علم الدين عمر: لقاء كامل..سفارة القاهرة وأسطورة الحفيان (1-2)!!..

علم الدين عمر: لقاء كامل..سفارة القاهرة وأسطورة الحفيان (1-2)
سودانيون كُثر إجتمعوا بمنزل سفير السودان لدى مصر عماد الدين عدوي ليستمعوا لتنوير موسع من رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس..كان المشهد مكتمل الأركان للإعلان عن بشريات مؤثرة علي الناس والأحداث..رئيس الحكومة..ووزيرا المالية والخارجية.. وسفير يمسك بخيوط الدبلوماسية في واحدة من أهم العواصم في المشهد السوداني.. ومدير جهاز المخابرات العامة السوداني الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل علي الطاولة كذلك ما أضفى على اللقاء ثقلاً سيادياً ورسالة تشي بتنسيق مؤسسي بعيداً عن الإرتجال..
وبتجاوز غير مخل – ربما نعود إليه لاحقاً – لما شاب تنظيم الفعالية من هنات هنا وهناك.. يمكن القول بأن الإحاطة في مجملها كانت ممتازة من حيث العرض والإنضباط وتماسك الخطاب العام..
تحدث رئيس الوزراء بلغة واثقة وأستعرض وزير المالية ملامح الرؤية الاقتصادية وأجاب بإقتضاب متحفظ علي بعض الأسئلة.. وأضاء وزير الخارجية تعقيدات المشهد الإقليمي..
غير أن الحشد علي أرائك السفير وخلف الشاشات ووراء الهمسات – وبما ضمت الجلسة من عقول وخبرات ورجال أعمال وأكاديميين وفاعلين في الشأن العام – كان ينتظر ما هو أبعد من المجاملات الرشيقة وعبارات الثناء المتبادل..كان المزاج العام يتطلع لحديث يتجاوز الإطار الإحتفائي إلى عمق البرنامج السياسي الوطني..ما هي خارطة الطريق الدقيقة لإعادة بناء الدولة؟ كيف ستُدار المرحلة الإنتقالية إقتصادياً ومجتمعياً؟.. ما هو موقع الأحزاب والقوى السياسية في معادلة إعادة التأسيس؟..وكيف ستُفكك الكتل الهلامية التي ملأت الفضاء العام بلا برامج..وبلا رؤية..وبلا مساءلة؟..
الناس لم يأتوا ليستمعوا إلى تطمينات عامة – على أهميتها – بل ليلمسوا ملامح مشروع يعبر بوضوح عن أولوياتنا في المرحلة القادمة.. ويتحدث عن أدوات التنفيذ و آليات الرقابة والمساءلة.. كانوا ينتظرون خطاباً يحدد بلا مواربة.. طبيعة العقد الإجتماعي الجديد.. وحدود الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص..وسقف التوافق الممكن مع القوى السياسية.. ومعايير الفرز بين من يملك برنامجاً ومن يكتفي بالشعارات..
رجال المال والأعمال.. على وجه الخصوص كانوا يتطلعون إلى لغة أكثر مباشرة في الشأن الاقتصادي.. كانوا ينتظرون حديثاً صريحاً عن الإعفاءات الجمركية..وتخفيف الرسوم الحكومية.. وإعادة هيكلة الجبايات التي أثقلت كاهل المنتجين لسنوات..كانوا يريدون رؤية واضحة لتشجيع الإستثمار.. ولحماية العودة الصناعية والتجارية بمظلة دولة حارسة وليست جابية.. كانوا يأملون في توجيه المصارف لتمويل مشاريع العودة والإستقرار..هل ستُقدم ضمانات حكومية حقيقية تُقلل المخاطر؟.. هل ستُفتح نوافذ تمويل ميسرة للمغتربين الراغبين في ضخ مدخراتهم في الداخل؟..
لم يكن الأمر يحتاج لأكثر من إجابات علي هذه الأسئلة.. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى خطاب تعبوي بقدر ما يحتاج إلى برنامج تنفيذي مُرقم البنود.. محدد التوقيتات.. واضح المسؤوليات..قوي العماد ..كثير الرماد..ولو كانت الإجابات أكثر مباشرة..لكانت الثقة أكبر.. والمشاركة أوسع..والنتائج أسرع..
ومع ذلك.. لا يمكن إنكار أن مجرد إنعقاد اللقاء..بهذا المستوى من التمثيل..وفي هذا التوقيت يحمل دلالته الإيجابية..كإقرار بأهمية الجاليات في الخارج.. وإعتراف بأن معركة إعادة البناء لا تُخاض من الداخل وحده..إن اللحظة التاريخية التي يعيشها السودان اليوم تستدعي جرأة أكبر في الطرح تقول للناس الحقيقة كاملة..
حجم التحديات.. صعوبة الطريق.. وكلفة الإصلاح.. وتضع في المقابل برنامجاً واضحاً يوزع الأدوار.. ويُحمل المسؤوليات.. ويفتح الباب أمام مشاركة إقتصادية ومجتمعية أوسع..لا تقتصر على الدوائر الضيقة..
كان يمكن لذلك المساء أن يتحول من مناسبة أنيقة (يصرف فيها الحرس رجل بحجم رجل الأعمال وجدي ميرغني بخشونة عن مصافحة رئيس الوزراء) وتُحجب فيها أسئلة الصحافة والصحفيين بحجة الوقت وضيقه ..إلى محطة مفصلية.. لو إنتقل الخطاب من الحالة الإحتفائية إلى البيان التنفيذي الصريح..
ولو حدث ذلك لخرج الحضور ليس بانطباع جيد فحسب.. بل بقناعة راسخة بأن الدولة لا تستمع إليهم فقط..بل تدعوهم إلى شراكة حقيقية في إعادة بناء وطن أنهكته الحرب.. وينتظر الآن برنامجاً يليق بحلمه وبإرادة شعبه..
أما السيد السفير السوداني بالقاهرة فسنحدث عنه وعن الحقيقة والخيال في أمر السفارة وأعمالها ومنسوبيها وما أُثير حولها من غبار..
وكذلك دكتور الحفيان الذي حوله همس المدينة لأسطورة..
نعود.



