مستريحة ٢٠٢٦: من هزائم الخرطوم إلى سياسة الحرق… حين يُعاد تشكيل دارفور بالنار

*البعد الخامس*.
*بقلم. صباح المكي*
لم يكن الهجوم على مستريحة في فبراير ٢٠٢٦ حادثة عسكرية عابرة. التقارير الصادرة أكدت أن البلدة تعرضت لهجوم واسع شمل طائرات مسيّرة وقوات برية، وأسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم نساء، إضافة إلى تدمير المركز الصحي الوحيد في المنطقة.
لكن قراءة الحدث بوصفه اشتباكًا تُفرغه من معناه الحقيقي.
السؤال ليس كم سقط من الضحايا، بل لماذا مستريحة، ولماذا الآن؟
مستريحة لم تُقصف لأنها بعيدة، بل لأنها قريبة. قريبة من سؤال الشرعية، قريبة من احتمال البديل، قريبة من فكرة أن الحاضنة ليست كتلة صماء يمكن احتكارها إلى الأبد.
*أولاً: كسر المرجعية… الثأر المؤجل والاستباق الوقائي*
مستريحة ليست مجرد قرية في شمال دارفور، بل معقل تاريخي مرتبط بزعامة الشيخ موسى هلال، أحد أبرز الرموز التقليدية داخل قبيلة المحاميد. وهي تقع داخل المجال الاجتماعي ذاته الذي خرجت منه قيادة ميليشيا الدعم السريع بقيادة. حميدتي.
ما جرى لم يكن مواجهة مع خصم خارجي، بل إعادة ترتيب قسري داخل البيت الاجتماعي نفسه.
الشيخ موسى هلال أعلن موقفًا مؤيدًا لوحدة السودان وللدولة والقوات المسلحة، لكنه حافظ على حياد ميداني ولم ينخرط في دعم عسكري مباشر، إدراكًا لحساسية موقع قبيلة المحاميد داخل معادلة الصراع، وخشية أن يتحول الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي داخل القبيلة نفسها.
ومع ذلك، تعرّض معقله للاستهداف.
هذا يفتح سؤالًا أعمق:
هل كان الاستهداف عقابًا على موقف، أم استباقًا لاحتمال؟
في ظل التراجع الإقليمي في دعم الميليشيات المسلحة، وتزايد التحفظات الدولية، يصبح وجود زعيم تقليدي ذي قاعدة اجتماعية وشرعية مستقلة، ومعلن الانحياز لوحدة الدولة، عاملًا مقلقًا لأي قوة تسعى لاحتكار المجال.
من منظور ميليشيا الدعم السريع، يبقى احتمال أن تستثمر القوات المسلحة هذا الثقل الاجتماعي، أو أن يتحول حياد الشيخ موسى هلال إلى انخراط لاحق، سيناريو لا يمكن تجاهله. وفي الحروب التي تقوم على الشكوك أكثر من الوقائع، كثيرًا ما يُضرب الاحتمال قبل أن يتحول إلى واقع.
بهذا المعنى، يُقرأ ضرب مستريحة كخطوة استباقية لإغلاق أي منفذ يمكن أن يُستخدم ضد الميليشيا في حال تغيرت موازين الدعم الإقليمي أو تبدلت الحسابات العسكرية.
لكن هذا الاستباق لا يُلغي البعد الشخصي والتاريخي في العلاقة بين أسرة دقلو والشيخ موسى هلال.
الصراع بينهما لم يكن يومًا خلافًا عابرًا، بل مواجهة طويلة حول من يملك شرعية القيادة داخل قبيلة المحاميد، ومن يحتكر الزعامة داخلها. صعود ميليشيا الدعم السريع من تحت عباءة الزعامات التقليدية، ثم سعيها لاحقًا إلى إزاحة تلك الزعامات وإعادة ترتيب المجال تحت قيادة عسكرية مركزية، خلق توترًا ممتدًا لم يُحسم بالكامل.
هكذا يتقاطع الثأر المؤجل مع الاستباق الوقائي.
كسر المعقل يصبح رسالة مزدوجة:
إغلاق الماضي، ومنع المستقبل.
احتمال أن تبقى داخل القبيلة مرجعية لا تخضع لاحتكار السلاح.
احتمال أن يتحول الحياد إلى اصطفاف.
احتمال أن يُعاد تعريف ميزان القوة داخل المحاميد.
في هذه اللحظة، لا يعود الاستهداف مجرد عملية عسكرية، بل قرارًا سياسيًا بإغلاق الاحتمالات.
*ثانياً: من العاصمة إلى الأطراف… معادلة التعويض*
الهزائم التي تعرضت لها ميليشيا الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة وكردفان لم تُنتج مراجعة، بل أنتجت تصعيدًا.
التراجع في مراكز الثقل لا يُضعف القدرة العسكرية فقط، بل يضرب صورة القوة. والميليشيا التي تتراجع في العاصمة لا تبحث عن تسوية، بل عن ساحة يمكن فيها إعادة إنتاج الهيبة بالقوة.
مستريحة شكّلت تلك الساحة. ليست لأنها تمثل هدفًا عسكريًا حاسمًا، بل لأنها مساحة يمكن فيها فرض حسم سريع، وإظهار أن القبضة ما زالت قادرة على البطش.
الهزيمة في المركز تتحول إلى قسوة في الأطراف.
والتراجع في العاصمة يُعالَج بالنار في القرى.
لكن ما جرى تجاوز حدود المواجهة العسكرية. استخدام الطائرات المسيّرة، حرق المنازل، سقوط مدنيين، وتدمير المركز الصحي الوحيد ليست مجرد تفاصيل ميدانية، بل ملامح سلوك يتجاوز الاشتباك إلى الردع.
حين تُحرق البيوت، ويُقتل المدنيون، وتُستهدف المرافق الحيوية، لا يكون الهدف فقط تحييد قوة مسلحة، بل خلق أثر نفسي واجتماعي أوسع.
تدمير الصحة يضرب القدرة على الاستمرار.
حرق المنازل يفرض النزوح.
ضرب السوق يعطل الحياة اليومية.
هنا ينتقل الصراع من معركة على الأرض إلى عملية ضغط على المجتمع نفسه.
لم يعد الهدف هزيمة خصم محدد، بل إخضاع بيئة.
ولم تعد القسوة نتيجة جانبية لمعركة، بل أداة لإعادة إنتاج صورة القوة بعد التراجع.
كلما ضعفت القدرة على الحسم في الميدان.، اتسع نطاق الردع في الأطراف.
وكلما تراجعت السيطرة في المركز، ارتفع منسوب العنف ضد البيئة.
بهذا المعنى، مستريحة لم تكن فقط ساحة مواجهة، بل ساحة إعادة إنتاج الهيبة عبر الحرق والردع الجماعي.
*ثالثاً: نظام أبوظبي وهندسة الوكيل… من التمويل إلى إحلال الميليشيا محل المجتمع*
لا يمكن فصل ما جرى في مستريحة عن الدور الذي يلعبه نظام أبوظبي في هذه الحرب. المسألة ليست دعمًا عابرًا، بل بنية متكاملة في سياق حرب بالوكالة تُدار بأدوات محلية لخدمة مشروع نفوذ إقليمي.
نظام أبوظبي موّل وسلّح ميليشيا الدعم السريع، وأسهم في إعادة تعريف طبيعتها. ما بدأ كتشكيل مسلح ذي جذور اجتماعية داخل بيئة محددة، أُعيد تشكيله تدريجيًا ليصبح أداة سياسية وظيفية، تُقاس قيمتها بمدى قدرتها على تنفيذ الدور المطلوب، لا بمدى تمثيلها لمجتمعها.
في منطق الحروب بالوكالة، الراعي لا يحتمل التعدد داخل الوكيل. لا يقبل شبكة قبلية متعددة المرجعيات، ولا زعامات تقليدية مستقلة، ولا احتمالات مفتوحة يمكن أن تُنتج قرارًا خارج السلسلة المعتمدة. المطلوب مركز قرار واحد، مسار تمويل واحد، واحتكار كامل للتمثيل داخل الحاضنة.
الهزائم التي تعرضت لها ميليشيا الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة وكردفان وضعت هذه المعادلة تحت ضغط. الوكيل الذي يتراجع في مراكز الثقل يهدد صورة الراعي إقليميًا. لذلك يصبح التصعيد الداخلي وسيلة لإعادة تثبيت الانضباط وإثبات القدرة على الحسم.
مستريحة في هذا السياق ليست هدفًا عسكريًا تقليديًا، بل رسالة ضبط مزدوجة. داخليًا، تأديب المجال الاجتماعي ومنع أي ازدواجية في الولاء. وخارجيًا، تأكيد أن الوكيل ما زال قادرًا على تنفيذ دوره بلا تردد.
وجود زعامة تقليدية مستقلة مثل الشيخ موسى هلال، خاصة مع موقفه المنحاز لوحدة الدولة، شكّل خللًا في هندسة الوكيل. لأنه يُنتج مرجعية بديلة داخل البيئة نفسها، ويقوض فكرة الاحتكار المطلق للتمثيل. ومشاريع الوكالة لا تحتمل مرجعيتين داخل المجال الواحد.
استخدام المرتزقة في الهجوم على مستريحة يؤكد انتقالًا بنيويًا كاملًا. الميليشيا التي تستدعي مقاتلين من خارج نسيجها لضرب معقل ينتمي إلى نفس القبيلة تكون قد انتقلت من كونها فاعلًا اجتماعيًا مسلحًا إلى جهاز منفصل عن مجتمعه.
المرتزق لا تحكمه القرابة، ولا تقيده الرمزية، ولا يخضع لحسابات العيب الاجتماعي. هو أداة تنفيذ صافية. وعندما يُستخدم ضد منطقة قريبة إثنيًا من القيادة نفسها، فإن الرسالة تكون حاسمة: السلطة مقدّمة على الانتماء، والانضباط مقدّم على الروابط التقليدية.
هذا الاستخدام يكشف أيضًا عن أزمة ثقة داخل الحاضنة. لأن اللجوء إلى عناصر خارج البيئة يعكس ترددًا داخليًا في تنفيذ مهمة تستهدف رمزًا تقليديًا كبيرًا، ويكشف خوفًا من انقسام إذا أُجبر أبناء البيئة على ضرب أحد وجوهها التاريخيين.
هنا يلتقي مسار التمويل بمسار التفكيك.
الدعم حين يتحول إلى منظومة مستمرة لا يعيد تسليح الوكيل فقط، بل يعيد تشكيل مجاله الاجتماعي. يُغلق الاحتمالات، ويزيل المراكز المستقلة، ويُحِلّ الميليشيا محل المجتمع.
ما حدث في مستريحة يكشف مرحلة متقدمة من هذه الهندسة. مرحلة لم يعد فيها الهدف توسيع نفوذ عسكري فحسب، بل إعادة صياغة البيئة نفسها حتى لا تُنتج بديلًا.
في هذه المرحلة، لا تعود الميليشيا تعبيرًا عن مجتمع، بل جهازًا منفصلًا عنه.
لا تدافع عن الحاضنة، بل تضبطها.
لا تستمد شرعيتها منها، بل تفرض نفسها عليها.
نظام أبوظبي لا يقتصر دوره على الإسناد، بل يمتد إلى خلق الشروط التي تجعل الحسم القسري داخل القبيلة خيارًا وظيفيًا. الراعي الذي يحتاج وكيلًا منضبطًا وغير قابل للانقسام، ويمدّه بأسباب الاستمرار، يرتبط مباشرة بنتائج هذا التحول حين تتحول الميليشيا إلى جهاز يعيد تشكيل المجال الاجتماعي بالقوة.
مستريحة هنا ليست مجرد معركة.
إنها إعلان بأن المجتمع نفسه أصبح موضوع إعادة هندسة، كلما ضاقت حسابات الخارج واتسعت حاجة الوكيل إلى إثبات وظيفته بالنار.
*الخاتمة: ما تكشفه مستريحة*
مستريحة لم تكن هدفًا عسكريًا بقدر ما كانت اختبارًا سياسيًا.
اختبارًا لمدى قدرة ميليشيا الدعم السريع على حسم صراع الشرعية داخل المحاميد.
واختبارًا لقدرتها على تعويض تراجعها في مراكز الثقل عبر القسوة في الأطراف.
واختبارًا لمدى انضباطها داخل معادلة إقليمية أوسع.
الهزائم في الخرطوم والجزيرة وكردفان لم تُنتج مراجعة، بل أنتجت تصعيدًا.
وصراع الزعامة لم يُحلّ تفاوضًا، بل حُسم بالقوة.
والعلاقة مع المجتمع لم تُحافظ عليها بالشرعية، بل أُعيد تعريفها بالردع.
مستريحة لم تُقصف لأنها بعيدة، بل لأنها قريبة.
قريبة من سؤال الشرعية.
قريبة من احتمال البديل.
قريبة من فكرة أن القبيلة ليست كتلة صماء يمكن احتكارها إلى الأبد.
في هذه اللحظة، تنكشف المعادلة بوضوح:
الهزيمة في المركز تُنتج قسوة في الأطراف.
وصراع الزعامة يتحول إلى إعادة تشكيل بالقوة.
والوكيل الذي يخشى التراجع يعيد تعريف علاقته بمجتمعه بالنار.
لكن يبقى سؤال لا يمكن تجاوزه.
الشيخ موسى هلال اختار الحياد، رغم انحيازه المعلن لوحدة السودان وللدولة والقوات المسلحة. اختار ألا يدفع قبيلة المحاميد إلى اقتتال داخلي، وألا يحوّل التوتر السياسي إلى صدام اجتماعي.
ومع ذلك، استُهدف معقله.
في الحروب، الحياد يُفترض أن يكون منطقة أمان.
لكن حين يُضرب الحياد نفسه، تتغير قواعد اللعبة.
هل سيبقى الحياد خيارًا قابلًا للاستمرار بعد مستريحة؟
أم أن استهداف المعقل الرمزي سيحوّل ضبط النفس إلى إعادة تموضع؟
التاريخ يقول إن ضرب الرموز لا يُغلق المسارات دائمًا، بل قد يفتح مسارات لم تكن في الحساب.
وإذا كان الهدف من مستريحة إغلاق الاحتمالات، فإن السؤال الآن:
هل أُغلقت فعلًا… أم بدأت مرحلة جديدة؟
bitalmakki@gmail.com



