البعد الخامس/ صباح المكي/ السودان بين السيادة والإدارة الدولية: إعادة تعريف الدولة

*من هندسة المسار إلى هندسة التصنيف: من يحتكر تعريف التهديد؟*
*بقلم. صباح المكي*
إذا كان الجزء الأول قد كشف كيف تُعاد صياغة الدولة عبر اللغة، والجزء الثاني كيف تُدار عبر الآليات، فإن هذا الجزء ينتقل إلى المستوى الأعمق: من يملك حق تصنيف الفاعلين داخلها.
فالخطاب الدولي لا يكتفي برسم صورة الدولة، بل يرسم حدود من يُسمح له أن يكون جزءاً منها. هنا لا يُطرح السؤال فقط حول من يشارك في التفاوض، بل حول من يُعتبر شريكاً أصلاً، ومن يُدرج منذ البداية داخل إطار اشتباه يتجاوز المجال الوطني.
في هذا السياق، لا يكون توصيف «إسلامي» مجرد توصيف أيديولوجي، بل قد يتحول إلى إطار أمني جاهز. وعندما يصبح التصنيف أداة ضبط، لا يُعاد ترتيب الخريطة السياسية فحسب، بل تُعاد صياغة حدود الشرعية داخل الدولة نفسها.
هنا لا نتحدث عن خلاف سياسي داخلي، بل عن سلطة تحديد من يُختبر سياسياً، ومن يُحاكم مسبقاً بوصفه احتمال تهديد.

*١. الإسلاميون والإسلاموفوبيا: من توصيف أمني إلى أداة ضبط سياسي*

*أ. من التصنيف الاستعماري إلى القاموس الأمني الحديث*

في الحقبة الاستعمارية، كانت القوى الغربية تصنّف النخب المحلية إلى فئتين واضحتين: نخب «صالحة للحكم» يمكن التعامل معها، وأخرى «متطرفة» ينبغي احتواؤها أو إقصاؤها. لم يكن التصنيف توصيفاً موضوعياً، بل معياراً لمدى انسجام تلك النخب مع المصالح الاستراتيجية للمركز. وكان في جوهره أداة لإدارة المجال السياسي تحت وصاية خارجية، تُحدد مسبقاً من يُعتبر قابلاً للدمج ومن يُعاد تعريفه كخطر ينبغي احتواؤه.
اليوم لم يعد القاموس ذاته مستخدماً، لكن البنية لم تختفِ، بل أُعيد إنتاجها بلغة أمنية حديثة.
الإسلاموفوبيا، في هذا السياق، ليست مجرد تحيز ثقافي، بل إطار تصنيفي يُستدعى في لحظات إعادة تشكيل سياسي. وعندما يُرفع توصيف «إسلامي» إلى مستوى تهديد بنيوي عابر للحدود، فإن الفاعل لا يُختبر سياسياً، بل يُدرج داخل قراءة أمنية مسبقة. يُصنَّف قبل أن يدخل العملية السياسية، ويُحدد موقعه قبل أن يخضع لاختبار التنافس أو الشرعية الانتخابية.
تحذير مسعد بولس من «شبكات إسلامية منسقة» لا يمكن قراءته بوصفه إشارة تقنية عابرة. ففي سياق انتقال سياسي، يحمل هذا التحذير وظيفة تنظيمية واضحة: رسم حدود المقبول سلفاً. هنا لا يُترك وزن الإسلاميين لإرادة الناخبين أو لتوازنات الداخل، بل يُعاد تقديمهم باعتبارهم احتمالاً يتطلب التحوط قبل أن تبدأ المنافسة السياسية.
المسألة، إذاً، ليست في تقييم تجربة بعينها، بل في معيار البداية: هل يُختبر الفاعل سياسياً ثم يُحاسب على سلوكه، أم يُدرج منذ اللحظة الأولى ضمن دائرة اشتباه تتجاوز حدود الدولة؟

*ب. ازدواج معيار الهوية الدينية في النظام الدولي*

المفارقة أن المرجعيات الدينية لا تُعامل جميعها بالآلية ذاتها في النظام الدولي.
فإسرائيل تُعرّف نفسها دستورياً كدولة يهودية، ويُقرّ قانونها الأساسي «قانون الدولة القومية للشعب اليهودي» هذا التعريف. ومع ذلك لا يُعاد تأطير هذا البعد الديني بوصفه تهديداً بنيوياً عابراً للحدود، بل يُقرأ ضمن نطاق السيادة الوطنية وخيارات الهوية الدستورية.
وفي أوروبا، تصعد أحزاب يمينية مسيحية ذات خطاب قومي ديني واضح، بعضها يتبنى سياسات متشددة تجاه المهاجرين والأقليات، ومع ذلك تُعامل كقوى سياسية شرعية تخضع للاختبار الانتخابي لا للتصنيف الأمني المسبق، حتى حين يُوصف خطابها داخلياً بالتطرف أو الإقصاء. وفي الولايات المتحدة، يشكل التيار اليهودي–المسيحي المحافظ مكوّناً مؤثراً في التشريع والسياسة الخارجية، دون أن يُقدَّم بوصفه شبكة دينية عابرة تستدعي الاحتواء.الفارق هنا ليس في حضور الدين داخل السياسة، بل في هوية الدين ذاته. فالمسألة لا تتعلق بظاهرة التسييس الديني في حد ذاتها، بل بمن يُمنح حق ممارستها دون أن يُعاد إدراجها ضمن سردية تهديد عابر للحدود.
في المقابل، يُعاد تأطير أي فاعل ذي مرجعية إسلامية بسرعة داخل إطار أمني واسع، حتى قبل تقييم سلوكه الفعلي أو التزامه بالقواعد الدستورية. لا يُختبر أولاً كفاعل سياسي، بل يُصنَّف أولاً كاحتمال خطر.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل الإشكال مع تيارات سياسية محددة تُصنَّف «إسلامية»، أم مع المرجعية الإسلامية ذاتها حين تتحول إلى هوية سياسية عابرة للحدود؟
في بعض الخطابات الإقليمية والدولية، يُشار أحياناً إلى «تحالفات سنية» أو «محاور إسلامية» بوصفها كتل ينبغي موازنتها، قبل أن يُعاد لاحقاً تضييق الخطاب إلى مواجهة «التطرف» أو «الأصولية». هذا التذبذب في التوصيف يكشف أن معيار التهديد غير مستقر: هل هو سلوك سياسي محدد، أم هوية دينية واسعة تُستدعى بوصفها قابلية كامنة للخطر؟
عند هذه النقطة، لا يعود الأمر متعلقاً ببرنامج سياسي بعينه، بل بإطار تصنيفي يُعيد ترتيب الفاعلين قبل اختبارهم في المجال السياسي.

*ج. من التوصيف إلى أداة هندسة سياسية*

هذا التباين ليس مسألة لغوية، بل مسألة توزيع غير متكافئ لشرعية الهوية في النظام الدولي. بعض الهويات تُمنح افتراض المشروعية السياسية حتى في أشد تجلياتها القومية أو المحافظة، وأخرى تُعامل كقابلية كامنة للتهديد منذ نقطة الانطلاق.
وعندما يُدمج هذا التصنيف داخل عملية انتقال سياسي، فإنه لا يبقى توصيفاً، بل يتحول إلى أداة تنظيم للمجال السياسي ذاته. يُحدَّد سلفاً من يملك حق المنافسة، ومن يُستبعد باسم الاستقرار، ومن يُعاد تعريفه كفاعل مشروط قبل أن يُختبر وطنياً.
هنا لا يختلف التقييم فقط، بل يختلف معيار الشرعية ذاته. الفارق لم يعد في السلوك، بل في افتراض البداية: من يبدأ باعتباره مشروعاً، ومن يبدأ باعتباره موضع اشتباه.
وعند هذه النقطة، لا يعود التصنيف انعكاساً لواقع، بل يصبح فعلاً تأسيسياً يُنتج الواقع الذي يدّعي وصفه. فهو لا يحدد فقط من هو «الخطر»، بل يعيد رسم حدود الممكن السياسي.
والأخطر أن توصيف «الخطر الإسلامي» يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي. في لحظات خروج دولة ما عن ترتيبات مرغوبة، يُستدعى هذا الخطاب لتقييد مسارها أو إعادة ضبط تحالفاتها تحت عنوان الوقاية الأمنية. وهكذا يتحول الخطاب الأمني من توصيف إلى تقنية إدارة، ومن تحذير إلى أداة نفوذ.

*د. السيادة وسلطة التعريف*

وهنا يظهر التناقض مع مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. فإذا كانت الهوية السياسية تُعتبر خياراً سيادياً مشروعاً في بعض الحالات، فإن تحويلها إلى معيار أمني استباقي في حالات أخرى يكشف خللاً في تطبيق هذا المبدأ.
السؤال إذن ليس دفاعاً عن تيار بعينه، ولا تقييماً لتجربة الإسلاميين في السودان.
السؤال يتعلق بسلطة التعريف نفسها:
من يملك حق تحديد ما هو «تطرف» وما هو «خيار سيادي»؟
ومن يقرر متى تكون الهوية الدينية تعبيراً مشروعاً، ومتى تتحول إلى تهديد يستدعي الضبط الخارجي؟
وهل تُترك العملية السياسية لتتشكل عبر إرادة وطنية مفتوحة، أم يُعاد رسم حدودها سلفاً وفق أولويات أمنية خارجية؟
عند هذه النقطة، لا يكون النزاع حول أيديولوجيا، بل حول احتكار تعريف الشرعية ذاتها.
فمن يملك سلطة التصنيف، يملك ضمناً سلطة الإقصاء.
ومن يحدد من هو «التهديد»، يحدد مسبقاً من يحق له أن يكون جزءاً من الدولة.

*٢. خطاب مسعد بولس أمام مجلس الأمن: حين يتحول الحياد إلى أداة إعادة تعريف*

الحياد ليس ادعاءً لغوياً، بل موقعاً بنيوياً داخل المعادلة.
وحتى يكون الخطاب محايداً، لا يكفي أن يتساوى في توزيع اللوم، بل يجب أن يتساوى في توزيع المعايير.
في الخطاب الذي ألقاه مسعد بولس أمام مجلس الأمن بشأن السودان، لم يُعلن انحياز صريح لطرف، ولم يُستخدم قاموس دعم مباشر. بل استُخدمت مفردات تبدو متوازنة: «لا فاعلين صالحين»، «لا حل عسكري»، «شبكات منسقة». غير أن التوازن الشكلي لا يعني الحياد البنيوي.
عندما تُوضع الدولة العضو في الأمم المتحدة في الجملة ذاتها مع ميليشيا مسلحة تنازعها احتكار القوة، فإن المساواة هنا لا تكون حياداً، بل إعادة تعريف لموقع الدولة نفسها.
وعندما يُقيد حق الدولة في استعادة احتكار القوة تحت عنوان «لا حل عسكري»، بينما لا يُقيد بنفس الصيغة الدعم العابر للحدود أو شبكات التمويل، فإن سقف الالتزام لا يُوزع بالتساوي.
الحياد يفترض أن يُعامل الفاعلون وفق معايير قانونية ثابتة، لا وفق سردية عامة تُسوّي بين المختلفين بنيوياً. في القانون الدولي، هناك فرق بين دولة ذات سيادة وكيان مسلح خارج الإطار القانوني. وإذا ذاب هذا الفرق في اللغة، فإن الحياد يتحول إلى إعادة توزيع غير معلنة للشرعية.
الأمر ذاته ينطبق على التصنيف الأمني.
حين يُحذَّر من «شبكات إسلامية منسقة» دون معيار قانوني محدد، ودون تمييز بين العمل السياسي المشروع والعمل العنيف، فإن الخطاب لا يصف خطراً محدداً، بل يرسم دائرة اشتباه واسعة تسبق العملية السياسية نفسها.
هنا لا يكون الخطاب خارج المعادلة، بل جزءاً منها.
لا يقف فوق النزاع، بل يحدد شكل النزاع المقبول، وحدود الفعل المشروع، وسقف المشاركة السياسية.
وفق ميثاق الأمم المتحدة، يقوم النظام الدولي على مبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. الحياد، إذاً، ليس موقفاً أخلاقياً مجرداً، بل التزاماً قانونياً بعدم إعادة تعريف الداخل السياسي لدولة ذات سيادة من خارجها.
وعندما يُستخدم الخطاب لإعادة ترتيب الفاعلين، أو لتحديد المقبول والمستبعد سلفاً، فإن المسألة لا تعود حياداً، بل ممارسة لسلطة تعريف.
عند هذه النقطة، يصبح السؤال أكثر وضوحاً:
هل كان الخطاب يصف واقعاً، أم كان يساهم في إنتاجه؟
فالحياد الحقيقي لا يعيد هندسة المجال السياسي،
ولا يغيّر موقع الدولة داخل المعادلة،
ولا يعيد رسم حدود مشروعيتها.
أما الخطاب الذي يؤثر في تعريف الفاعلين،
فهو لا يكتفي بالتوصيف، بل يمارس فعلاً سياسياً له أثر مباشر في توزيع الشرعية.

*خاتمة الجزء الثالث*

إذا كان الخطاب قد أثّر في كيفية فهم الواقع، وإذا كانت الآليات قد وجّهت مسار العملية السياسية، فإن المسألة في جوهرها لم تعد مسألة توصيف، بل مسألة مرجعية.
لأن تعريف من هو “المشروع” ومن هو “المقيّد” لا يجري في فراغ، بل داخل منظومة تمنح بعض الفاعلين افتراض الشرعية، وتُلزم آخرين بإثبات مشروعيتهم قبل أن يدخلوا المجال السياسي.
وعندما يتداخل التصنيف الأمني مع مسارات الانتقال، لا يصبح الخلاف أيديولوجياً فحسب، بل يتحول إلى سؤال عن الجهة التي تملك تحديد شروط الانخراط السياسي ذاته.
المفارقة أن ذلك يحدث تحت مظلة ميثاق يؤكد المساواة في السيادة وعدم التدخل. غير أن التطبيق يكشف أن السيادة لا تُختبر فقط بوجودها القانوني، بل بقدرتها الفعلية على حماية تعريفها السياسي من إعادة الصياغة الخارجية.
وهنا يتجاوز السؤال حدود السودان، ويتجاوز الإسلاميين، ويتجاوز مسألة الحياد ذاتها.
لأن القضية لم تعد من يُسمح له بالمشاركة،
بل من يملك سلطة تحديد من يُسمح له بالمشاركة.
وعند هذه النقطة، لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام سؤال بنيوي في النظام الدولي:
هل السيادة حق متساوٍ بين الدول،
أم موقع يتحدد بميزان القوة، ويُعاد تعريفه كلما اختلّ هذا الميزان؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط موقع السودان، بل تكشف طبيعة النظام الذي يُعيد ترتيب العالم.
وهنا يبدأ الجزء الرابع.
bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى