ملح الأرض (الخرطوم وأديس أبابا .. فتيل قابل للاشتعال)

بقلم: خالد ماسا

في العاشر من فبراير الجاري نشرت “رويترز” تقريرًا استقصائيًا مدعومًا بصور التقطتها الأقمار الصناعية يقول بوجود “معسكر” للتدريب العسكري في إقليم بني شنقول، يُرجَّح بأنه مستخدم من قبل قوات الدعم السريع التي تقود تمردًا على الجيش السوداني منذ منتصف أبريل 2023م، وأضاف التقرير ما يفيد بتلقي هذه الأنشطة دعمًا من دول سماها التقرير بأنها داعمة لهذا النشاط، وأن عدد القوات التي تتلقى التدريب فيه ما بين 3000 إلى 4000 مقاتل.

التقرير لم يكشف جديدًا فيما يخص الحرب السودانية والتدخل الإقليمي فيها بطريقة أو بأخرى، وهو ما ظلت تشير إليه البيانات الرسمية للخارجية السودانية تجاه بعض دول الجوار، إما بالدعم المباشر أو بتسهيل مرور الدعم العسكري اللوجستي، أو تسهيل انتقال الجنود وإجلاء الجرحى وفتح المطارات.

(*) ملفات ساخنة..

وقبل اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، وبالنسبة لأي متابع يمكنه ملاحظة أن العلاقات السودانية الإثيوبية لم تكن في تمام عافيتها، وأن هنالك عددًا من المحددات كانت ولا تزال تمثل أحد أهم محركات الصعود والهبوط في العلاقات السودانية الإثيوبية.

ملف “الفشقة” والتوترات العسكرية بين البلدين بسبب هذه المنطقة الحدودية بين البلدين، وتوغّل بعض المليشيات الإثيوبية إلى داخل الأراضي السودانية، وإعلان القوات المسلحة السودانية استعادتها لأراضٍ واسعة في العام 2020/2021، كان سببًا في ارتفاع مؤشر التوتر بين البلدين ووصولها إلى حد المواجهة المباشرة.

ملف “سد النهضة” لم تُخفِ الحكومة السودانية في أوقات كثيرة قلقها وانزعاجها من السلوك الإثيوبي في إنشاء السد وتجاهل الملاحظات الفنية التي يتحدث عنها السودان، وكان يرى ضرورة التنسيق بينه وإثيوبيا، بينما كان الجانب الإثيوبي في الغالب يسعى لفصل الموقف السوداني عن الموقف المصري في قضية سد النهضة دون توفير دلائل محسوسة على الأرض تؤكد مراعاتها للمصلحة السودانية وإبعاد المخاوف التي عبّر عنها السودان.

ملف التوترات في إقليم “تيغراي” الإثيوبي لطالما كان يشكل صداعًا مزمنًا لأديس أبابا، كما أن تدفقات اللاجئين الإثيوبيين بكثافة جراء المواجهات العسكرية إلى داخل السودان كان أحد ضوابط العلاقة بين البلدين، في ظل اتهامات متبادلة بين الطرفين بالتدخل في الشأن الداخلي.

“إريتريا” العدو الدائم لإثيوبيا، لطالما كانت أديس أبابا مشغولة بقراءة ملف علاقتها مع الخرطوم من باب أنها مؤشر لطبيعة العلاقة بين أديس أبابا والخرطوم، وأنها ظلت تنظر بعين الريبة لأي تقارب بين أسمرا والخرطوم باعتباره مهددًا غير مريح لأديس أبابا، وحرصت على الدوام على أن تبتعد المسافة بين أسمرا والخرطوم لصالح تقريب المسافات مع أديس أبابا.

(*) الحرب كمتغير جديد..

بالضرورة إثيوبيا كدولة محاذية للسودان على امتداد جغرافي ليس بالقليل، فإنها تنظر للحرب المشتعلة في السودان بعين تأثيراتها على الاستقرار والأمن القومي الإثيوبي، وتدفقات اللاجئين السودانيين بسبب الحرب بأعداد كبيرة إلى الأراضي الإثيوبية، وتأثيرات ذلك على الإقليم الهش أمنيًا فيها بسبب تمرد “تيغراي”. وعطفًا على ذلك فإن التفكير الاستراتيجي لحكومة آبي أحمد محكوم بمصلحة مباشرة لأديس أبابا في تفكك مؤسسة الدولة الرسمية في السودان بسبب الحرب.

ولطالما كانت أديس أبابا تنظر للخرطوم من زاوية النفوذ في الإقليم، وأن هنالك علاقة طردية بين العاصمتين، وأن انشغال الدولة السودانية بالحرب قد يضعفها في معركة النفوذ في الإقليم ومنظماته، وقد ترى أديس أبابا بأن فقدان الخرطوم لمقعدها في الاتحاد الإفريقي يعظم من نفوذها وتأثيرها في الملفات التي أشرنا إليها آنفًا.

وكتبرير للخسائر التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في الجزيرة وجبل موية القريب من ولاية سنار، كانت قد صدرت تصريحات من بعض القادة العسكريين في الدعم السريع تتهم الجيش السوداني بالاستعانة بمقاتلين من “التغراي” قاتلوا إلى جانب الجيش، ويبدو واضحًا هنا أن التصريحات كانت تستهدف استغلال توتر العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم ودق إسفين بين العاصمتين.

انشغال الخرطوم بملف الحرب خفف الضغط كثيرًا على أديس أبابا فيما يخص ملف سد النهضة، وفتح الطريق أمامها للمضي قدمًا في إجراءات الأمر الواقع.

(*) التصعيد..

التقرير الذي صدر عن “رويترز” يفتح العين على تخلي أديس أبابا عن حيادها في حرب السودان، وبرّر للخرطوم اتهامها لإثيوبيا في بيان صادر عن الخارجية صراحة باستغلال أراضيها من قبل الدعم السريع لإطلاق مسيرات تقصد أهدافًا سودانية، وأعطى مؤشرًا خطيرًا لاتساع جغرافيا الحرب في الإقليم.

وبشكل صريح كانت الخارجية السودانية قد وجهت في بيان صادر عنها أصابع الاتهام لإثيوبيا باستغلال أراضيها لإطلاق طائرات بدون طيار لصالح أهداف للدعم السريع، وأنها في نهاية فبراير ونهاية مارس الجاري رصدت ما وصفته بانتهاك السيادة السودانية.

ردة الفعل الإثيوبية كانت باستدعاء السفير السوداني بأديس أبابا وإبلاغه رفض إثيوبيا لما جاء في بيان الخارجية السودانية، ونحن هنا نرى بأن العلاقات السودانية الإثيوبية قد تعدّت مرحلة الخطابات الدبلوماسية المرنة إلى مرحلة التصعيد الذي لا رجعة فيه من المواجهة.

إثيوبيا ليس من مصلحتها على الإطلاق التورط في أنشطة عسكرية، وهي تعلم بأن الأحوال في إقليم أمهرا الهش أمنيًا لا يتحمل المزيد من التصعيد، وأن هكذا سلوك يمكن أن يفتح عليها ما يهدد استقرارها.

أديس أبابا كدولة مستضيفة للاتحاد الإفريقي، وشهدت مؤخرًا اجتماعات مجلس الأمن والسلم الإفريقي، ستجد نفسها في حرج دبلوماسي بالغ حال تورطها في أنشطة تخالف ما تدعو له منظمات الإقليم، وتتوقع من إثيوبيا أن تلعب فيه الدور الداعم للحلول.

التصعيد الدبلوماسي للخارجية السودانية يجعل من أديس أبابا ليست استثناءً من مواقفها المتشددة ضد نجامينا التشادية بسبب تورطها في فتح مسارات الدعم اللوجستي ومطاراتها لقوات الدعم السريع، ولا يختلف حالها عن حال كمبالا التي وجدت نصيبها من استنكار سلوكها حيال حرب السودان وإدانة استضافتها مؤخرًا قيادات من ما يعرف بتحالف “تأسيس”.

لطالما ظلت أديس أبابا تقرأ علاقاتها مع الخرطوم من زاوية دفء العلاقة بينها وأسمرا، والتي هي الأخرى لم تخفِ دعمها للحكومة والجيش السوداني في ظل توترات متصاعدة بين الحين والآخر بينها والحارة إثيوبيا.

“مصر” لم تكن غائبة على الإطلاق من الذهن الدبلوماسي لأديس أبابا، والذي ظل في أوقات كثيرة من مناقشات الملفات التي تجمع الخرطوم وأديس والقاهرة يراهن على خلق تناقض في مصالح مصر والسودان لصالح إثيوبيا، والتي ظلت على الدوام تسعى إلى فصل الموقف السوداني عن الموقف المصري ومنع التنسيق المشترك بينهما متى ما كان ملف سد النهضة حاضرًا.

بما حدث مؤخرًا، والإشارة هنا لما ورد في تقرير “رويترز” وبيان الخارجية السودانية، يلزم أديس أبابا الكثير من المراجعات في موقفها من الحرب في السودان، وأن تضع ألف حساب لخطواتها وتراعي للتكاليف التي يمكن أن تتحملها حال ثبوت تورطها في حرب السودان، وأن استقرارها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار في السودان، وليس من مصلحتها أن تفتح جبهة مواجهة مع الخرطوم، وأن لديها ما يشغل بالها من الملفات المعقدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى