الإجازات من غير مرتب في البنك الزراعي تثير ازمة

رئيس لجنة بالبنك: القرار يمثل خطوة ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى معالجة الترهل الوظيفي
النقابة: يخالف تمامًا مبادئ الرحمة والتعاطف والمسؤولية
خبير اقتصادي: اتجاه للتخلص منهم دون تحمل أعباء مادية
الناير: يوجد ترهل كبير في عدد العاملين وهو سمة ملازمة للخدمة المدنية في السودان
في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، أعلن البنك الزراعي السوداني عن قراره بإصدار إجازات غير مدفوعة للعاملين غير المداومين، اعتبارًا من الأول من أبريل 2026. يأتي هذا القرار ضمن إطار برنامج إصلاحي يهدف إلى تعزيز دور البنك في تمويل القطاع الزراعي وترشيد النفقات. ومن جانبها، انتقدت النقابة العامة للعاملين بالبنك القرار، معتبرةً إياه تعسفيًا ومخالفًا لمبادئ العدالة، وحذرت من العواقب السلبية التي قد تؤدي إلى تشريد الأسر. في هذا السياق، أشار خبراء اقتصاديون إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل تأثيرات الحرب على الوضع الاقتصادي، واعتبروا القرار محاولة للتخلص من العاملين دون الالتزام بالقوانين،فهل يمثل هذا القرار خطوة نحو الإصلاح المنشود أم بداية لمأساة اجتماعية؟
تقرير – عماد النظبف

نص القرار
أصدر البنك الزراعي السوداني قراراً بمنح إجازات بدون مرتب للعاملين غير المداومين، وذلك اعتباراً من الأول من أبريل 2026. جاء هذا القرار في إطار جهود البنك لتطبيق برنامج إصلاحي يهدف إلى تعزيز دوره في تمويل القطاع الزراعي وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد وترشيد النفقات.
ووفقاً للقرار رقم 20 لسنة 2026، وجهت اللجنة الإدارية برئاسة مجلس الإدارة، أسامة عبد السلام، مدير البنك بتنفيذ هذا القرار و أكد رئيس اللجنة الإدارية، عادل التجاني، أن هذا القرار يمثل خطوة ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى معالجة الترهل الوظيفي في البنك. وأوضح التجاني أن اللجنة تسعى جاهدة لإيجاد حلول تعزز دور البنك المحوري في دعم القطاع الزراعي، مشيراً إلى أن هذه الحلول تشمل تطبيق نظام التقاعد الطوعي المبكر كأحد الخيارات التي تقدم حوافز للمتقاعدين.
وأشار التجاني إلى أن اللجنة،استناداً إلى خطابها الصادر بتاريخ 17 فبراير الحالي، ترى ضرورة تسريع خطوات برنامج الإصلاح لتحقيق الأهداف المحددة في الإطار الزمني المحدد.
ويأتي هذا القرار في وقت يواجه فيه البنك تحديات اقتصادية تستدعي اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق الاستقرار المالي وتعزيز كفاءة الأداء.

قرار جائر
اعتبرت نقابة العاملين في البنك الزراعي السوداني أن قرار اللجنة الإدارية رقم (11) يمثل تعسفًا ويخالف تمامًا مبادئ الرحمة والتعاطف والمسؤولية. كما ترفض النقابة هذا القرار بشكل قاطع، نظرًا لأنه يتعارض مع أسس العدالة ويتسبب في تشريد أسر العاملين. وأشارت النقابة إلى أن القرار جاء دون دراسة كافية في ظل الأوضاع المتأزمة التي تشهدها البلاد ومعاناة الموظفين. وفي هذا السياق، دعت النقابة العاملين في الفروع إلى عقد جمعيات عمومية طارئة لاتخاذ الخطوات المناسبة للوقوف ضد هذا القرار الجائر.

مخالفة صريحة
ولكن الخبير الاقتصادي “كمال كرار” وصف قرار البنك الزراعي الأخير تجاه ما سماهم بـ “العاملين غير المداومين” بأنه “اتجاه للتخلص منهم دون تحمل أعباء مادية، في مخالفة صريحة لأي قانون يحكم علاقات العمل والتوظيف”.
وأوضح “كرار” أن البنك يستغل الأوضاع الأقتصادية المتردية الناجمة عن الحرب لفرض هذا القرار “التعسفي”، مشيراً إلى استغلال غياب النقابات التي من المفترض أن تحمي حقوق العاملين.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن ما أقدم عليه البنك الزراعي ليس استثناءً، بل يمثل نموذجاً لما قامت به جهات حكومية وخاصة أخرى خلال سنوات الحرب، وسط “صمت رسمي” من السلطة. وأشار “كرار” إلى أن العديد من المؤسسات الخاصة والعامة، بما في ذلك البنوك، توقفت عن صرف الأجور والمعاشات للعاملين منذ بداية الحرب، مستغلة حالات النزوح والظروف القاهرة.
“والآن، يكملون سيناريو تشريد العاملين وفصلهم تحت مسميات الهيكلة أو الإجازة بدون مرتب”، يتابع “كرار”، مؤكداً أن هذه التصرفات تكشف إلى أي مدى عصفت الحرب بالقوانين والقوى العاملة ولوائح العمل.
وفيما يتعلق بالبنوك على وجه الخصوص، أعرب “كرار” عن قلقه إزاء “عدم الكشف عن مدى الخسائر التي لحقت بالمودعين والأصول ورأس المال جراء النهب الواسع لفروعها في مناطق الاشتباك”. وأشار إلى أن هذا الوضع يثير شكوكاً حول قدرة البنوك على الوفاء بمستحقات المودعين أو حملة الأسهم عموماً.
واختتم “كرار” تصريحه بالتأكيد على أن هذه الإجراءات “باطلة” وتستغل غياب الدولة وتدهور الأوضاع القانونية والأمنية. وطالب الجهات المعنية بالتحرك العاجل لحماية حقوق العاملين والمودعين، وإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي.

تأثيرات الحرب
و أوضح الخبير الاقتصادي محمد الناير أن الإجراءات التي اتخذها البنك الزراعي مؤخرًا لا ترتبط بشكل مباشر بعجز المصارف عن دفع الرواتب، بل تعود في الأساس إلى تأثيرات الحرب الدائرة على الوضع الاقتصادي.
أشار الناير إلى أن الحرب أثرت بشكل كبير على أداء البنك، مضيفًا أن الدولة استمرت في دعم العاملين بالبنك، حيث اعتمدت على 20% من القوة العاملة، وصرف رواتب أساسية بنسبة 70% إلى 80% تقريبًا، وذلك في القطاع العام بشكل عام. وأوضح أن البنك الزراعي، كونه بنكًا حكوميًا، يقع على عاتقه اتخاذ القرارات المناسبة في ظل هذه الظروف.
أكد الناير في تصريح لصحيفة العودة على وجود ترهل كبير في عدد العاملين، وهو سمة ملازمة للخدمة المدنية في السودان، وخاصة في البنوك الحكومية. وأشار إلى أن بنك السودان المركزي يتجه نحو هيكلة المصارف، من خلال رفع رؤوس أموالها، وتلك التي لا تستطيع رفع رؤوس أموالها، سيتم دمجها في مصارف أخرى.
توقع الناير أن تؤدي هذه الهيكلة إلى إنشاء كيانات مصرفية قوية، تمكن البنك الزراعي من تمويل الزراعة والأنشطة الزراعية بكفاءة أكبر. وأضاف أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذت تتعلق بإعادة تنظيم الفروع التي توقفت عن العمل بسبب الحرب، وتوقع تخفيض عدد الفروع أو إلغائها.
واقع الفروع بعد الحرب:
لفت الناير إلى أن الخرطوم وحدها كان بها حوالي 600 فرع للبنوك قبل الحرب، وأن عدد الفروع التي أعيد افتتاحها قليل جدًا. وأكد أنه من المؤكد أن أعداد الفروع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، مما سيؤدي إلى عدم الحاجة لعدد من العاملين، وبالتالي سيتم اتخاذ قرارات من قبل اللجنة الإدارية للبنك الزراعي في هذا الشأن.
أكد الناير على أهمية هذه الإجراءات في إعادة هيكلة البنك الزراعي ليصبح قادرًا على مواجهة التحديات الاقتصادية، وتعزيز دوره في دعم القطاع الزراعي الحيوي للاقتصاد السوداني وطالب بدراسة الامر بصورة علمية واتخد القرار الذي يحقق المصلحة للجميع.
فلاش باك
يتجلى دور البنك الزراعي السوداني كإحدى المؤسسات المالية الحكومية الهامة في دعم وتنمية القطاع الزراعي الذي يُعتبر أحد أبرز القطاعات الحيوية في السودان. تأسس هذا البنك عام 1957، ومنذ ذلك الحين أصبح ركيزة أساسية لدعم الأنشطة الزراعية في البلاد. من خلال توفير الدعم المالي والخدمات المصرفية المتنوعة، يسهم البنك بشكل كبير في تحقيق التنمية المستدامة في هذا القطاع، مما يعزز الأمن الغذائي في السودان، ويساهم في تحسين مستوى معيشة المزارعين والمجتمعات القروية على امتداد البلاد.



