منى أبو زيد: ماذا تقول لنا سخرية الجماهير من النخب..!

“معاداة النخبة تبدأ حين يشعر المواطن أن صوته يُستشهد به فقط، عوضاً عن أن يُصغى إليه”.. الكاتبة..!*
قد لا تحتاج إلى كثير من التفكير فيما تتعثر به على مواقع التواصل الاجتماعي كل يوم عبر هاتفك، لتدرك أن شيئاً ما قد انكسر بين الجماهير والنخب في السودان..!
كل تصريح سياسي، كل تحليل أكاديمي، كل مداخلة متلفزة، تُستقبل بسيلٍ من التعليقات التي لا تناقش الفكرة بقدر ما تُجرِّد صاحبها من شرعيته أو جدارته أو صوابه. السخرية أسرع دوماً من الحجة، والتهكم أعلى صوتاً من المنطق. والمفارقة أن فعل التنمر لا يستثني أحداً..!
من يتحدث باسم الثورة في زمن الحرب يُتهم بالانصرافية. من يتحدث باسم الدولة في زمن الحرب يُتهم بالانفصال عن الواقع. من يدعو إلى السلام يُوصف بالضعف أو العمالة. ومن يطالب بالحسم يُتهم بالكوزنة أو التكسب من استمرار الحرب. وكأن المجتمع قد قرر فجأة أن يسحب الثقة من الجميع دفعة واحدة..!
هل هي فوضى أخلاقية أم إرهاقٌ نفسي طويل؟. الحرب لا تخلِّف دماراً ونقصاً في الأرواح والأموال فقط، بل في الأعصاب أيضاً. والنزوح لا ينقل الناس من جغرافيا إلى أخرى فحسب، بل من يقين إلى قلق دائم. حين يعيش الإنسان تحت ضغطٍ نفسي مستمر، يصبح أقل احتمالاً للخطاب المجرَّد. لا يريد تنظيراً، بل اعترافاً. لا يريد مفاهيم كبيرة، بل شعوراً صادقاً بأن أحداً يفهم ارتباكه اليومي..!
معاداة النخبة هنا ليست كراهية للعلم أو الثقافة. إنها احتجاج على وحود فجوة ما، بين من يتحدثون بلغة الاستراتيجيات، ومن يعيشون بلغة النجاة. بين من يحللون المشهد من عَلٍ، ومن يبحثون عن رغيف خبز أو موطئ أمانٍ أو خبرٍ مطمئن..!
حين تتسع هذه الفجوة، يتولد غضبٌ صامت. والغضب الصامت لا يكتب بيانات سياسية، بل يكتب تعليقات ساخرة. التعليق اللاذع يصبح وسيلة لإعادة توزيع القوة الرمزية. كأن المواطن يقول “قد لا أملك منصة، لكنني أملك القدرة على نزع هالتك الزائفة أيها النخبوي”..!
في هذا السياق، تصبح النخبة هدفاً سهلاً. هي مرئية، حاضرة، قابلة للاقتباس والقص واللصق. وكلما طال أمد الأزمة دون حلول واضحة، ازداد البحث عن جهةٍ تُحمَّل المسؤولية، والنخبة، بحكم ظهورها، تدفع جزءاً من الثمن، سواء استحقته كاملاً أم لا..!
التاريخ الحديث يخبرنا أن هذا المزاج ليس سودانياً خالصاً. صعود دونالد ترمب في الولايات المتحدة لم يكن مجرد تحول انتخابي، بل كان تعبيراً عن غضبٍ واسع تجاه ما سُمّي بالمؤسسة أو “الاستبلشمنت”. الفكرة ذاتها تتكرر بأشكال مختلفة، حين يشعر الناس أن النخب لا تمثلهم، يبحثون عمن يتحدث بلغتهم، حتى لو كان خطابه صاخباً وبسيطاً..!
لكن الخطورة تبدأ حين تتحول المراجعة إلى تحطيم شامل، وحين يصبح كل صاحب معرفة موضع ريبة، وكل رأي مختلف دليلاً على خيانة، وكل اجتهاد مادة للسخرية. المجتمع الذي يفقد ثقته في نخبه يفقد بوصلته، والنخبة التي لا تراجع نفسها تفقد شرعيتها الأخلاقية..!
المشكلة ليست في أن الناس تغضب، فالغضب صحي حين يكون دليلاً على حياة، لكن المشكلة هي أن يتحول الغضب إلى قطيعة كاملة، وأن يتحول النقد إلى تنمر دائم، وأن يتحول الحوار إلى ساحة تصفية رمزية..!
ربما ما نحتاجه ليس الدفاع الأعمى عن النخب، ولا الشماتة في سقوطها، بل إعادة بناء علاقة تقوم على التواضع من جهة، والإنصاف من جهة أخرى. على أن تُصغي النخبة بقدر ما تتحدث، وأن ينتقد الناس حقاً بقدر ما يسخرون وكفى..!
السودان اليوم لا يحتمل مزيداً من الانقسام الرمزي، لا يحتمل أن يخسر عقله وهو يحاول التعبير عن ألمه، ولا أن يخسر قلبه وهو يطالب بحقه. فهل السخرية مجرد تنفيس عابر أم أنها إشارة إلى شرخٍ أعمق في الثقة؟. هذا سؤال لا يخص النخب وحدها، بل يخصنا جميعاً!.
munaabuzaid2@gmail.com



