الوساطة كغطاء للحرب بالوكالة في السودان

بقلم: صباح المكي
في صميم الخلاف بين السودان والاستجابة الدولية للحرب الدائرة، تبرز ما يُعرف بـ«الرباعية»، وهي إطار وساطة يضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة.
تؤكد السلطات السودانية أن الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار تجاهلت الشروط المعلنة للحكومة السودانية، وتجاوزت الالتزامات الواردة في إعلان جدة لحماية المدنيين في السودان، الموقّع في ١١ مايو ٢٠٢٣، رغم تقديم هذه الدعوات دوليًا بوصفها التزامات سياسية مُلزِمة. وتشير السلطات إلى أن هذه الدعوات صدرت في لحظات حاسمة من سير العمليات العسكرية، لا سيما عندما كانت القوات المسلحة السودانية تحقق تقدمًا ميدانيًا في مواجهة ميليشيا الدعم السريع.
ووفقًا للمسؤولين السودانيين، فإن الأثر العملي لهذه الدعوات تمثل في منح ميليشيا الدعم السريع غطاءً سياسيًا ومساحة زمنية لإعادة تنظيم صفوفها وإعادة تسليحها، في وقت واصل فيه المدنيون التعرض للهجمات دون حماية أو مساءلة.
كما أفادت القوات السودانية بضبط أسلحة تحمل علامات دولة الإمارات، والعثور على جوازات سفر إماراتية في مواقع تابعة لميليشيا الدعم السريع. وقد جرى لاحقًا تقديم هذه المواد إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضمن ملف السودان القانوني ضد دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفي ٦ مايو ٢٠٢٥، أعلن السودان رسميًا قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، متهمًا إياها بالتحريض على الحرب وتمويلها وتغذيتها. وفي تصريحات علنية أدلى بها في نوفمبر ٢٠٢٥، أكد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، أن السودان لا يعترف بأي مسار سياسي تشارك فيه دولة الإمارات ما دامت جزءًا من إطار الرباعية، واصفًا إياها بأنها ليست وسيطًا، بل طرف مباشر في الحرب.
وقد وثقت تحقيقات دولية متعددة ارتكاب ميليشيا الدعم السريع لجرائم واسعة النطاق، شملت القتل الجماعي، والعنف الجنسي المنهجي، والتهجير القسري، والهجمات المتعمدة على المدنيين. كما تتبعت تقارير استقصائية نشرتها رويترز، والغارديان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وفرانس ٢٤، مسارات نقل الأسلحة، وخطوط الإمداد، وتجنيد مقاتلين ومرتزقة أجانب، ضمن شبكات مرتبطة بالعمل من داخل دولة الإمارات أو عبرها.
ولا تتجلى الكلفة الإنسانية للحرب بوضوح أكبر مما هي عليه في إقليم دارفور.
فبعد تدمير مدينة الجنينة في غرب دارفور في يونيو ٢٠٢٣، حيث قُتل أكثر من ١٥ ألف مدني من مجتمع المساليت، وجرت تصفية الوجود السكاني الأصلي للمدينة عبر القتل الجماعي والعنف الممنهج والتهجير القسري، فرضت ميليشيا الدعم السريع حصارًا طويل الأمد على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، استمر لأكثر من ٥٠٠ يوم، في تحدٍ مباشر لقرار مجلس الأمن رقم ٢٧٣٦ لسنة ٢٠٢٤، الذي دعا صراحة إلى رفع الحصار وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وقد حدّد باحثون من مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل مؤشرات واضحة على وقوع أعمال عنف جماعي، من بينها آثار دماء واسعة النطاق ظهرت في صور الأقمار الصناعية. وفي نوفمبر ٢٠٢٥، نشرت صحيفة لوموند تقريرًا تحدث عن «الدور المريب» لدولة الإمارات و«اللامبالاة المتواطئة» للدول الغربية، مشيرًا إلى أن الإمارات، وبالتحالف مع قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وفرت دعمًا لوجستيًا حاسمًا خلال الهجوم على الفاشر. وبعد سقوط المدينة في أكتوبر ٢٠٢٥، تلت ذلك موجة من القتل الجماعي والعنف الجنسي والتهجير، فيما بات يُعرف اليوم بمجزرة الفاشر.
هذا هو السجل. أما الأدلة المعروضة هنا، فهي ليست سوى قمة جبل الجليد، كاشفة عن العواقب القانونية والإنسانية الأعمق لحرب لم يصنعها فقط من يقاتلون على الأرض، بل أيضًا أولئك المتهمون بتمكينها من خارج الحدود.



