بين إرهاق الحرب وأمل الغد..الأزمات تتلاحق على البسطاء في العاصمة

أزمة وقود خانقة في أغلب مناطق الخرطوم

الخرطوم_ هيام المغربي 

في ظهيرة حارة، بدت الخرطوم وكأنها تتنفس بصعوبة، مدينة انهكتها الحرب، لكنها تمد يدها البيضاء للقادمين، تلامس وجوهم المتعبة، وتهمس في دواخلهم بأسئلة الأمس، وتغريهم بحلم غد أكثر إشراقا.

في جولة ميدانية مكثفة في ولاية الخرطوم،تجلت صورة قاتمة لأزمة وقود متفاقمة تلقي بظلالها على حياة المواطنين.

رصدت (العودة) مشهدا متكررا من طوابير طويلة من السيارات المصطفة أمام محطات الوقود، في انتظار مضمن للحصول على بضعة لترات من البنزين أو الديزل.

وقد تصاعدت حالة التذمر والاستياء بين السائقين، الذين عبروا عن استيائهم من طول الانتظار وتأثيره على أعمالهم والتزاماتهم اليومية.

مشاهدات

في أحد شوارع المدينة، كان لابد من التوقف أمام بقالة صغيرة لشراء زجاجة ماء، لكن ما فاجأني لم يكن الماء، بل في ذلك الدفء الذي بدا انعكاسا لحرارة المدينة وانفاس اهلها، بابتسامة متقضبة، علق صاحب المحل: ” الكهرباء قاطعة” عبارة قصيرة، تختزل واقعا يعرقل تطلعات الناس الى حياة اكثر استقرارا، الكهرباء، شريان الحياة، تنقطع لتترك المدينة في الظلام، وتزيد من وطاة معاناةالسكان.

واصلت طريقي، مستقلا حافلة تعبر زحام المدينة، وجوه مجهدة، تفاصيل يومية مألوفة، تعكس صمودا عجيبا في وجه التحديات، وبين ضجيج الحافلة، أنساب صوت الفنان محمود عبدالعزيز، محملا بالشجن والعذوبة، أغنية تلامس القلوب، تمنح اللحظة بعد إنسانيا مختلفا، لم يكن الغناء مجرد خلفية عابرة، بل بدا وكأنه محاولة خفية لترميم ما خلفته الأيام من انكسارات، ومواساة صامته لأرواح مثقلة.

صراع مستمر

في تلك اللحظة، بدت الخرطوم وكأنها تعيد تشكيل ذاتها عبر إيقاع حالم.. تحاول ان توازن ما بين وجعها وأملها، بين واقعها القاسي وتطلعات ابنائها.. صوت الأغنية، رغم صمته يحمل في طياته رسالة أمل.. رسالة تقول ان الحياة مستمرة، وإن الأمل باقٍ، حتى في احلك الظروف.

المستقبل مجهول

المدينة تتنفس ببطء، تحاول ان تنهض من ركام الحرب.. لكن التحديات لا تزال قائمة، والمعاناة مستمرة.. بينما يترقب الجميع، تظل الخرطوم تحاول ان تجد طريقها نحو المستقبل، نحو حياة أكثر استقرارا، نحو حلم الغد الذي يلوح في الأفق، لكنه لا يزال بعيد المنال.. هذا التوازن، بين الألم والأمل، هو ما يميز الخرطوم اليوم.. مدينة تصارع، تصمد وتحلم، ولكن سرعان ما تبددت الآمال الوردية أمام وطأة الواقع المرير، حيث يعاني المواطنون في شرق النيل من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وأزمات متكررة، وتدهور في الخدمات الأساسية.. ففي ظل غياب الكهرباء وشح المياه، تمتد طوابير الانتظار امام محطات الوقود، بدأت ملامح أزمة الوقود تتكشف بوصفها واحدة من أبرز التحديات اليومية التى تواجه المواطنين.

وتعد ازمة الوقود الحالية أحد ابرز تجليات التوترات السياسية والاقتصادية المعقدة التي يشهدها الداخل السوداني، صراع الوزارة مع شركات القطاع الخاص، وكذلك الحرب التي تشهدها المنطقة، والتي طالت بدورها السودان، فالحرب الاقتصادية غير المعلنة بين القوى الإقليمية والدولية ألقت بظلالها على قطاع الوقود مسببه شحا في الإمدادات وارتفاعا في الأسعار.

تذبذب الإمدادات

في محطة وقود تعج بالانتظار وانفاس المنتظرين تعلو وتهبط، التقت (العودة) بمعتز، سائق ركشة، اوضح ان تذبذب عمل الطلمبات بين التشغيل والتوقف اسهم في خلق أزمة حقيقية في توفر الوقود، وأضاف معتز أن هذا الوضع أدى إلى ارتفاع اسعار الوقود بصورة ملحوظة، مما أثر سلبا علي حياة المواطنين، وطالب الجهات المختصة بالتدخل العاجل لتوفير الوقود، مراعاة للظروف العامة الصعبة التي يعيشونها.

وفي محطة حي الهدى بشرق النيل، أكد أبو علامة عبدالله، سائق ركشة آخر، على تفاقم الأزمة، لافتا الى ان شح الوقود دفع العديد من السائقين إلى التنقل بين المناطق بحثا عنه، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية التى يكابدونها. وشدد أبو علامة على اهمية إيجاد حلول جذرية تسهم في استقرار خدمات المواصلات، لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين، مؤكدا على ضرورة معالجة هذه الأزمةفي أسرع وقت ممكن لتخفيف وطأة المعاناة على الجميع

صعوبات كبيرة

وفي السوق المركزي بالخرطوم، أشار عبدالله، صاحب مركبة، إلى صعوبات كبيرة في الحصول على الوقود.. ذكر ان أسعار الوقود مرتفعة، وأعرب عن قلقه من عودة طوابير الانتظار وتفاقم الأزمة في الأيام القادمة.

وفي جنوب الحزام هناك امير الحاج أحمد ، سائق ركشة، قال أن اسعار الوقود وصلت الى مستوى صعب التحمل.. أوضح أن سعر جالون البنزين وصل إلى 22 الف جنيه ، وهو مبلغ يفوق قدرة الكثير من اصحاب المركبات.. واشار ايضا إلى ان نقص الوقود في محطات البنزين يزيد من تعقيد الأزمة.. طالب بخفض الأسعار وتوفير الوقود لتلبية احتياجاتهم اليومية .

تداعيات سياسية واقتصادية:

بحسب خبراء اقتصاديون لا يمكن فصل أزمة الوقود في السودان عن التحديات الاقتصادية التى تواجه البلاد.. بجانب خلل السياسات المضطربة ما بين التحرير الكاملة السلع وسياسة الاغلاق، فبعد انفصال الجنوب عن السودان الشمالي في عام 2011, فقد السودان ما يقرب من 70% من انتاجه النفطي، مما زاد من اعتماده على الاستيراد لتلبية احتياجاته من المشتقات البترولية .ومع اندلاع الصراعات المسلحة وتصاعدت حدة التوتر السياسي، تعطلت العديد من مرافق إنتاج النفط ومصافي التكرير،مما فاقم من حدة الأزمة.

ويعتمد السودان بشكل كبير على استيراد الوقود من الخارج،الأمر الذي يجعله عرض لتقلبات الأسعار العالمية وتعقيدات سلاسل الإمداد.

كما ان العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تعيق قدرة البلاد على الحصول على الوقود وتأمين احتياجاتهم بشكل منتظم.

معاناة المواطنين

تلقي ازمة الوقود بظلالها على مختلف جوانب الحياة في الخرطوم.. فقد تسبب نقص الوقود في ارتفاع تكاليف النقل وتأخر وصول المواطنين إلى اعمالهم ومدارسهم.. كما تأثرت حركة التجارة والأنشطة الاقتصادية، مما زاد معاناة المواطنين وتدهور مستوى معيشتهم.

بانتظار الحلول

تعكس هذه الشهادات معاناة المواطنين في شرق النيل وجنوب الخرطوم وهي مناطق مأهولة بالسكان، تؤكد على الحاجة الماسةإلى تدخل عاجل وفعال من قبل الجهات المختصة لمعالجة أزمة الوقود.. فالوضع الراهن يهدد بتعطيل الحياة العامة، ويضع المواطنين في مواجهة تحديات متزايدة، مما يتطلب تضافر الجهود لإيجاد حلول مستدامة تضمن توفير الوقود بأسعار معقولة ،وتخفيف العبء على كاهل المواطنين.

ويطالب المواطنون الحكومة بالتحرك العاجل لإيجاد حلول جذرية الوقود. وتشمل هذه الحلول: تأمين إمدادات الوقود ،من خلال تنويع مصادر الاستيراد وعقد اتفاقيات طويلة الأجل مع الدول الموردة.دعم قطاع النفط من خلال اعادة تأهيل مرافق الإنتاج والتكرير وتعزيز القدرات المحلية . مكافحة التهريب والفساد :لضمان وصول الوقود الى المستحقين والقضاء على الممارسات غير المشروعة التى تفاقم الأزمة، تخفيف الأعباء على المواطنين : من خلال اتخاذ إجراءات لتخفيف تأثير ارتفاع أسعار الوقود على تكاليف المعيشة.

مع ذلك تظل ازمة الوقود في الخرطوم جرس إنذار يدق ناقوس الخطر، منذرا بعواقب وخيمة على الإقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى