منى أبوزيد: متلازمة الخبير الاستراتيجي..!

*”المعرفة الحقيقية تبدأ بجملة بسيطة: لا أعرف”.. الكاتبة..!*
في السودان لا تحتاج إلى سنوات من الدراسة، ولا مختبر، ولا أرشيف متخم بالغبار، كي تصبح “خبيراً استراتيجياً”. يكفيك مقعد أمام كاميرا، وربطة عنق محكمة، ونبرة صوت لا ترتجف..!
تفتح القنوات السودانية فتجد الخبير ذاته يشرح لك مسار المعركة في الصباح، ويحلل الاقتصاد في الظهيرة، ويقترح حلولاً دستورية قبل المساء، ثم أنه قدد يختم يومه بتشريح المزاج الشعبي وكأنه طبيب أرواح. لا يتلعثم، لا يتردد، لا يقول “لا أعرف”، ومن هنا تبدأ الحكاية..!
التخصص ليس ترفاً بل أخلاق، أن تقول هذا مجالي وتلك منطقة عتمة لا أدخلها إلا بحذر. أن تفهم أن المعرفة ليست رأياً مرتفع الصوت، بل تراكم صامت من القراءة والتجربة والانضباط. لكن الإعلام الحديث – بخفته المبهرة – صنع لنا وهماً جميلاً اسمه “الخبرات المتعددة”..!
الكاميرا لا تسأل عن شهادتك بقدر ما تسأل عن حضورك، والبرامج الحوارية لا تحتاج إلى من يعرف بقدر ما تحتاج إلى من يتكلم. وهكذا تحولت الخبرة إلى أداء مسرحي، وتحولت المعلومة إلى رأي منمق، وتحول الرأي إلى حقيقة مؤقتة تتغير بتغير العنوان العاجل أسفل الشاشة..!
بينما لا شك أن هناك فرق بين الرأي والمعلومة. الرأي ابن التجربة الشخصية، ابن المزاج، ابن القناعات، أما المعلومة فهي ابنة التحقق، ابنة المنهج، ابنة الشك الذي يسبق اليقين. الرأي يمكن أن يُقال في مقهى، أما المعلومة فتحتاج إلى مختبر، أو على الأقل إلى ضمير مهني. وحين يختلط الاثنان نصحو على ضجيج لا يُنتج وعياً، نصحو على يقينيات سريعة، وعلى جمهور يتداول تحليلات عسكرية كما لو كانت نتائج مباراة كرة قدم..!
هل نحن أمام انهيار مفهوم التخصص؟. ربما نحن أمام شيء أكثر خطورة “تآكل هيبة الجهل نفسه”. في زمن سابق كان الجاهل يخجل، أما اليوم فالجهل نفسه يتحدث بثقة، ويطلب وقتاً إضافياً على الهواء..!
السياسة أيضاً دفعت الثمن، فحين يصبح كل شيء قابلاً للتحليل السريع تُختزل القضايا المعقدة في عناوين براقة، تتحول الحروب إلى خرائط ملونة، وتتحول الأزمات الاقتصادية إلى جمل قصيرة تصلح لإعادة النشر، والأخطر أن الجمهور يبدأ في الشك في كل شيء لأن كل شيء قيل عنه عكسه تماماً في البرنامج التالي..!
المفارقة المؤلمة أن السودان في لحظة تاريخية تحتاج إلى عقول متخصصة باردة وهادئة، لكنه عوضاً عن ذلك يغرق في استعراض عام للمعرفة، كأننا نداوي النزيف بالتصفيق..!
أنا لا أطالب بالصمت، ولا أحن إلى نخبوية متعالية، لكنني أحن إلى التواضع المعرفي، إلى ذلك العالم أو الباحث الذي يقول هذا ما أعرفه، وهذا ما أبحث عنه، وهذا ما أجهله. التخصص لا يعني الانغلاق بل يعني احترام الحدود، يعني أن نعترف أن السياسة علم، وأن الاقتصاد علم، وأن الاجتماع علم، وأن كل علم له أهله..!
وحين يستعيد التخصص مكانته يستعيد المجتمع توازنه، وحين يعرف كل امرئ حدوده تتسع المساحة للجميع. ربما ليست المشكلة في كثرة الخبراء أو ندرتهم، بل في ندرة الاعتراف بأن المعرفة مسؤولية!.
munaabuzaid2@gmail.com



