الفريق أول يحي محمد خير احمد يكتب: الراجل الحمش.. فوق الجمر بمش.. ويخلي سمعه زينه

وذكري بدر تحل علينا نذكر أخوة لنا سيخلدهم التاريخ…

ليلة الخيانة… حين وقف الحرس الرئاسي بين الوطن والهاوية

في تاريخ الأمم لحظات فاصلة، لحظات يختصر فيها الزمن نفسه، وتتحول الدقائق إلى صفحات خالدة في كتاب الوطن. ومن بين تلك اللحظات في تاريخ السودان، تقف ليلة الخامس عشر من أبريل 2023 شاهدة على بطولة رجال اختاروا أن يكتبوا أسماءهم بمداد الدم والتضحية.

كانت المؤشرات واضحة… الخيانة تُحاك في الظلام، والمؤامرة تُنسج خيوطها بعناية. الهدف لم يكن موقعاً عسكرياً ولا مبنىً سيادياً فحسب، بل كان القائد العام للقوات المسلحة نفسه، اعتقالاً أو اغتيالاً، في محاولة لكسر عمود الدولة وإدخال البلاد في نفق الفوضى.

لكن بين المؤامرة والوطن وقف رجال.

في تلك الليلة، وقف نادر بابكر المنصوري، قائد الحرس الرئاسي، أمام جنوده في ساحة قصر الضيافة بالقيادة العامة، يتحدث بوضوح القائد الذي يرى المشهد كاملاً. لم تكن كلماته خطاباً عسكرياً تقليدياً، بل كانت وصية مقاتل يعرف أن الساعات القادمة قد تكون الأخيرة.

قالها ببساطة الجندي السوداني الذي لا يعرف التردد:

“أصلو الموت دا نحنا ما خايفين منو… بس كعب تموت وانت ما قرشت ليك معاك كم نفر.”

كانت تلك الكلمات أشبه بجرس إنذار وبشارة في آنٍ واحد. إنذار بمعركة قادمة لا محالة، وبشارة بأن في هذا الوطن رجالاً لا يساومون على شرفهم ولا يتراجعون عن قسمهم.

ذلك المشهد أعاد إلى الأذهان صوراً من التاريخ الإسلامي يوم غزوة بدر، حين وقف المؤمنون قلةً في وجه جيش يفوقهم عدداً وعدة، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه قائلاً:

“اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض.”

وفي تلك الليلة من ليالي السودان، وقف رجال الحرس الرئاسي بنفس الروح… روح اليقين بأن الدفاع عن الوطن ليس مهمة عسكرية فحسب، بل عقيدة وشرف وقَسَم.

لم تكن المعركة متكافئة.

سيول من المهاجمين، ومرتزقة تدفعهم أطماع الخارج وخيانة الداخل.

لكن الحرس الرئاسي وقفوا كما تقف الجبال، يحمون القيادة، ويحرسون رمزية الدولة، ويضعون أجسادهم دروعاً للوطن.

قاتلوا وهم يعلمون أن الشهادة أقرب إليهم من شروق الشمس.

سقط بعضهم أمام أعين رفاقهم، لكن الصف لم ينكسر، والراية لم تسقط، والقسم لم يُخن.

ومضت الساعات… لتبدأ بعدها معركة الكرامة التي يخوضها الجيش السوداني منذ ذلك اليوم دفاعاً عن الدولة والهوية والكرامة.

تمر ثلاث سنوات.

واليوم، يتقدم الجيش السوداني بثبات، يحقق الانتصار تلو الانتصار، مستنداً إلى دماء أولئك الذين كتبوا الفصل الأول من هذه الملحمة.

إن التاريخ لا يخلد الجيوش التي تمتلك السلاح فقط، بل يخلد الجيوش التي تمتلك العقيدة.

والجيش السوداني أثبت أن عقيدته هي الوطن.

إن كلمات اللواء المنصوري لم تكن مجرد خطاب في ليلة حرب، بل كانت وثيقة شرف، ولحظة وعي تاريخي، وكلمة وداع قالها قائد لجنوده قبل أن يدخلوا امتحان التضحية.

ولهذا ستبقى تلك الليلة محفورة في الذاكرة الوطنية…

ليلة وقف فيها رجال قليلون ليحفظوا دولة كاملة.

سيكتب التاريخ أن الحرس الرئاسي في تلك الليلة لم يكونوا مجرد وحدة عسكرية، بل كانوا درع السودان.

وسيتذكر السودانيون دائماً أن هناك رجالاً قالوا للموت:

نحن لا نخافك… لكننا سنجعلك طريقاً إلى المجد.

المجد للأبطال…

الخلود للشهداء…

والنصر للجيش السوداني السائر بثبات في طريق الحق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى