عدالة الحرب .. عفوٌ للمنشقين… وإعدامٌ للمدنيين:

العدالة في السودان بين مسارين متناقضين

في السودان تتشكل صورة متناقضة يصعب تجاهلها على جانب تعود قيادات وعناصر منشقة من ميليشيا الدعم السريع تُفتح لها الأبواب وتُستقبل ويجري دمجها في صفوف القوات المسلحة دون محاسبة ظاهرة. وعلى جانبٍ آخر يقف مدنيون أمام المحاكم بتهم “التعاون” مع الميليشيا نفسها لتُوقَّع بحقهم عقوبات قاسية تتراوح بين السجن المؤبد والإعدام شنقًا.

بين هذين المشهدين، تتسلل أسئلة لا يمكن تجاوزها كيف يُوزن الفعل ذاته بمعيارين مختلفين؟ وهل ما يجري انعكاس لطبيعة الحرب وتعقيداتها أم أن ميزان العدالة نفسه بات محل اختبار؟

وضعت صحيفة “العودة” هذه القضية أمام عدد من المختصين، من القانونيين والخبراء العسكريين والاستراتيجيين، في محاولة لفهم هذا التباين، وتفكيك أسبابه، والوقوف على حدوده بين ما تفرضه ضرورات الميدان وما يقتضيه القانون.

 

– محامي : «يجوز العفو في جرائم أمن الدولة إذا لم تمس حقًا خاصًا بعينه»

– آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام في السودان سُجل في أكتوبر 2018

– «لا يجوز للحاكم التنازل إذا ترتب ضرر مباشر على فرد محدد»

– خبير عسكري : «استيعاب المنشقين أداة لتفكيك الخصم من الداخل»

– وكيل نيابة : «النيابة خصم شريف… وغير معنية بقرارات القائد العام»

– «النيابة لا تأخذ بعامل الإكراه… وتقييمه من صلاحيات المحكمة»

– «المراجعة عبر المحكمة الدستورية ضمان لعدالة الأحكام»

– مقاومة الفاشر : «كيف يُستقبل بعض المنتمين للمليشيا بينما يُدان آخرون بأقصى العقوبات؟»

 

تقرير : نشوة أحمد الطيب 

جرائم الدولة

قال المحامي و المستشار القانوني مجاهد عثمان عمر في حديثه لصحيفة “العودة” إن الجرائم الموجهة ضد الدولة، سواء تمثلت في إثارة الحرب ضدها أو تقويض النظام الدستوري أو حتى الانخراط في منظمات الإجرام والإرهاب، تُعد في أصلها جرائم ذات طابع قانوني وفلسفي يهدف إلى حماية الكيان السياسي القائم، وهي من الجرائم المستحدثة المرتبطة بالحق العام وذات طبيعة تجريمية وضعية. وأوضح أن هذه الجرائم قد تتداخل في بعض الحالات مع جرائم الحرابة والنهب، تبعًا لطبيعة الفعل المرتكب، خصوصًا في وقائع القتل التي تقع في حق المدنيين، مشيرًا إلى أنها مجرّمة كذلك في القانون الجنائي السوداني المحلي وفي القانون الدولي.

حق العفو

وأضاف أن هذا النوع من الجرائم، إذا لم يرتبط باعتداء مباشر على حق خاص من حقوق العباد أو على شخص بعينه معلوم، فإنه يجوز العفو فيه أو التنازل عنه من قبل الحاكم. لكنه أوضح أنه في حال ثبوت ضرر مباشر على فرد محدد، ينشأ حينها حق التقاضي لصالح المتضرر، ولا يجوز في هذه الحالة للحاكم إصدار عفو أو التنازل عن الحق العام بما يمس حق الفرد. وخلص إلى أن جرائم أمن الدولة يمكن أن تكون محل عفو من السلطة في حال عدم ثبوت اعتداء مباشر على أشخاص محددين.

المتعاونون

وفي ما يتعلق بالمواطنين الذين ثبت تعاونهم مع قوات الدعم السريع، أوضح مجاهد عثمان أن الأصل القانوني يجيز أيضًا العفو والتنازل متى ما لم يرتبط الفعل بحق مباشر لمواطن بعينه أو بضرر شخصي واضح ومحدد، مشيرًا إلى أن تقدير ذلك يخضع لطبيعة الوقائع وملابساتها.

تشابك النزاع

وتناول المحامي حالة التشابك في وقائع الحرب، موضحًا أن طبيعة النزاعات المسلحة قد تفرز حالات استثنائية معقدة، قد يظهر فيها بعض الأفراد ضمن صفوف التمرد بينما تكون تحركاتهم مرتبطة بتنسيق استخباراتي أو عمل منظم من قبل أجهزة الدولة أو قياداتها. وفي هذه الحالة، بحسب قوله، يُعامل الشخص العائد في حكم الجندي التابع للقوات المسلحة، وهو ما يفسر حالات اللبس لدى الرأي العام، ويُدرج ضمن ما يُعرف بحروب الجيل الثالث، التي تشمل استقطاب أو شراء ولاءات بعض القيادات أو استخدام عناصر عميلة داخل مسرح العمليات.

دور النيابة

وأشار إلى أن جميع هذه البلاغات تُفتح أمام النيابة العامة باعتبارها الجهة المختصة بتوجيه الاتهام، إلا أن القانون يتيح للنائب العام سلطة سحب بعض البلاغات إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وهي مصلحة تقديرية ترتبط بالدولة وظروف إدارة الحرب وسيرها.

مبدأ المساواة

وأكد أنه من حيث المبدأ القانوني العام، يجب ألا يكون هناك تمييز بين المتهمين، وأن كل فعل مجرّم ينبغي أن يُطبق على الجميع دون تفريق بين مدني أو جندي أو مقاتل يحمل السلاح في صفوف الميليشيا، بما ينسجم مع مبدأ المساواة أمام القانون.

العفو بعد الحكم

وفي ما يخص المتعاونين، أوضح أن الحالات التي لا تتضمن أخذ مال مباشر أو قتل شخص محدد أو ارتكاب فعل مباشر ضد أشخاص معلومين، يجوز فيها قانونًا التقدم بطلب عفو إلى رئيس الدولة حتى بعد صدور الأحكام، وذلك عبر طلب إسقاط العقوبة في مرحلة لاحقة بعد الإدانة.

أحكام الإعدام

وفي ما يتعلق بأحكام الإعدام، أشار إلى أنها تحتاج إلى تصديق وتعضيد من المحكمة الدستورية لتصبح نافذة، لافتًا إلى أن السودان لا يملك محكمة دستورية منذ أبريل 2019، وهو ما أدى عمليًا إلى تعطل مسار تنفيذ هذه الأحكام.

وبحسب إفادته، فإن آخر تنفيذ لعقوبة الإعدام في السودان سُجل في أكتوبر 2018، ومنذ أبريل 2019 لم تُنفّذ أي أحكام إعدام، أي خلال نحو ست إلى سبع سنوات، رغم صدور أحكام في عدد من القضايا الجسيمة.

توقف التنفيذ

وأوضح أن هذا التوقف شمل فعليًا جميع الجرائم التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، بما في ذلك جرائم القتل العمد، والاغتصاب، وبعض الجرائم ذات الطابع الحدّي أو الجرائم الجسيمة الأخرى، إضافة إلى بعض صور الجرائم المرتبطة بالعنف الشديد أو الاعتداءات الخطيرة، مشيرًا إلى أن الأحكام ظلت تصدر دون تنفيذ فعلي خلال هذه الفترة.

خلل المنظومة

وختم بالإشارة إلى أن هذا الوضع خلق حالة من الاختلال في المنظومة العدلية، حيث تصدر أحكام قضائية في قضايا بالغة الخطورة دون اكتمال آليات التنفيذ، الأمر الذي يعكس – بحسب وصفه – حالة من التعطّل القانوني المؤثر على فعالية النظام العقابي في البلاد خلال السنوات الأخيرة.

مفارقة العدالة

يرى العميد الركن د. جمال الشهيد، الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن المشهد السوداني الراهن لم يعد يُختزل في كونه مواجهة عسكرية تقليدية، بل أصبح حالة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقانونية والاستراتيجية، الأمر الذي يفرض تساؤلات عميقة حول كيفية تعامل الدولة مع الفئات المرتبطة بالنزاع بدرجات متفاوتة، سواء عبر القتال المباشر أو عبر أشكال الدعم والارتباط غير المباشر.

ويضيف أن أحد أبرز ملامح هذا التعقيد يتمثل فيما وصفه بـ“مفارقة العدالة في زمن الحرب”، حيث يظهر – بحسب تعبيره – تباين في المعايير بين التعامل مع “المقاتل” و“المواطن”، رغم ارتباطهما بدرجات مختلفة بالفعل ذاته، إلا أن هذا التباين يعكس في جوهره تدرجًا في المسؤولية أكثر من كونه ازدواجًا في المعايير، إذ يخضع المقاتل في الغالب لقوانين الحرب والتدابير الاستثنائية، بينما يُفترض أن يخضع المواطن للقواعد الجنائية والإجراءات العدلية التقليدية، لتتشكل بينهما مساحة رمادية تفرضها طبيعة الصراع وتعقيداته.

استيعاب المنشقين

وعلى المستوى العسكري، يشير الشهيد إلى أن استيعاب المنشقين يُعد أداة من أدوات إدارة الصراع، إذ يمكن أن يسهم في إضعاف الخصم من الداخل، ويوفر في الوقت نفسه معلومات ميدانية وخبرات قتالية قابلة للاستثمار في العمليات العسكرية، غير أن هذه المكاسب، بحسب قوله، لا تخلو من كلفة، إذ تفرض تحديات تتعلق بالانضباط، وسلامة البنية القيادية، واحتمالات الاختراق الأمني، ما يستوجب إخضاع هذه العملية لمراحل دقيقة تشمل التحقق وإعادة التأهيل والمتابعة المستمرة.

البعد الاستراتيجي

ويؤكد أن الترحيب بالمنشقين لا يقتصر على بعده العسكري المباشر، بل يمتد إلى مستوى استراتيجي أوسع، حيث يُستخدم كأداة لتفكيك بنية الخصم من الداخل، وتشجيع المزيد من الانشقاقات، إلى جانب توجيه رسائل نفسية تؤثر على تماسك الطرف الآخر، وهو ما يجعل من “فتح باب العودة” جزءًا من أدوات الضغط غير المباشر في الصراع.

إشكالية الثقة

وفي ما يتعلق بمسألة الثقة في المنشقين، يرى أن هذا الملف من أكثر القضايا حساسية، موضحًا أن القرارات العسكرية لا تقوم على الثقة المطلقة، وإنما على مزيج من التقييم الأمني والمصلحة العملياتية، ضمن منظومة رقابة تهدف إلى تقليل المخاطر إلى أدنى حد ممكن.

المؤسسة العسكرية

ويضيف أن أثر هذه السياسات على تماسك المؤسسة العسكرية يعتمد بشكل مباشر على كيفية إدارة عملية الاستيعاب، حيث إن غياب المعايير الواضحة قد يثير إشكالات داخلية وتساؤلات حول الانضباط، بينما يمكن أن يتحول التطبيق المنظم والمدروس إلى عنصر تعزيز لقدرات المؤسسة بدل أن يكون عامل إضعاف لها.

تجارب سابقة

ويشير إلى أن استيعاب المنشقين ودمج الحركات المسلحة ليس ممارسة مستحدثة، بل له سوابق متعددة على المستويين الدولي والمحلي، مستشهدًا بتجارب في الجزائر والعراق وكولومبيا، التي شهدت نماذج مختلفة لدمج المقاتلين السابقين ضمن ترتيبات أمنية أو سياسية، وإن تفاوتت درجات النجاح فيها.

التجربة السودانية

وفي السياق السوداني، يلفت إلى عدد من التجارب ذات الدلالة، من بينها ما جرى في جنوب السودان قبل الانفصال، حيث تم التعامل مع انشقاقات داخل الحركة الشعبية، لا سيما انشقاق عام 1991، عبر استيعاب بعض الفصائل ضمن قوات مساندة، ما حقق مكاسب ميدانية آنية، لكنه أفرز لاحقًا تحديات تتعلق بتعدد مراكز القوة.

كما يشير إلى تجربة دارفور، حيث جرى استيعاب مجموعات مسلحة في فترات مختلفة ضمن ترتيبات ميدانية، ما أسهم في تحقيق توازنات سريعة، لكنه طرح إشكالات لاحقة تتعلق بإدارة السلاح والانضباط المؤسسي.

ويضيف أن العلاقة مع الحركة الشعبية/قطاع الشمال، بقيادة مالك عقار، مرت بمراحل تفاوض وتفاهمات أفضت إلى مقاربات تجاوزت الحل العسكري نحو إدماج سياسي وأمني أوسع، فيما جاء اتفاق جوبا للسلام عام 2020 ليشكل نموذجًا أكثر تنظيمًا عبر ترتيبات واضحة للدمج والتسريح وإعادة التأهيل، رغم التحديات التي واجهت التنفيذ على أرض الواقع.

الاستخبارات العسكرية 

كشف وكيل نيابة، فضّل عدم ذكر اسمه لدواعٍ مهنية، في حديثه لصحيفة “العودة”، أن النيابة تعتمد غالبًا في توجيه تهمة التعاون بناءً على تقارير الاستخبارات العسكرية في إطار الجرائم الموجهة ضد الدولة، وهي بينة أساسية لارتباطها بالتعاون والتعامل مع العدو بموجب الحق العام، كما تعتمد على شهادة الشهود المحايدين من سكان الأحياء، أو بعض المتهمين أيضًا إذا تعلق الأمر بالاشتراك الجنائي، والضامن الوحيد لقانونية عمل النيابة دائمًا هو اقتناع المحكمة بالبينات المقدمة من النيابة، فإذا لم تقتنع المحكمة بالبينات فلها حق تقييم البينة وإصدار حكمها العادل بالبراءة، وإذا اقتنعت فإنها ستوقع العقوبة المقررة قانونيًا.

الاجراءات الجنائية 

وأوضح أن القانون الجنائي لسنة 1991 حدد الأفعال وكل ما يستوجب التجريم في باب كامل هو باب الجرائم الموجهة ضد الدولة، والتي تبدأ من المادة (50) إلى المادة (62) نهاية الباب المخصص للجرائم الموجهة ضد الدولة.

وأضاف أنه لا يوجد في القانون مبرر، وإنما يوجد نص يعاقب، وأن المشرّع أرسى قاعدة قانونية في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 بأنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، فإذا لم يوجد نص قانوني مُجرِّم فلن تكون هناك عقوبة، أما بخصوص عقوبة الإعدام فقد نص المشرّع عليها صراحة، لذلك فإن المحكمة فقط تطبق النص طالما اقتنعت بارتكاب الشخص للجريمة.

التعاون بالإكراه 

وفي ما يتعلق بالتمييز بين التعاون الطوعي أو بالإكراه، أوضح أن ذلك يستند إلى الظروف والوقائع التي ارتُكبت فيها الأفعال الجنائية، وهو ما يخضع لتقييم المحكمة فقط باعتبارها الجهة المختصة بوزن البينات.

وأشار إلى أن النيابة لا تأخذ بعامل الإكراه، لأن تقييم الإكراه من عدمه من صلاحيات المحكمة.

وأضاف أن النيابة ملزمة قانونًا بتوفير كل ضمانات المحاكمة العادلة، باعتبارها الجهة التي ترفع البلاغ للمحكمة، ولذلك يفرض عليها القانون ضرورة التحري الدقيق، وتوفير فرص الدفاع للمتهمين، وسماع شهودهم، وقبول مستنداتهم الدفاعية، وتضمين كل طلباتهم في محضر التحري، والفصل في طلبات الاستئناف المقدمة من المتهمين أو من يمثلهم.

الخصم الشريف”

وأوضح أن النيابة لا ترحب بعودة عسكري أو عدمه، لأنها “الخصم الشريف” وغير معنية بقرارات القائد العام، باعتبار أن هذه القرارات تخص المؤسسة العسكرية ضمن قيادتها للعملية العسكرية، وأن العفو يكون فقط في المواد التي يحكمها القانون العسكري.

وأكد أن النيابة ملزمة فقط بتقييد البلاغات وقبول الشكاوى من المواطنين في أي حق يطالبون به.

وأشار إلى أن المساواة أمام القانون يكفلها القانون، وضوابط المحاكمة العادلة توفرها المحكمة، لأنها تقف بين الخصوم بالتساوي بين النيابة والمتهمين.

وأضاف أن هناك مراجعة للأحكام عبر المحكمة الدستورية لضمان أن المحاكمة كانت عادلة، وذلك فقط بموجب تقديم طلب من المتهمين أو من يمثلهم.

وفي ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، أوضح أنها لا تكون إلا بموافقة أصحاب الحق الخاص، وبموافقتهم باعتبارها حقًا خاصًا.

وختم بأن هذه الملفات بعد انتهاء الحرب ستنشط، لأن القانون دائمًا يكون في حالة الاستقرار، وأن صمت البنادق يعني انطلاق عملية استرداد الحقوق.

سياق الموقف

في خضم الجدل المتصاعد حول معايير العدالة في التعامل مع المتهمين بالتعاون مع المليشيا، وتزامنًا مع سياسات استيعاب بعض المنشقين والترحيب بهم، برزت مواقف من قوى مدنية تطرح تساؤلات حول اتساق الإجراءات العدلية مع التحولات الجارية على الأرض.

وفي هذا السياق، أوضحت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر موقفها عبر منشور على صفحتها بمنصة فيسبوك، دعت فيه إلى إبلاغ النيابة العامة بما وصفته بـ“تحولات جوهرية” طرأت على المشهد، معتبرة أن هذه المتغيرات قد لا تكون وُضعت في الاعتبار أو أنها مغيّبة عن تقديرات الجهات العدلية.

تساؤل العدالة

وأشارت التنسيقية إلى أن النيابة تمضي في توقيع أقصى العقوبات، بما في ذلك الإعدام شنقًا، بحق متهمين بالمشاركة مع المليشيا في مدينة كوستي، رغم ما وصفته بتبدّل المعطيات على نحو لافت، متسائلة عن مبررات معاقبة أفراد بأشد الأحكام في وقت تُقدَّم فيه قيادات من ذات المليشيا – التي ارتبط بها هؤلاء – بصورة مغايرة، حيث يتم استقبالهم وتكريمهم ومنحهم ألقابًا بطولية.

مفارقة المشهد

واعتبرت أن هذا التباين يطرح إشكالًا في ميزان العدالة، ويستدعي مراجعة أوسع لطبيعة التعامل مع الملفات المرتبطة بالنزاع، في ظل ما وصفته بازدواجية في المعايير بين من يُحاكم ومن يُستوعب ضمن المشهد الجديد.

أبواب “العودة” 

و بين مسارٍ يفتح أبواب العودة أمام من انشقوا عن ميليشيا الدعم السريع ثم جرى استيعابهم داخل المؤسسة العسكرية، ومسارٍ قضائي يمضي في محاكمة مدنيين بتهم “التعاون” وصولًا إلى الإعدام أو السجن المؤبد، تتكشف ملامح مشهد عدلي شديد التعقيد في السودان.

الآراء التي عرضها هذا التقرير، من قانونيين وخبراء عسكريين واستراتيجيين، تلتقي عند أن ما يجري ليس مجرد تطبيقات قانونية صرفة، بل انعكاس مباشر لتشابك ضرورات الحرب مع منطق العدالة، وتباين أدوات التعامل مع الفاعلين داخل النزاع.

وبين من يرد الأمر إلى نصوص القانون وصلاحيات المحكمة، ومن يربطه بحسابات الميدان وإدارة الحرب، يبقى السؤال الأعمق قائمًا حول اتساق المعايير وحدود العدالة في زمن الحرب وما إذا كانت هذه الترتيبات ستصمد حين ينتقل المشهد من ساحة القتال إلى ساحة التقاضي الكامل بعد توقفه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى