سوق الحرب: الاقتصاد بين النار والقرار
المال والميدان.. أين الثقة؟

حاورته: نشوة أحمد الطيب
في زمن الحرب لا تكون المعركة في الميدان وحده بل في الأسواق أيضاَ، يتبدل معنى الأرقام ويصبح سعر الصرف مؤشراً للثقة والوقود اختباراً للشفافية والقرار الاقتصادي معياراً لقدرة الدولة على الإمساك بزمام أمورها.
صحيفة العودة تقترب من الأسئلة التي تشغل الشارع بصمت كيف يُحاصر السوق الموازي من جذوره؟ هل يمكن إعلان تكلفة الوقود كاملة بلا ارتباك سياسي؟ وماذا يفعل تضارب الصلاحيات بمدخرات الناس قبل أن يظهر في العناوين؟ وكيف يمكن منع الانهيار الاقتصادي حتى إن تعذر إنهاء الحرب؟
نقاش صريح مع الخبير الاقتصادي والمحلل الاستراتيجي دكتور عبد العزيز الزبير باشا حول إدارة اقتصاد يعمل تحت ضغط النار وحول ما إذا كانت الثقة ستبقى في يد الدولة أم تنتقل إلى السوق.
“السوق يقرأ الدولة أسرع مما تقرأه هي”
“التحالفات الإقليمية تحدد مصير العملة قبل السياسة الداخلية”
“ثقة السوق تبنى حين تصبح القناة الرسمية أكثر أماناً وربحية من الموازي”
“تضارب الصلاحيات يضرب الاقتصاد قبل أن يظهر في الأرقام”
“الاقتصاد والميدان مساران لا ينفصلان”
“الشفافية في الوقود تقوي الثقة وتكبح المضاربة“

س. هل نعيش تكيّفاً اقتصادياً مع الحرب أم فقداناً تدريجياً للسيطرة؟
ج. نحن نعيش تكيّفاً تحت قيادة الدولة وليس فوضى خارجة عن السيطرة، نعم، الحرب ضغطت على الاقتصاد، لكن مؤسسات الدولة ما زالت تعمل، والجيش يثبت يومياً أن هناك عموداً فقرياً صلباً للدولة والتحدي ليس فقدان السيطرة بل تسريع الانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض الانضباط الكامل عليها ومع وجود قيادة سيادية واضحة هذا ممكن.
س.هل يملك البنك المركزي أدوات تثبيت الجنيه؟
ج.يملك الأدوات، لكنه يحتاج بيئة تنفيذ حاسمة عندما تتكامل السياسة النقدية مع القرار السيادي وتتوحد الرسالة، يمكن استعادة الاستقرار تدريجياً، الدولة تملك الموارد: ذهب، زراعة، موقع جغرافي والمطلوب هو ربط هذه الموارد مباشرة بقوة العملة، وهذا يتطلب إرادة سياسية واضحة، وهي متوفرة.
س.هل يمثل التمويل بالعجز تهديد وجودي؟
ج.إذا تُرك بلا سقف نعم لكن حين يكون القرار السيادي واعياً بخطورة الأمر، يمكن ضبطه،
القيادة الحالية تدرك أن استقرار العملة جزء من هيبة الدولة، ولن تسمح بانزلاق غير محسوب.
س.هل يمكن وقف التوسع النقدي دون صدمة اجتماعية؟
ج.نعم عبر ترتيب الأولويات الدعم يجب أن يذهب للسلع الأساسية فقط ويُعاد توجيه الموارد إلى الإنتاج، الشعب السوداني صبور، لكنه يحتاج أن يرى خطة واضحة وإرادة قوية، لا تردداً.
س. ما حقيقة وضع الاحتياطي الأجنبي؟
ج.الاحتياطي ليس مثالياً، لكن السودان ليس بلداً مفلساً، لدينا ذهب وثروات طبيعية ضخمة. إذا أُحكم ضبط الصادر وأُغلقت منافذ التهريب، يمكن تعزيز الاحتياطي خلال فترة معقولة.
س.هل أزمة الصرف خلل سعري أم تعدد مراكز قرار؟
ج.المشكلة الأكبر تاريخياً كانت تعدد الإشارات، عندما يكون هناك مركز سيادي واضح يقود المشهد، تنخفض مساحة الارتباك. والسوق يحترم الدولة القوية.
س. من أين يأتي غطاء توحيد سعر الصرف؟
ج.من حصائل الذهب الرسمية وإدخال كل عائدات الصادر للنظام المصرفي وضبط الاستيراد غير الضروري السودان يملك المقومات، لكنه يحتاج انضباطاً كاملاً في التنفيذ
س.لماذا يستمر تهريب الذهب؟
ج.لأن هناك شبكات مصالح تشكلت في سنوات الضعف الحسم السيادي وحده كفيل بإنهاء هذه الظاهر، عندما تشعر هذه الشبكات بأن الدولة استعادت قبضتها، سيتغير السلوك فوراً.
س.هل الأزمة في تعدد المؤسسات أم في غياب الإرادة؟
ج.المؤسسات موجودة، المشكلة كانت في مراحل سابقة تشتت القرار، اليوم المطلوب هو توحيد كامل خلف القيادة السيادية حتى تُحسم الملفات بسرعة.

س.هل بنية السلطة الحالية صالحة لاقتصاد حرب؟
ج.نعم، بشرط تقوية مركز القرار وعدم إغراقه بهياكل موازية تربك الأداء. اقتصاد الحرب يحتاج قيادة تنفيذية واضحة، لا جدلاً سياسياً واسعاً.
س.هل الحسم المركزي مخاطرة أم ضرورة؟
هو ضرورة إنقاذ في لحظات مفصلية من تاريخ الدول، تتقدم الحسم على التوافق الواسع، السودان الآن في لحظة مفصلية.
س.ما أخطر ثلاثة مخاطر وشيكة؟
ج.انفلات سعر الصرف. استهداف إمدادات الوقود أو الغذاء. استمرار نزيف الذهب خارج القنوات الرسمية. كلها مخاطر يمكن السيطرة عليها بقرار حازم.
س.هل احتمال الانهيار النقدي قائم؟
ج.طالما الدولة قائمة والجيش يحمي السيادة، فالانهيار الكامل ليس قدراً محتوماً، الخطر موجود نظرياً، لكن أدوات منعه متوفرة إذا استُخدمت بقوة.
س.ما الحقيقة السياسية للأزمة الاقتصادية؟
ج.الأزمة الاقتصادية هي انعكاس لحرب مفروضة على الدولة، عندما يُحسم التهديد الأمني، سيتحرر الاقتصاد بسرعة، السودان ليس دولة بلا موارد، بل دولة في ظرف استثنائي.
س.هل يمكن إصلاح الاقتصاد دون إنهاء الحرب؟
ج.يمكن ضبطه ومنع انهياره، لكن النهضة الكاملة تحتاج استقراراً أمنياً، والسودان مؤهل لأن يستعيد مكانته في أفريقيا والمنطقة إذا أُغلقت هذه الصفحة بحسم.
س.في سياق تعيين بيكا هافيستو مبعوثاً أممياً جديداً إلى السودان: هل ترون أن طبيعة هذه المهمة، كما تُطرح حالياً، تتناسب مع توصيفكم للوضع كساحة صراع سيادي إقليمي؟
ج.السؤال ليس في الشخص، بل في طبيعة المهمة، إذا كان التعاطي الدولي يتعامل مع السودان كملف سياسي تقليدي، فهذا لا يعكس أنه ساحة صراع سيادي له أبعاد إقليمية.
السودان يحتاج احترام سيادته أولاً، وأي مسار تفاوضي يجب ألا يمنح شرعية غير مستحقة لطرف لم يُحسم وضعه ميدانياً.
س.كيف يمكن تجفيف السوق الموازي للنقد؟
ج.تجفيف السوق الموازي لا يتم بحملات أمنية فقط، بل بإغلاق أسبابه الهيكلية.
هناك أربعة محاور حاسمة تقليص الفجوة السعرية بين الرسمي وغير الرسمي تدريجياً حتى يفقد السوق الموازي هامش الربح وإعادة توجيه تدفقات النقد الأجنبي (حصائل صادر، تحويلات مغتربين، عوائد ذهب) إلى القنوات الرسمية بآليات حوافز وعقوبات مدروسة بجانب ضبط الطلب غير الإنتاجي على الدولار عبر أولويات استيراد صارمة إضافة إلى تحييد الشبكات المنظمة الكبيرة التي تدير المضاربة على نطاق واسع.
عندما تصبح القناة الرسمية أكثر أماناً وربحية من الموازي، ينكمش الأخير تلقائياً. الموضوع ليس شعارات، بل إعادة هندسة تدفقات.
س.هل الشفافية في تسعير الوقود ممكنة سياسياً؟
ج.ممكنة، لكن بشروط، الشفافية الكاملة تعني إعلان عناصر التكلفة سعر الاستيراد، النقل، التخزين، الرسوم، وسياسياً هذا يتطلب استعداداً لتحمل ردود فعل أولية لكن على المدى المتوسط، الشفافية تقلل الشائعات، وتحد من الاحتكار، وتُضعف المضاربة.
الغموض مكلف سياسياً أكثر مما يبدو، لأنه يخلق فجوة ثقة مزمنة والقرار هنا ليس فنياً فقط، بل قرار شجاعة سياسية محسوب.
س.هل بنية السلطة الحالية صالحة لإدارة اقتصاد حرب؟
ج.الهيكل القائم يمكن أن يدير اقتصاد حرب إذا توفرت فيه ثلاثة عناصر وضوح مركز القرار وتحديد مسؤوليات بلا تداخل وآلية تنفيذ سريعة لا تمر عبر طبقات بيروقراطية معقدة.
فأي بنية سلطة مهما كانت إذا لم تُفعل بهذه الطريقة ستصبح بطيئة والمسألة ليست في الشكل الدستوري بقدر ما هي في كيفية تشغيله.
س.كيف يؤثر تضارب الصلاحيات على القرار الاقتصادي؟
ج.السوق يتفاعل مع الإشارات فعندما تصدر قرارات متناقضة من جهات مختلفة، يحدث ارتباك لدى المستثمرين وتسارع في تحويل المدخرات إلى عملات أجنبية وتأجيل قرارات الإنتاج والاستيراد والنتيجة تكون ضغطاً فورياً على سعر الصرف. تضارب الصلاحيات لا يظهر في العناوين، لكنه يظهر فوراً في شاشة سعر الدولار.
س.كيف نبني نظام إنذار مبكر في ظل ضعف البيانات؟
ج.حتى مع ضعف البيانات الرسمية يمكن بناء نظام مراقبة فعال عبر مؤشرات أسبوعية لسعر الصرف الموازي ومراقبة مخزون الوقود والقمح وتتبع سرعة دوران السيولة داخل الجهاز المصرفي وتحليل تغيرات أسعار سلع أساسية في أسواق رئيسية، كل هذا يساعد بصورة كبيرة لأن نظام الإنذار المبكر لا يحتاج كمال البيانات، بل يحتاج قراءة ذكية للمتغيرات الحساسة.
المهم أن تكون هناك جهة واحدة تجمع هذه المؤشرات وتربطها مباشرة بمستوى القرار الأعلى.
س.هل الاقتصاد تابع للميدان أم مؤثر فيه؟
ج.العلاقة تبادلية بالكامل فعندما يضعف الاقتصاد، تتراجع القدرة على تمويل العمليات والخدمات وعندما يختل الميدان، تتأثر الثقة والأسواق فوراً لكن في المراحل الحساسة، الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يدعم الموقف الميداني عبر ضمان الإمدادات ومنع الذعر الداخلي لذلك لا يمكن التعامل معهما كمسارين منفصلين.
س.هل يمكن إصلاح الاقتصاد دون إنهاء الحرب؟ وكيف؟
ج.نعم يمكن تحقيق استقرار إداري دون إنهاء الحرب، عبر ضبط المالية العامة وحماية الإمدادات الحيوية ومنع الانفلات النقدي وكذلك إعادة تنظيم الصادرات
لكن لا يمكن تحقيق نمو حقيقي واستثمار واسع النطاق دون حد أدنى من الاستقرار الأمني.
وبصورة عامة يمكن منع الانهيار لكن النهضة الكاملة تحتاج هدوءاً نسبياً في الميدان.
س.كيف تؤثر التحالفات الإقليمية في الاستقرار الاقتصادي؟
ج.التحالفات الإقليمية تؤثر عبر ثلاث قنوات التمويل المباشر أو غير المباشر يجانب تسهيل أو تعقيد التجارة وحركة الصادرات والرسائل السياسية التي تؤثر على ثقة المستثمرين.
الدولة التي تُحسن إدارة تموضعها الإقليمي تستطيع أن تخفف الضغط على عملتها أما إذا أسيء إدارة العلاقات فإن الاقتصاد يدفع الثمن فوراً والمعالجات موجودة، والأدوات متاحة والخيارات معروفة، لكن في اقتصاد حرب، ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنفذ بالطريقة نفسها وفي الأخير السوق يحترم الدولة التي تتحرك بهدوء وثبات، لا الدولة التي تشرح خطتها قبل تنفيذها.
س.حول المجلس التشريعي؟
ج.أنا أؤمن بالمؤسسات، لكن لكل مرحلة أدواتها، في زمن الحرب، الأولوية لسرعة القرار التنفيذي خلف القيادة السيادية، إنشاء مجلس تشريعي واسع الآن قد يبطئ المعالجة الاقتصادية العاجلة.
تكررون كثيراً عبارة “وطن ومؤسسات”، ماذا تقصدون بها تحديداً؟ وهل ترون أن الأزمة الحالية أزمة دولة أم أزمة سلطة؟
أعني دولة قوية بجيشها، بإدارتها المالية، بقضائها، وبأجهزتها النظامية، دولة تعرف موقعها في أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، الأزمة ليست أزمة وجود دولة، بل معركة لإعادة تثبيت هيبة الدولة، وعندما تستعيد الدولة هيبتها، سيستعيد الجنيه هيبته معها.
السودان ليس دولة هامشية هو دولة محورية في أفريقيا والمنطقة وإذا توحد القرار، وأُحكم الانضباط الاقتصادي، واستُثمرت الموارد بقبضة قوية، فإن هذه المرحلة ستتحول من اختبار بقاء إلى نقطة انطلاق نحو مكانة إقليمية تليق بالسودان.



