نقطة ارتكاز/ مرتضى ميرغني/ “السودان مسؤولية لا مشاهدة”

في المواسم الوطنية تتعالى الخطب وتفيض المنصات بعبارات الفخر والوجع ويبدو السودان في كلماتنا عظيما بقدر ما هو مثخن بالجراح، غير أن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق ضمائرنا أبعد من حرارة العاطفة ، هل علاقتنا بالوطن علاقة إنشاء وعمران ، أم علاقة توق وانتظار لوطن مكتمل الملامح مُعد سلفا لسكنَاه ؟
ليست أزمتنا في المحبة ، بل في الفهم ..
نحن لا نفتقر إلى الشعور بل نفتقر إلى تحمل مقتضياته ،
نريد وطن جاهز
نريده منظما في مؤسساته عادلا في قوانينه ، مزدهرا في اقتصاده ، متماسكا في نسيجه الاجتماعي .. نقيسه على تجارب أمم أخرى ونقارن واقعنا بدول بلغت شأوا بعيدا في النظام والازدهار ، ثم نستسلم لخيبة تتسلل إلينا رويدا رويدا ، أو لغضب يتخذ من الشكوى ملاذا ..
نعجب بأوطان أخرى ونأنس بالعيش في ظل قوانينها الصارمة ، ونستطيب السير في شوارعها المرتبة ، غير أننا نغفل عن حقيقة أولى تلك الأوطان لم تولد كاملة ، ولم تهبط من السماء في صورة نهائية ، إنما شيدت حجر حجر ، وسُلِّمت من جيل إلى جيل على أكتاف رجال ونساء آمنوا بأن الوطن فعل يومي لا شعار احتفالي ..
نحن نرغب في ثمرة لم نغرس شجرتها ، وفي ظل لم نحتمل حر غرسه ..
نستنكر الفوضى ، ثم نمارسها حين تضيق بنا القواعد .. نلعن الفساد ، ثم نهادنه إذا لامس مصالحنا الصغيرة .. نحلم بمؤسسات راسخة ، لكننا لا نمنحها من سلوكنا ما يرسخها ..
كأننا نطلب وطن بلا كلفة ، وعمران بلا تضحية ، وعدالة بلا التزام ..
والحال أن السودان بتاريخه الضارب في القدم منذ حضارات عريقة كمملكة كوش ، وبمحاطاته المفصلية التي توّجت استقلاله بقيادات مثل إسماعيل الأزهري ، لم يكن يوما عطية سهلة ، بل حصيلة جهد ونضال وتراكم أخلاقي طويل .. فكيف نرضى أن نرث المجد ولا نرث مسؤوليته؟
ثم جاءت هذه الحرب اللعينة فمزقت ما تبقى من عمران ، وأرهقت الإنسان قبل المكان ، ووضعت الوطن أمام امتحان وجودي قاس .. بعد هذه الحرب ، لم يعد السودان يحتمل مزيدا من الفرجة .. لم يعد وطنا يُشاهد من بعيد ، أو يُعلق عليه في منصة عابرة .. إنه وطن يستغيث بأبنائه ، يحتاج سواعدهم لا تصفيقهم ، يحتاج عرقهم لا تعليقاتهم ، يحتاج حضورهم في ميادين الإعمار لا حضورهم في مقاعد المتفرجين ..
ليس الوقت وقت لوم متبادل ، ولا مزايدات خطابية. إنه وقت بناء ، وقت أن يتحول كل واحد منا إلى لبنة في جدار التعافي ، إلى شعلة صغيرة في عتمة كثيفة ..
الإعجاب بتجارب الأمم الأخرى ليس خطيئة ، بل باب للتعلم والاقتباس .. غير أن الخطأ كل الخطأ أن يتحول الإعجاب إلى هروب ، وأن نصير مستهلكين لثمار حضارات غيرنا ، فيما نتردد في بذل الجهد لحقولنا ..
السودان ليس سكنا عابرا نغادره متى ساءت الخدمة ..
هو بيت تصدعت جدرانه بفعل الحرب ، ولن تعود متماسكة إلا بأيدي أهله ..
هو مشروع مفتوح ، لا يكتمل إلا بضمائر أبنائه ..
إن الانتماء الحق ليس نشيدا يُرتّل، ولا صورة تُنشر ، ولا حنين يُستعاد ، بل هو التزام أخلاقي يومي يبدأ من إتقان العمل ، واحترام القانون وصون المال العام ، وقبول الاختلاف، ويتجلى اليوم أكثر من أي وقت مضى ، في الاستعداد الصادق لتحمل كلفة إعادة البناء ..
فلنكف عن انتظار الوطن الذي نريد ، ولننهض لصناعة الوطن الذي لا قيام له إلا بنا ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى