مأساة النزوح”: الملايين يعانون نقص الخدمات الأساسية في انتظار الإغاثة”

غرب كردفان تتصدر أزمة النزوح في السودان

النازحين في معسكر… بين عطش الفساد وإهمال الإدارة

يواجه الملايين من النازحين في مدينة الأبيض أوضاعاً مأساوية تتفاقم يوماً بعد يوم، مع نقص حاد في الخدمات الأساسية التي تضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. يشكل نقص المياه والغذاء تحدياً وجودياً يهدد حياة الآلاف، في ظل شهادات مروعة تصف واقعاً مريراً يعكس عمق الأزمة.

ولم تقف المعاناة عند حدود نقص الخدمات، بل تفاقمت مع اتهامات خطيرة بالفساد والمحسوبية في توزيع المساعدات الإنسانية. إذ يتهم العديد من النازحين جهات نافذة بالتلاعب في توزيع المواد الغذائية، مما يحرم الفئات الأكثر ضعفاً من حقها في الحصول على المعونات. هذه الاتهامات، التي تشير إلى عمليات تلاعب وتزوير، تطرح تساؤلات جدية حول فعالية الاستجابة الإنسانية في المنطقة وتأثيرها على حياة المتضررين.

تحقيق – عماد النظيف

جولة ميدانية

في مخيم النازحين بالميناء بالبري الجديد بمدينة الأبيض، الذي يستضيف آلاف الأسر الفارة من ويلات الحرب في مناطق مثل بارا وكازقيل والنهود والخوي وغيرها، تتفاقم الأوضاع الإنسانية يومًا بعد يوم. في زيارة ميدانية قام بها محرر “العودة”، عاين عن كثب حجم المعاناة. عشرات السيدات كن ينتظرن في طوابير طويلة أمام حمامات المياه لقضاء حاجتهن، بينما اضطر الشباب والرجال للتبرز في العراء مع بزوغ فجر كل يوم.

إضافة إلى ذلك، تشهد محطة المياه التي أنشأتها إحدى المنظمات الإنسانية صفوفًا طويلة، مما يعكس الضغط الهائل على الموارد المتاحة.

وتتفاقم الأزمة مع تزايد عدد النازحين يومًا بعد يوم، مما دفعهم إلى بناء منازل من القش في مناطق غير مخصصة للإيواء، مثل الأبحاث الزراعية التابعة لجامعة كردفان، والتي كانت مخصصة للزراعة.

ويعيش النازحون في انتظار الدعم الإنساني الذي يأملون في الحصول عليه من الخيرين والمنظمات الإنسانية والتكايا ومفوضية العون الإنساني.

وتتزايد المخاوف بشأن الوضع الصحي والتغذوي في المخيمات، حيث يتضور النازحون جوعًا في ظل نقص الغذاء الحاد. وتدعو المنظمات الإنسانية إلى تكثيف الجهود وتقديم الدعم العاجل لإنقاذ الأرواح والتخفيف من وطأة المعاناة الإنسانية المتفاقمة في مدينة الأبيض.

وفي ظل غياب تام للخدمات الأساسية، وتفشي الفساد والمحسوبية، يعيش النازحون في معسكر… مأساة حقيقية، تفاقمت مع إهمال الإدارة ومفوضية العون الإنساني، بحسب شهادات لنازحين فضلوا حجب أسمائهم خوفًا من الملاحقة.

“لا يوجد ماء نظيف للشرب، هذا هو الواقع المرير الذي نعيشه”، هكذا بدأ أحد النازحين حديثه، مضيفًا أن “المعسكر يعاني من انعدام شبه تام للخدمات، في ظل غياب كامل لمفوضية العون الإنساني وإدارة المعسكر”.

ولم تقتصر معاناة النازحين على نقص الخدمات، بل تفاقمت مع اتهامات بالفساد والمحسوبية في توزيع المواد الغذائية. إذ اتهم النازحون جهات نافذة بالتلاعب في توزيع المعونات، موضحين أن “أشخاصًا يأتون من خارج المعسكر يحصلون على مواد غذائية، وهناك من يسجلون أشخاصًا وهميين لصرف المواد الغذائية بأسمائهم ثم بيعها في السوق”.

مأساة تتطلب التدخل العاجل

تشير هذه الشهادات إلى حجم المأساة التي يعيشها النازحون في معسكر…، وتستدعي تدخلًا عاجلاً من الجهات المعنية لوضع حد للفساد والإهمال، وتوفير الخدمات الأساسية التي تضمن لهم حياة كريمة.

فساد متفشي

وبحسب شهادات النازحين، فإن معاناة نازحي ولاية غرب كردفان تفوق معاناة النازحين القدامى من ولايتي شمال وجنوب كردفان. ويُرجعون ذلك إلى ما وصفوه بـ”الفساد المتفشي” في مفوضية العون الإنساني في غرب كردفان.

فساد يطال المواد الغذائية

شهدت مفوضية العون الإنساني في غرب كردفان، في عهد المفوض المقال المنا دفع الله ، تجاوزات خطيرة وشبهات فساد كبيرة في صرف المواد الغذائية. حيث اتُهمت إدارة المفوضية ببيع بعض السلع في السوق، بما فيها اللبن، وتوزيع الدقيق للمواطنين، وهو ما يتعارض مع الغرض الأساسي من المعونات الإنسانية.

ولم تتوقف التجاوزات عند هذا الحد، إذ أثار قيام والي غرب كردفان محمد آدم جايد بتقديم دعم عيني (دقيق) مخصص للنازحين لفريق حيدوب النهود المشارك في الدوري الممتاز، جدلاً واسعًا في الأوساط المحلية. وقد وصلت المطالبات بإقالة الوالي على خلفية هذه الواقعة، التي اعتبرها البعض استغلالًا للموارد المخصصة للنازحين.

بالرغم ذلك كشف مفوض العون الإنساني في ولاية غرب كردفان، صبري يوسف جبارة، عن ارتفاع مقلق في أعداد النازحين، مؤكدًا على أن ولاية غرب كردفان تشهد أكبر موجة نزوح حتى الآن.

وفي حديثه لصحيفة “العودة”، أوضح جبارة أن 38 ألف أسرة نزحت إلى غرب كردفان، وأن غالبية هؤلاء النازحين يتمركزون في مدينة الأبيض. وأشار إلى أن 80% من النازحين يقيمون في الأحياء السكنية مع المجتمع المضيف، بينما يعيش 20% في المعسكرات.

ولفت المفوض إلى أن ولايات أخرى تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين، حيث تجاوز عدد الأسر النازحة في ولاية النيل الأبيض 3 آلاف أسرة، وفي ولاية الخرطوم، وصل العدد إلى ما يقرب من 6 آلاف أسرة. وأشار إلى وجود نازحين أيضًا في ولايات سنار والقضارف وبورتسودان، حيث تجري حاليًا عمليات حصر أعدادهم.

وأكد جبارة على أن مهمة حصر النازحين في كل ولاية تقع على عاتق مفوضية العون الإنساني، مشيرًا إلى التنسيق المستمر مع المفوضيات من خلال تشكيل لجان خاصة لحصر أعداد النازحين في جميع الولايات المتضررة.

ولفت إلى أن عددًا كبيرًا من النازحين نزحوا من ولاية غرب كردفان إلى ولايات أخرى، بالإضافة إلى لجوء عدد كبير إلى دول الجوار.

وفيما يتعلق بالنازحين المقيمين في المعسكرات، أوضح جبارة أنهم يخضعون لإشراف مفوضية العون الإنساني في الولاية المعنية، والتي تنسق مع منظمات العمل الإنساني لتقديم الدعم اللازم.

وأشاد جبارة بوضع النازحين من هجليج في ولاية النيل الأبيض، حيث تم توفير خيمة لكل أسرة، بالإضافة إلى وجبة شهرية مقدمة من برنامج الغذاء العالمي، مما يعكس اهتمامًا خاصًا بهذه الفئة.

وأكد جبارة أن لديهم تنسيقات مع النازحين الذين استضافتهم الأسر، بهدف إيصال حصة كل منهم من المواد الإغاثية.

وأشار إلى أن الحاجة ماسة للمواد الغذائية، في ظل استمرار عمليات اللجوء.

ودعا الشركاء ومنظمات العمل الإنساني إلى التدخل. وأوضح أن الدعم الحكومي يأتي من مفوضية العون الإنساني، بينما يأتي الدعم غير الحكومي من منظمات العمل الإنساني. كما ذكر أنهم يعملون على إدراج جميع النازحين في نظام الكوبو، وهو نظام بيانات يهدف إلى حصر النازحين وتسهيل تقديم المساعدات لهم.

أوضاع إنسانية مأساوية

توثقت تقارير إنسانية صادر من منظمات إنسانية وحقوقيَة تحصلت عليها “العودة” الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان كردفان، والتي تشمل:انعدام الأمن الغذائي: يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء، مما يهدد حياة الأطفال وكبار السن والفئات الأكثر ضعفاً.

نقص الرعاية الصحية: انهيار النظام الصحي يعني عدم توفر الرعاية الطبية الأساسية، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض وتفاقم الإصابات.

القيود على حركة التنقل: صعوبة التنقل تعيق وصول المساعدات الإنسانية وتحد من قدرة السكان على البحث عن الأمان والاحتياجات الأساسية.

اختطاف الشباب: تفاقم أعمال العنف أدى إلى اختطاف الشباب، مما يثير مخاوف جدية بشأن سلامتهم.

النزوح الواسع: فرار السكان من منازلهم هرباً من العنف، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتزايد الضغط على الموارد المحدودة.

تدهور الأوضاع الاقتصادية: انهيار الاقتصاد يفاقم من معاناة السكان ويجعلهم عرضة للمخاطر.

انهيار الخدمات الأساسية: تعطل خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي يزيد من تفشي الأمراض ويهدد الصحة العامة.

أرقام صادمة

وفقًا لتقديرات منظمة الهجرة الدولية، يستضيف إقليم كردفان ما يقرب من 1,023,154 نازحًا داخليًا، موزعين على 1,936 موقعًا عبر 36 محلية. وتشمل الأرقام الموزعة على الولايات:

غرب كردفان: 416,654 نازحًا

جنوب كردفان: 383,558 نازحًا

شمال كردفان: 222,942 نازحًا

بالإضافة إلى ذلك، نزح الآلاف من غرب كردفان إلى خارج الإقليم، حيث يوجدون في: كوستي: 7,076 نازحًا

ربك: 4,095 نازحًا

الدويم: 3,632 نازحًا

الخرطوم: (لا توجد إحصائيات دقيقة حتى الآن) الولاية الشمالية: (10% من معسكر العفاض من كردفان)

كارثة إنسانية

ووثق تقرير مفصل، صدر حديثاً من حزب الشعب قطاع كردفان تفاقم الأزمة الإنسانية في ولايات كردفان، مشيرًا إلى أن الوضع في معظم مدن يتجه نحو “كارثة إنسانية” حقيقية.

حيث رصد سلسلة من الانتهاكات والأزمات التي تعصف بحياة السكان، بدءًا من انقطاع الاتصالات والخدمات الأساسية وصولًا إلى أعمال العنف والنهب المتصاعد.

أكد التقرير أن انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت في معظم مدن كردفان أدى إلى عزلة تامة للسكان.

وأوضح التقرير أن هذا الانقطاع يعرقل بشدة نقل المعلومات وتواصل الأهالي مع ذويهم، بالإضافة إلى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها.

وشدد التقرير على تفاقم الأزمة المالية في المنطقة، حيث يعاني السكان من انعدام شبه كامل للسيولة النقدية. وأشار الحزب إلى توقف التطبيقات البنكية والخدمات المصرفية بسبب انقطاع الإنترنت، مما جعل السكان غير قادرين على سحب الأموال أو إجراء أي معاملات مالية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الفقر والمعاناة.

بجانب تعطل معظم محطات المياه، خاصة في مناطق غرب وشمال كردفان، مما أدى إلى تفاقم أزمة المياه في القرى المحيطة وأماكن تجمع النازحين. وحذر الحزب من أن هذه الأزمة تهدد الأمن الغذائي والصحة العامة للسكان.

وأدان بشدة إغلاق الطرق والممرات الآمنة، واحتجاز العديد من الأسر داخل المدن دون إمكانية النزوح لمناطق أكثر أمانًا. كما أشار التقرير إلى انتشار واسع لعمليات النهب، حيث تم الاستيلاء على مخازن الصمغ العربي والفول السوداني والأدوية والمتاجر والمواد التموينية في مدن مثل النهود والخوي وبارا وجبرة.

وفي سياق متصل، أعرب عن قلقه العميق إزاء تصاعد عمليات القتل والتصفية الجسدية، خاصة في أوساط الشباب. وأدان الحزب أيضًا انتشار حوادث الضرب والتشريد القسري، مع استهداف مجموعات بعينها لأسباب إثنية.

وأكد التقرير على أن الأوضاع الحالية تنذر بكارثة إنسانية وشيكة في ظل استمرار النزوح الداخلي وانهيار الخدمات الأساسية.

أبرز التقرير أن الإقليم يشهد نزوحاً داخلياً واسع النطاق، حيث تجاوز عدد النازحين المليون شخص. وأشار إلى غياب مراكز الإيواء المنظمة في العديد من المناطق، مما أدى إلى لجوء النازحين إلى المدارس والمباني المهجورة وحتى العراء، في ظل ظروف معيشية قاسية.

ولفت التقرير إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، يعزى إلى القيود المفروضة على حركة السلع، بما في ذلك الحظر والجبايات والضرائب التي تُفرض على البضائع. وأكد الحزب على فقدان العديد من السكان لمصادر دخلهم نتيجة توقف الزراعة والتجارة، مما يزيد من حدة الأزمة.

كما سلط التقرير الضوء على شح المياه الصالحة للشرب، وهي مشكلة تتفاقم في كردفان بطبيعتها، مما يزيد من معاناة السكان.

وفي قطاع الصحة، أشار التقرير إلى خروج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة بسبب نقص الكادر الطبي والمستلزمات. وأعرب الحزب عن قلقه إزاء صعوبة وصول المرضى، خاصة النساء الحوامل وكبار السن، إلى الخدمات الصحية، حيث أصبحت مدينة الأبيض هي المكان الوحيد الذي يقدم خدمات طبية في كردفان.

كما أشار التقرير إلى إغلاق عدد كبير من المدارس، بعضها تم استخدامه كمراكز إيواء للنازحين. وأكد الحزب على فشل جميع محاولات إعادة فتح المدارس في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

واختتم حزب الشعب تقريره بدعوة عاجلة إلى جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي، إلى التحرك الفوري لتقديم الدعم الإنساني اللازم لسكان كردفان. وأكد الحزب على ضرورة توفير المأوى والمواد الغذائية والمياه والرعاية الصحية، بالإضافة إلى العمل على استعادة الخدمات الأساسية وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين. وحذر الحزب من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتعريض حياة الملايين للخطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى