن ما بعد الحرب يحتاج إلى تأسيس حقيقي من خلال انتخاب جمعية تأسيسية وليس برلمانًا معينًا، ويعتقد أن الجمعية هي المدخل، وتأتي عقب المؤتمر الدستوري و أن الجمعية التأسيسية ستلعب دوراً مهماً في مناقشة وتقرير القضايا الدستورية والقانونية، بما في ذلك وضع الدستور في السودان. ويعتقد أنه من الأفضل إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تمتد لمدة عامين لبحث القضايا القانونية المتعلقة بالدستور، مشيراً إلى أن التعيينات لن تحل أي من الإشكاليات المطروحة.

محمد تورشين

بالمقابل يصف المحلل السياسي محيي الدين محمد تشكيل المجلس بأنه خطوة مهمة لإكمال هياكل السلطة المدنية الانتقالية. يرى ذلك لأنها تأتي في وقت تتحدث فيه جهات خارجية عن عملية سياسية متزامنة مع هدنة إنسانية لوقف إطلاق النار. ويعتبرها بمثابة “حصان طروادة” لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب.

يقول محي الدين إنه بموجب الوثيقة الدستورية، يجب أن تكون هياكل السلطة مكتملة، ولم يتبق سوى تشكيل المجلس. هذه خطوة مهمة من الناحية الدستورية، لكن التحدي يكمن في كيفية إدارة الخلافات السياسية. الهدف هو وجود مجلس تشريعي يمثل كل أطياف الشعب السوداني، ليكون أداة من أدوات السلطة الفعلية، ويراقب الشعب أداء السلطة التنفيذية. لذلك، يعتقد أنها خطوة صحيحة لاستكمال مؤسسات الدولة، ويجب الإسراع بها. كانت مطلوبة قبل الحرب، والوضع الحالي يستدعي سرعة تشكيل المجلس.

محيي الدين محمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى