خطاب كمبالا.. تفكيك النص في زمن الحرب..

بقلم: خالد ماسا
وعلى عكس نوعية الخطابات التي كثيرًا ما عُرضت كمقاطع مصورة قصيرة في زمنها، ومنسوبة في الغالب مكانيًا للمنطقة “X”، يقدم فيها محمد حمدان دقلو، قائد أول قوات الدعم السريع، رسائل الميدان لمقاتليه، يرفع روحهم المعنوية بالتحايا للقتلى والمصابين، وهو ينزئ بالزي العسكري ومحاطًا بترتيب أمني يتحكم في نقطتي الزمان والمكان، ظهر حميدتي هذه المرة في عنتيبي ٢٠ فبراير رفقة عدد من مناصريه في خطاب طويل لم يلتزم فيه، كعادته، بما هو مكتوب باجتهادات المستشارين.
(*) تفاصيل صغيرة.. دلالات أكبر..
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل ما جاء في خطاب القاعة المغلقة في كمبالا عن خطاب الميدان، وإن كانت كمبالا كمكان تحمل دلالات لا تنفصل عن منهجها المعروف تاريخيًا تجاه القضايا السودانية، وإن الخروج إليها من قبل حميدتي الآن بكامل عتاده السياسي يؤكد فرضية اختيار كمبالا لإعادة “التموضع” سياسيًا وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية لتدارك خسائر الميدان.
إشارة التعايشي لمسألة الزي الذي ارتداه قائده في كمبالا كانت رسالة تنبيه لرمزية القصد منها التأكيد على ما ذكره بعد ذلك حميدتي بضرورة أن يكون الحل والتفاوض بمزاج أفريقي، وخلق كفة على الأقل تعيد توازن العواصم الذي بات واضحًا تنافسه في الملف السوداني.
البروتوكول الذي اتبعته كمبالا في استقبال حميدتي يقول بأنها، بقدر من أنها لم تقطع عنه الوصال على الرغم من علمها أن الخرطوم لن تكون راضية عن فكرة الاستقبال هذه، فهي كذلك لم تمنحه كل ما أراد به أن يكسر به موجة الخسائر السياسية والدبلوماسية التي تلقاها مؤخرًا على الصعيدين الإقليمي والدولي برفض الاعتراف بحكومة أعلنها في نيالا تحت اسم “تأسيس”، وما حدث في البروتوكول أكملته “تغريدة” موسيفيني مخاطبًا إياه مجردًا من أي ألقاب قد تعطي أي دلالات اعتراف بهذه الحكومة ككيان موازٍ.
(*) قريبًا من متن الخطاب بعيدًا عن الهوامش..
وذلك لأن الخطاب، ونسبةً لطول مدته، كان قد احتوى على هوامش تكاد تكون “كليشيه” ثابتًا في كل خطابات الميدان أو الرسائل الصوتية، إلا أننا في هذا الخطاب لا يمكننا القفز فوق الرسائل التي وضعها في بريد المملكة العربية السعودية، وهي تحمل إشارتين: الأولى بأنه غير راضٍ عن اصطفافها إلى جانب الجيش وبيان خارجيتها الأخير الذي حمل إدانة مباشرة لقوات الدعم السريع بالاعتداء على قوافل المساعدات الإنسانية والمدنيين، والثانية تخص اصطفافه هو إلى جانب المعسكر المناوئ لتحالف يرى بأنه قد تخلّق بتحرك الأحداث الأمنية في البحر الأحمر، ويضم إلى جانب السودان المملكة العربية السعودية ومصر وإريتريا والصومال، ولا يفوت على أحد بأن هذا ليس موقفًا بالأصالة أكثر مما هو موقف بالإنابة عن تحالف آخر يبحث عن مصالحه في الإقليم.
الخطاب أيضًا كانت فيه محاولة لخلخلة الموقف في الإقليم عبر طلب الوساطة من IGAD والاتحاد الإفريقي، وسوء تقديره لما تستطيع أن تفعله هذه المنظمات منعه من معرفة بأن أقصى ما يمكن أن تقوم به هو ما جاء في القمة الأخيرة وما صدر في بيان مجلس الأمن والسلم الإفريقي وIGAD، بترحيب الأخيرة بالعودة الكاملة للسودان وتأجيل عودته للاتحاد الإفريقي، الذي رفض صراحة المبدأ الذي أُنشئت به حكومة “تأسيس”.
“علمانية” عبد العزيز الحلو التي تحدث عنها حميدتي في خطابه هي إشارات يخاطب بها تحالف زواج المتعة والحد الأدنى بين كيانين كان ما بين الأقواس أعلاه سببًا في عدم جلوسهما على طاولة واحدة إبان مفاوضات السلام، وكذلك لم يُسقط عنه مخاطبة شركائه في حكومته المعلنة في شرق السودان.
برأيي لم يكن المجيء على ذكر جهاز المخابرات السودانية بفكرة التعريض به أو بقيادته كما هو الحال عند ذكره لأدوار حركات دارفور وقياداتها ومشاركة كلاهما في العمليات العسكرية، بل إن هنالك معارك دبلوماسية واستخبارية رأى المتحدث بأنها قد قطعت عليه الطريق أمام إيجاد قبول واعتراف في الجوار الإفريقي، وظلت تلاحق خطواته فيها وقع الحافر على الحافر.
توجيه واحدة من فقرات الخطاب للقوى المدنية وتخصيص الحزب الجمهوري من دون غيره وتعريفه بالحزب “الثوري” فيه استبطان للوم و”مطاعن” لبقية أحزاب كان يتعشم في مشاركتها صراحة في حكومته.
أرجع الخطاب، وكما بدأ ذلك واضحًا، متغيرات الميدان والخسائر التي تلقتها قواته، وتحديدًا في الخرطوم، إلى ظهير خارجي قلبت مساعدته للجيش الموازين، وهذه النقطة بالتحديد كان حديثه فيها فيه نوع من “الاستدراك” لأخطاء في خطابات سابقة استعدت عليه قوى إقليمية هو يعلم جيدًا نتيجة الدخول معها في مواجهة مباشرة.
(*) صراع خطابين…
و”الثابت” في كل الخطابات التي خاطب بها حميدتي “أضان” المجتمع المحلي والدولي كان تحت لافتة محاربة الإسلاميين في السودان، وهو خطاب تمت تجربته في أيام كان المزاج الثوري هو الحاكم في الشارع السوداني، ومع ذلك لم تختفِ لافتات “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، وبالمقابل فإن هذا الخطاب في العقل الدولي “البراغماتي” يدغدغ الرغائب، لولا أن سياق الحرب الحالي ومآلاتها وضع هذا الخطاب في كفة، والخطاب المناهض لجرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات وجرائم الحرب في الكفة المقابلة، لتكون العقوبات التي لم تتوقف بحق قيادات في الدعم السريع هي الرد الذي يوضح إلى أي كفة تميل مشاعر المجتمع الدولي الذي يصدق عينيه أكثر من أذنيه.
طوال سنين الحرب ظلت رواية مقتل حميدتي في الأيام الأولى للحرب تجد من يستمع إليها بأذني أشواقه، وتوفر لهذه الرواية شهود زور كثيرين بفقه أنها حرب وكل شيء فيها مباح، إلا أننا نرى بأن الخطاب “الجماهيري” الأخير في كمبالا قد استبعد هؤلاء الشهود تمامًا، كما أن الرواية التي تحدث عنها قائد قوات الدعم السريع عن زيارة السيد مالك عقار، عضو مجلس السيادة، لكمبالا قبل أسبوع من زيارته ومقابلة الرئيس موسيفيني لإحياء مبادرته للوساطة في حرب السودان هي التي تبدو تفاصيلها منطقية في كل ما جاء من حديث.



