الطاقة تنصف (العودة) وتؤكد وجود ازمة في قطاع البترول
خبير اقتصادي: من مصلحة الوزارة أن تُظهر بوضوح أن التخصيص قائم على تقييم موضوعي لا على توزيع حسابي

بين الروايتين.. من يدير ملف الوقود.. اللائحة أم الثقة ؟
البيان: (لوحظ ارتفاع كبير في إنشاء المحطات والمستودعات دون الالتزام بالضوابط)
التزمت الوزارة بالتوازن بين القطاعين العام والخاص بنسبة استيراد 50٪ لكل منهما
حرصنا على إشراك القطاع الخاص في عملية التأهيل وفق أوزان الشركات العاملة في المجال
تقوم الوزارة بإشراف الوزير بتأهيل المستوردين وفق المعايير التي تم الاتفاق عليها
عند الانتهاء من عملية التأهيل ستعلن الوزارة الشركات ومجموعاتها المتفق عليها
تقرير: (العودة)
سارعت وزارة الطاقة والنفط إلى إصدار بيان توضيحي للرأي العام، ردا على ما ورد في صحيفة (العودة) اول امس، عن وجود أزمة في قطاع البترول بين الوزارة والمستوردين من القطاع الخاص، حيث شرح التقرير الذي تم إعداده بناء على معلومات صحيحة ودقيقة، اسباب الأزمة التي لم تبتعد كثيرا عن سياسات الوزارة التي ثبتت ما تناوله التقرير ولم تنفه، كما ارادت.
في السطور التالية نستعرض أهم الجوانب التي تناولها بيان الوزارة التوضيحي وقد جاءت متناسقة تماما مع ما تناوله تقرير (العودة)..
بيان الوزارة
جاء في البيان الصادر بتوقيع إدارة الإعلام بوزارة الطاقة والنفط الآتي: (درجت بعض الدوائر على لي عنق الحقيقة وإطلاق اعيرتها التي نادراً ما تصيب ، واثارة البلبلة واللغط من دون هدي ولا أمر رشيد ، لذا وجب التوضيح الاتي: تقوم وزارة الطاقة والنفط بأمر مباشر من السيد الوزير وإشراف الطاقم المختص بتأهيل مستوردي المواد البترولية وفق المعايير التي تم الإتفاق عليها، بعد ان عُرضت على جميع المستوردين ، وتم إعدادها بمهنية عالية بواسطة لجنة كونت لذلك الغرض، وبمشاركة فاعلة كافة أجهزة الدولة ، بما في ذلك الأجهزة الأمنية ، الاقتصادية والمالية، والإدارات الفنية بالوزارة، إضافة إلى إدارتي الإمدادات والمنشآت النفطية.. وقد التزمت الوزارة بالقاعدة التي تحقق التوازن بين القطاعين العام والخاص، حيث تم تحديد نسبة الاستيراد بواقع (50%) لكلٍ منهما، و ذلك تأكيدًا لمبدأ الشراكة وتحقيقاً للعدالة وضمانًا لاستدامة الإمدادات وإنسيابها بسلاسة وفق الاحتياجات.
إن سلعة النفط والمواد البترولية سلعة استراتيجية وحساسة، لا تحتمل أي إخلال في المواقيت أو الكميات، الأمر الذي يستوجب إدارتها بحكمة وعناية ، والالتزام الصارم باللوائح والقوانين والتعليمات والمعايير الفنية والمواصفات المعتمدة.. وقد لوحظ في الفترة الأخيرة ارتفاع كبير في إنشاء المحطات والمستودعات من قبل بعض الجهات دون الالتزام الكامل بالضوابط المنظمة للقطاع ولا المعايير المتبعة، والتي تشرف على تطبيقها إدارة المنشآت النفطية بالتنسيق مع إدارات البترول بالولايات.. وتضطلع هذه الإدارة بمهام التفتيش الدوري، وضبط الجودة، ومنع الإسراف العددي أو التقصير، وفقاً للخريطة الولائية للاحتياجات، ذلك إلى جانب ضمان انسياب الإمدادات لجميع القطاعات بسلاسة، وبأسعار مناسبة، ووفق اشتراطات السلامة والأمان.. وتؤكد الوزارة أن القطاع الخاص شريك أصيل في المنظومة البترولية من استيراد وتوزيع وبيع، ولذلك حرصت على إشراكه في عملية التأهيل وفق أوزان الشركات العاملة في المجال، وبما يتناسب مع قدراتها الفنية والمالية وخبراتها وتاريخها في القطاع، بل ومنحت بعض الشركات فترات سماح لتوفيق أوضاعها دعمًا للاستقرار واستمرارية النشاط وتحقيقاً للمرونة وتساوي الفرص.. وتعي الوزارة دورها المنوط بها تماماً بكل مسئولية واقتدار وتسعى دائمًا لتحقيق ما فيه مصلحة البلاد، والحفاظ على استقرارها الاقتصادي، عبر إدارة هذا الملف بحكمة، والالتزام بلوائح وقوانين الدولة، والعمل الجاد لضمان التأهيل العادل وفق معايير واضحة ومعلنة.. ويتم التدخل الفوري لمعالجة أي إخلال أو تفريط حفاظًا على استقرار السوق.
إن وفرة المواد البترولية تمثل أحد أهم مؤشرات الأداء الاقتصادي للدولة، ومسؤولية وطنية تتطلب التعاون والانضباط والشراكة الحقيقية بين جميع الأطراف ولذا يدار هذا الملف بكل عناية وعلى أعلى مستويات القيادة في الوزارة.
عند الانتهاء من عملية التأهيل ستعلن الوزارة الشركات ومجموعاتها المتفق عليها، كما ستعلن البرمجة وفق ايام التحميل (laycan) المتاحة.
تقرير (العودة)
لخدمة أغراض التوضيح الكامل، لمن فاتتهم المتابعة، نستصحب التقرير الذي أعدته (العودة) كما نشر في إعدادنا الفائتة: (تحصلت (العودة) على تفاصيل دقيقة عن الخلافات العاصفة التي ضربت قطاع النفط والبترول بالسودان، في السنوات الاخيرة، حيث بدأت الأزمة مبكرا عندما قررت وزارة الطاقة تقسيم استيراد المحروقات البترولية بين قطاعين، القطاع الحكومي الذي يضم حوالي (5) شركات أبرزها شركة النيل للبترول، والقطاع الخاص الذي يضم أكثر من (40) اسم عمل ما بين شركات راسخة في المجال، وأخرى دخلت الى قطاع الاستيراد مؤخرا بتأهيل من الدولة دون أي مبررات للخطوة المفاجئة.
قرار الوزارة
اطلت الأزمة برأسها يوم أن أصدرت وزارة الطاقة لائحة لاستيراد المشتقات البترولية دون أن تضع شروطا محددة.. وترى شركات القطاع الخاص ان اللائحة مجحفة وأضرت بالشركات الخاصة، الوزارة رهنت حاجة البلاد للبترول في حدود 80 باخرة في العام يتم استيرادها مناصفة بين الشركات الحكومية والشركات الخاصة، بواقع أربعين باخرة لكل قطاع، ولكن الأزمة ازدادت تعقيدا بسبب عدم اتفاق الشركات الخاصة فيما بينها، حيث يرى بعضها أن القرار ساوى بين الشركات الكبيرة والاخرى الصغيرة غير المؤهلة على حد السواء مع اقتراح توزيع ال40 شركة إلى ثماني مجموعات، حيث تضم كل مجموعة (5) شركات، تتبارى فيما بينها في عملية الاستيراد بالتساوي بغض النظر عن المؤهلات والقدرات، علما بأن بعض الشركات اعترضت على المقترح وبقيت حوالي (30) شركة جاهزة لتنفيذ قرار الوزارة.. فكانت المفاجأة في أن الوزارة اشترطت اتفاق الشركات مجتمعة مما فاقم من الأزمة التي انسحبت تلقائيا على تدفقات الوقود في المحطات البترولية، وذلك ينذر بأزمة وقود قادمة وسط تلكؤ من الوزارة التي وقف وزيرها المهندس مستشار معتصم ابراهيم احمد حائرا أمام الحل.. يجدر ذكره أن شركات القطاع الخاص طالبت الحكومة التمسك بقانون الاستثمار الذي حرر استيراد السلع الاستهلاكية بما فيها الوقود، حيث سمح القانون لكل المستثمرين بالاستيراد في إطار السوق الحر، مما يعني أن وزارة الطاقة، وهي الجهة الفنية المعنية بالمواصفة والتنظيم، قد خالفت القانون لصالح اللائحة).
الانصاف وتثبيت المعلومات
انتهى البيان وتقرير الصحيفة، على ضوء المعلومات التي تبرعت بها الوزارة، تم انصاف (العودة) حيث والتأكيد الخفي على وجود أزمة بين القطاع الخاص والوزارة التي ظلت تماطل على حسب إفادات بعض المستوردين في تنفيذ الاتفاق.
من المسؤول من الملاحظة ؟
ذكر البيان أنه قد لوحظ في الفترة الأخيرة ارتفاع كبير في إنشاء المحطات والمستودعات دون الالتزام بالضوابط.. وهذه إفادة خطيرة تُجرم الوزارة لأن الوضع السليم هو الحصول على التصديقات اللازمة واتباع الخطوات السليمة قبل الشروع في بناء المشروع (المستودع) أو المحطة البترولية وكأن الوزارة أرادت بهذا أن تقول إن القطاع يدار بعشوائية تمكن أصحاب المصلحة من تشييد ما يريدون على ان تتم عملية الإجازة لاحقا وهذا وضع لا يستقيم.
التوازن بين العام والخاص
ذكرت الوزارة في بيانها أنها (التزمت بالتوازن بين القطاعين العام والخاص بنسبة استيراد 50٪ لكل منهما) وهذا عين ما قطعت به الصحيفة في التقرير، ولكن للاسف لم تقدم الوزارة اي معلومة عن نسبة تنفيذها لهذا التوازن وهي التي أقرت لاحقا بأنها تقوم بإشراف من الوزير شخصيا بتأهيل المستوردين وفق المعايير التي تم الاتفاق عليها
واضافت: (عند الانتهاء من عملية التأهيل ستعلن الوزارة الشركات ومجموعاتها المتفق عليها) مما يعني أن تنفيذ الاتفاق لم يتم والأمور برمتها مازالت في محطة المماطلة لصالح جهات أخرى تستطيع الحصول على تصاديق الاستيراد دون انتظار عمليات تأهيل الوزارة للمستوردين، لأن هذه الجهات تدرك تماما بأن ما يجري مجرد تسويف والوزارة نفسها تعلم بالاتفاقيات التي تتم ما بين القطاعين ومن هو القطاع المؤهل وغير المؤهل ما بين العام والخاص.
هل اهلت الوزارة مستودعاتها ؟
الغريب في أمر وزارة الطاقة والنفط أنها وقفت عاجزة حتى الآن عن تغيير الواقع في المستودعات الخاصة بها بعد أن تعرضت للتخريب بالمسيرات.. سواء في بورتسودان أو الخرطوم.. فمازالت اثار الحريق والدمار في مكانها ولم تجر الوزارة حتى عمليات النظافة لإزالة آثار الحرائق.. فلا ندري من هو الذي يؤهل من.. ؟
بين الروايتين… من يدير ملف الوقود: اللائحة أم الثقة ؟
(العودة) استطلعت الخبير الاقتصادي الدكتور عبد العزيز الزبير باشا الذي أدلى بدلوه في القضية محل الجدل فقال: في قطاعٍ بحساسية قطاع الوقود، لا تكفي القرارات الفنية وحدها، ولا تكفي البيانات المطمئنة وحدها. لأن القضية هنا لا تتعلق فقط بباخرة تُحمّل أو شحنة تتأخر، بل بثقة السوق، واستقرار الإمداد، وهيبة المنظم.. في الأيام الأخيرة برز تباين واضح بين ما نُشر حول خلافات في قطاع الاستيراد، وما صدر لاحقاً في بيان رسمي من الوزارة. التباين لا يتمحور حول النوايا، بل حول ثلاث نقاط جوهرية تمس تصميم الآلية نفسها وإدارتها.. أولاً: المعايير… هل كانت واضحة أم مُربكة؟ الرواية الأولى توحي بأن لائحة الاستيراد صدرت دون شروط محددة، أو على الأقل دون وضوح كافٍ يطمئن القطاع الخاص.. في المقابل، تؤكد الوزارة أن عملية التأهيل تمت وفق معايير متفق عليها، أُعدّت بواسطة لجنة مختصة وبمشاركة جهات الدولة ذات الصلة.. والمشكلة هنا ليست في وجود معايير من عدمه، بل في مستوى وضوحها وشفافيتها.
في سوقٍ استراتيجي، لا يكفي أن تكون المعايير موجودة داخل الملفات الإدارية؛ يجب أن تكون مفهومة، معلنة، قابلة للقياس، ومحصّنة من التأويل.. غياب الوضوح يولد الشك.. والشك في قطاع الوقود يولد القلق في السوق قبل أن يولد أزمة في المحطات.
ثانياً: مساواة عددية أم تقييم تفاضلي؟ هنا يكمن لبّ المسألة.. إذا كانت الآلية قد قامت على تقسيم الشركات إلى مجموعات متساوية الحصص بغض النظر عن الفوارق في الملاءة والخبرة، فهذا يثير تساؤلات حول كفاءة التصميم.. أما إذا كانت المشاركة مبنية فعلاً على “أوزان الشركات” وقدراتها الفنية والمالية، كما تقول الوزارة، فذلك يعني أن الحديث عن مساواة ميكانيكية لا يعكس الصورة كاملة.. لا يمكن للنموذجين أن يكونا صحيحين في الوقت ذاته.. في قطاع يعتمد على التمويل الضخم، وخطابات الاعتماد، وسرعة الشحن، لا تستقيم المساواة الشكلية.. القدرة هي التي تحكم، لا العدد.. وهنا يصبح من مصلحة الوزارة نفسها أن تُظهر بوضوح أن التخصيص قائم على تقييم موضوعي لا على توزيع حسابي.
ثالثاً: هل هناك تعثر فعلي أم أن الأمور تحت السيطرة؟ الرواية الإعلامية تحذر من أزمة وقود قادمة بسبب تعقيدات داخلية.. والبيان الرسمي يؤكد أن الإمدادات تُدار بعناية وأن التدخل يتم فوراً عند أي إخلال.. إذن الفارق هنا ليس تقنياً، بل نفسي واقتصادي.. سوق الوقود يتأثر بالإشاعة قبل أن يتأثر بالنقص الفعلي.. إذا اعتقد المستهلك أو الموزع أن الإمداد سيتعثر، يبدأ التخزين، فيتحول الخوف إلى أزمة ذاتية الصنع.. لهذا فإن إدارة السردية ليست ترفاً إعلامياً، بل جزء من إدارة الإمداد نفسه.

أبعد من الخلاف… مسألة ثقة
وواصل الدكتور باشا تعليقا وتمحيصا بقوله: سواء كان المقال دقيقاً بالكامل أو كان البيان هو الصورة الأقرب للحقيقة، فإن النتيجة واحدة: هناك فجوة ثقة.. ثقة بين المنظم والقطاع الخاص.. وثقة بين الوزارة والرأي العام.. وفي قطاع الوقود، أزمة الثقة أخطر من نقص مؤقت في الكميات.. لأن الكميات يمكن تعويضها، أما الثقة فإذا اهتزت يصبح كل قرار محل شك، وكل إجراء محل تأويل.. الرسالة هنا ليست اتهاماً ولا دفاعاً.. بل تذكير بأن إدارة سلعة استراتيجية لا تقوم فقط على اللوائح، بل على وضوحها، وعدالتها المدركة، وقدرة مؤسسات الدولة على إقناع السوق بأنها تمسك بالدفة بثبات.. في مثل هذه الملفات، الشفافية ليست تنازلاً.. بل أداة قوة.. وكلما كان التصميم واضحاً، قلت الحاجة إلى البيانات التطمينية…



