(العودة) تنفرد بخطاب الإمداد:31 شركة مؤهلة لاستيراد الوقود في السودان

خبير اقتصادي: "استقرار الوقود لا تصنعه كثرة الشركات"

تقرير _ نشوة أحمد الطيب 

/خبير اقتصادي: “استقرار الوقود لا تصنعه كثرة الشركات”

/“تنظيم الشركات لا يضمن المنافسة”

/“وقود السودان تحكمه معادلة أصعب من عدد الشركات: التمويل واللوجستيات

في أول كشف رسمي تنفرد صحيفة (العودة) بنشر القائمة الكاملة للشركات السودانية المؤهلة لاستيراد المنتجات البترولية للعام 2026، ضمن وثيقة صادرة عن الإدارة العامة للإمداد وتجارة النفط بوزارة الطاقة والنفط. ويأتي هذا الكشف في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وسط تساؤلات عن قدرة القطاع الخاص على تلبية احتياجات البلاد من الوقود، وإمكانية استمرار استقرار الإمدادات في ظل التحديات التنظيمية السابقة وتأخر بعض الشركات في استكمال إجراءاتها، وسط تحذيرات الخبراء التي ظلت (العودة) تنشرها باستمرار وتتصدر عناوينها الرئيسية.

وثيقة تكشف التفاصيل

في خطوة هامة ضمن جهود الدولة لتأمين إمدادات الطاقة، تنفرد صحيفة (العودة) بالحصول على خطاب رسمي صادر عن الإدارة العامة للإمداد وتجارة النفط بوزارة الطاقة والنفط، يتضمن القائمة الرسمية الكاملة للشركات المؤهلة لاستيراد المنتجات البترولية خلال العام المالي 2026، إلى جانب الترتيبات التنظيمية الجديدة التي تسعى الوزارة إلى تنفيذها لضمان استمرار انسياب الوقود واستقرار الأسواق.

ويأتي الكشف عن هذه الوثيقة بالتزامن مع توضيح رسمي أصدرته وزارة الطاقة، السبت 7 مارس 2026، بشأن ترتيبات استيراد الوقود، في وقت يظل فيه ملف الإمدادات البترولية واحدًا من أكثر الملفات حساسيةً، وسط تحديات اقتصادية وضغوط متصاعدة على الأسواق المحلية والعالمية للطاقة.

توضيح الوزارة الرسمي

وقالت وزارة الطاقة في بيانها إن الإجراءات الجديدة تأتي في إطار مسؤوليتها المباشرة عن تأمين الإمدادات البترولية للبلاد وضمان استقرار توفر الوقود في الأسواق، مشيرة إلى أنها قررت المضي قدمًا في برنامج استيراد الوقود بالتعاون مع شركات القطاع الخاص التي نجحت في تنظيم نفسها وتشكيل مجموعات متضامنة.

وأوضح البيان أن الوزارة عملت على تنظيم مشاركة القطاع الخاص عبر تكوين خمس مجموعات متضامنة من الشركات، بهدف ضمان تنفيذ عمليات الاستيراد بشكل منضبط وفق ترتيبات فنية وتنظيمية معتمدة، موضحة أن ثلاثين شركة من شركات القطاع الخاص نجحت في استكمال عملية التنظيم والتضامن فيما بينها، بينما تسع شركات أخرى لم تتمكن حتى الآن من استكمال إجراءات التعاون والتنسيق، وسيتم إدماجها في البرنامج فور إتمام ترتيباتها القانونية والتنظيمية.

وأكدت الوزارة أن شركات القطاع العام ستواصل أداء دورها في توفير احتياجات السوق من المنتجات البترولية، وستتدخل لتغطية أي فجوات محتملة في الإمدادات متى ما دعت الحاجة، بما يضمن استمرار توفر الوقود بصورة مستقرة في جميع أنحاء البلاد. وأضافت الوزارة أن هذه الإجراءات تأتي استجابة للتطورات والمتغيرات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، لضمان عدم تأثر الإمدادات المحلية بتقلبات الأسواق.

خطاب الإمداد الرسمي

وفي السياق ذاته، حصلت صحيفة العودة على خطاب رسمي صادر في 15 يناير 2026 من الإدارة العامة للإمداد وتجارة النفط بالمؤسسة السودانية للنفط، موجهاً إلى ممثلي القطاع الخاص، يحدد القائمة الرسمية للشركات المؤهلة لاستيراد المنتجات البترولية للعام 2026.

وبحسب الخطاب، فقد ضمت القائمة 31 شركة من شركات القطاع الخاص تم تقييمها وفق شروط ومتطلبات فنية وإدارية دقيقة، وصنفت هذه الشركات إلى ثلاث فئات رئيسية بحسب استيفائها للاشتراطات: الفئة الأولى للشركات المؤهلة بالكامل، الفئة الثانية للشركات المشروطة باستكمال ملفاتها، والفئة الثالثة للشركات المشروطة باستكمال مستودعاتها.

الشركات المؤهلة بالكامل

وتضمنت قائمة الشركات المؤهلة بالكامل 16 شركة، هي: ليبيا أويل المحدودة، أويل إنرجي المحدودة، قابكو “سودان” المحدودة، نبتة للبترول المحدودة، النحلة للبترول المحدودة، سوداغاز الإماراتية المحدودة، بترولاين العالمية المحدودة، أعمال سيدون التخصصية المحدودة، يونايتد للبترول المحدودة، نوافل للبترول المحدودة، الميثاق للبترول المحدودة، الشركة الأفريقية لتجارة المواد البترولية المحدودة، آر بي للبترول المحدودة، ابرسي لتسويق المواد البترولية المحدودة، المقرن للبترول المحدودة، وغازيرو للبترول المحدودة.

شركات باستكمال ملفات

أما الفئة الثانية فشملت سبع شركات اشترطت الإدارة استكمال ملفاتها القانونية والإدارية لتكون مؤهلة نهائياً، وهي: الكريمت للبترول المحدودة، الطريفي للبترول المحدودة، الساحل لخدمات الطاقة المحدودة، أمونيا للاستثمار والخدمات المحدودة، وادي السندس للبترول المحدودة، كونكورب بتروليم المحدودة، إضافة إلى الوطنية للبترول المحدودة.

شركات باستكمال مستودعات

أما الفئة الثالثة، فقد ربط تأهيلها النهائي باستكمال وتجهيز مستودعات التخزين الخاصة بها، وشملت هذه الفئة ماديما للأعمال المتقدمة المحدودة، شاهقات العالمية المحدودة، مصادر للبترول المحدودة، بتروبورتنال للصناعات المحدودة، بتروكور للبترول المحدودة، بترونور للطاقة المحدودة، بترولوكس للأنشطة المتعددة المحدودة، وA PLUS A للتنمية والاستثمار المحدودة.

وقد جرى اعتماد القائمة رسمياً بتوقيع المدير العام للإدارة العامة للإمداد وتجارة النفط تاج العارفين سيد أحمد محمد، كما تضمن الخطاب توجيهاً إدارياً مهماً يقضي بمراجعة شروط التعاقد الجديدة، ما يعكس تحديثات طرأت على الإطار التنظيمي والتعاقدي لعمليات الاستيراد لهذا العام.

خلفية الأزمة القديمة

وكانت صحيفة العودة قد تابعت هذه الأزمة عن كثب، في ظل تحذيرات من تعقيدات تنظيمية أعقبت إصدار وزارة الطاقة لائحة لتنظيم استيراد المشتقات البترولية دون تحديد شروط واضحة ومفصلة، ما أثار اعتراضات داخل قطاع الشركات الخاصة.

وترى بعض الشركات أن اللائحة ساوت بين الشركات الكبيرة ذات الإمكانات المالية والفنية، والشركات الصغيرة غير المؤهلة، وهو ما اعتبرته تلك الشركات إخلالاً بمبدأ التنافس العادل، حيث يُفترض أن تُراعى القدرات المختلفة لكل شركة عند توزيع حصص الاستيراد السنوية.

خطة الاستيراد السنوية

وبحسب مصادر في القطاع، فإن الحكومة تخطط لاستيراد نحو 80 باخرة وقود سنوياً، يتم توزيعها مناصفة بين القطاع الحكومي والخاص، بواقع أربعين باخرة لكل طرف. غير أن الخلافات بين الشركات حول آلية توزيع الحصص، وإلزامها بالتوافق ضمن مجموعات متضامنة، أدى إلى تأخير التنفيذ، وهو ما انعكس على تدفقات الوقود في بعض المحطات، ما ينذر بأزمات محتملة إذا لم يتم حل الخلافات سريعاً.

كما طالبت شركات القطاع الخاص الحكومة بالالتزام بقانون الاستثمار الذي حرر استيراد السلع الاستهلاكية بما فيها الوقود، بما يسمح لجميع المستثمرين بالاستيراد ضمن السوق الحر، معتبرة أن بعض الإجراءات التنظيمية الجديدة تتعارض مع هذا القانون.

طمأنة مجلس الوزراء

في المقابل، أكد وزير الطاقة والنفط المهندس المعتصم إبراهيم أحمد في وقت سابق خلال اجتماع مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، أن موقف إمداد الوقود مستقر حالياً، مشيراً إلى وجود مخزون يكفي حتى نهاية أبريل المقبل، مع التوصل إلى توافق مع شركات القطاع الخاص لضمان استمرار إمداد الوقود بصورة منتظمة.

كما أشار الوزير إلى استمرار التنسيق مع حكومة ولاية الخرطوم لتوفير الطاقة الكهربائية وإنارة الشوارع والأحياء الحيوية في العاصمة، بما يعكس التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لضمان خدمات الطاقة الأساسية للمواطنين.

مخاوف الهيمنة

وفي السياق، قال د. عبدالعزيز الزبير باشا، المختص في إدارة المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية، في حديثه لصحيفة العودة: إن تشكيل خمس مجموعات من شركات القطاع الخاص لاستيراد الوقود لا يعني بالضرورة نشوء احتكار في السوق، لكنه في الوقت ذاته لا يضمن تلقائياً قيام منافسة كاملة.. وأوضح أن ما جرى عملياً هو تقليص عدد المتعاملين المباشرين مع الدولة عبر دمج الشركات في مجموعات أكبر، قادرة على تحمّل مخاطر التمويل والاستيراد في ظروف الحرب والاضطراب الاقتصادي.

وأضاف أن الدول، في القطاعات الحساسة مثل الوقود، تميل عادة إلى التعامل مع عدد محدود من الكيانات القادرة على تأمين الشحنات وترتيبات التأمين والتمويل، بدلاً من التعامل مع عشرات الشركات الصغيرة، مشيراً إلى أن هذه المجموعات يمكن النظر إليها كآلية لتنظيم السوق أكثر من كونها كارتلاً اقتصادياً.

وبيّن أن مستوى المنافسة الحقيقية لن يتحدد بعدد المجموعات فقط، بل يعتمد أساساً على ثلاثة عوامل رئيسية، هي شفافية تكلفة الاستيراد، وآلية توزيع الحصص بين المجموعات، إضافة إلى وجود دور رقابي قوي للدولة. وأكد أن توفر هذه العناصر كفيل بالحفاظ على المنافسة، بينما قد يؤدي ضعف الرقابة إلى تركّز اقتصادي مرتفع في السوق.

استقرار الإمدادات

ورداً على تساؤلات تتعلق بتأخر انضمام بعض الشركات إلى البرنامج، أوضح الزبير أن استقرار الإمدادات البترولية لا يعتمد في الأساس على عدد الشركات المشاركة، بقدر ما يعتمد على القدرة الفعلية على التمويل وتأمين الشحنات.

وأشار إلى أن السودان يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود من الخارج، ما يجعل التحدي الحقيقي مرتبطاً بتأمين التمويل والعملات الصعبة، إلى جانب إدارة سلاسل النقل والتأمين.

وأضاف أن وجود خمس مجموعات منظمة قد يكون كافياً لضمان الإمدادات، إذا كانت هذه المجموعات قادرة على فتح خطوط تمويل، والتعاقد مع الموردين، وإدارة المخاطر اللوجستية المرتبطة بعمليات الاستيراد والنقل.

ولفت إلى أن انضمام الشركات التسع الأخرى لاحقاً يمثل توسيعاً لقاعدة التنفيذ أكثر من كونه شرطاً أساسياً لنجاح البرنامج، مؤكداً أن القضية الجوهرية لا تتعلق بعدد الشركات، بل بقدرتها التشغيلية والمالية على تأمين الوقود بصورة منتظمة.

. عبدالعزيز الزبير باشا، المختص في إدارة المخاطر الاستراتيجية.   .        والاقتصادية.

تحول أم إجراء

وفي ما يتعلق بطبيعة هذا النموذج بين الحكومة والقطاع الخاص، وهل يمثل تحولاً استراتيجياً في إدارة القطاعات الحيوية، أم خطوة مؤقتة فرضتها الظروف، قال الزبير إن الواقع يشير إلى مزيج من الأمرين.

وأوضح أن كثيراً من الدول تلجأ في ظروف الحروب أو الأزمات المالية إلى نماذج الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بهدف تخفيف الضغط على الخزانة العامة وتسريع حركة السوق.

وأكد أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة انسحاب الدولة من القطاع، بل إعادة توزيع الأدوار داخله، خاصة أن الحكومة ما زالت تحتفظ بأدوات رئيسية في قطاع الطاقة من خلال المؤسسات الحكومية والبنية التحتية المنظمة للسوق.

واعتبر أن ما يجري حالياً أقرب إلى تعديل في آليات التشغيل وليس تخلياً عن السيطرة، مضيفاً أن نجاح هذا النموذج قد يدفع إلى اعتماده بصورة أكثر استقراراً في إدارة بعض السلع الاستراتيجية، بينما قد يؤدي ظهور اختلالات في السوق إلى عودة الدولة للتدخل بآليات أكثر مباشرة.

منافسة حقيقية 

وخلص الزبير إلى أن المجموعات الخمس لا تمثل احتكاراً بالضرورة، لكنها أيضاً لا تشكّل ضمانة تلقائية لقيام منافسة حقيقية، مؤكداً أن استقرار الإمدادات يرتبط أساساً بعوامل التمويل واللوجستيات أكثر من عدد الشركات المشاركة.

وأضاف أن الترتيب الحالي يبدو أقرب إلى صيغة عملية لإدارة اقتصاد في ظل الحرب والضغوط المالية، أكثر من كونه تحولاً نهائياً في سياسة الدولة تجاه قطاع الطاقة

متابعة العودة مستمرة

وبينما تؤكد الحكومة أن الترتيبات الجديدة تهدف لضمان استقرار سوق الوقود في ظل التغيرات العالمية، يبقى ملف استيراد المنتجات البترولية أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً بين الدولة والقطاع الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى