ملح الأرض/ دمج القوات في السودان.. جيش واحد وتحديات متعددة

بقلم: خالد ماسا
ومن نافلة القول أن نشير إلى أن قرارات الدولة تصنعها المؤسسات، وضمان تنفيذها يستند بالأساس على الطريقة التي وُلدت بها وآليات تنفيذها لتحقيق الأهداف المخطط لها. وهذا لا يخرج من ثوابت علم الإدارة المتعارف عليها، والتي تبدأ من تحليل معطيات الواقع المراد تنفيذ القرارات فيه، ومن ثم التخطيط والتنفيذ والتقييم في النهاية. وأي حلقة من حلقات اتخاذ القرار لديها أدواتها، ولكن وبأي حال من الأحوال لا يمكننا القفز في تصريحات المسؤولين في السودان قبل الحرب وبعدها، مدنيين كانوا أو عسكريين، دون وضعها في ميزان القياس لنتعرف كيف يتم التفكير في قضايا الدولة السودانية على تعقيدها المعروف.
ما نحن بصدد التعاطي معه الآن لم يُطرح كمشروع قرار تحت قبة البرلمان يناقشه نواب الشعب ويضعون له الإطار القانوني، بل هو العادة التي باتت تلازم التعامل مع قضايانا المصيرية عبر خطب المنابر المرتجلة، وبحسب الانفعال اللحظي للمؤثرين في القرار والمتفاعلين معه. ومن بعدها يمكن جداً أن يجد القرار طريقة للتنفيذ، باعتبار أن التفاعل من جمهور المستمعين يعتبر بمثابة استفتاء على شأن عام.
(*) نيفاشا.. جيشان وقوات مشتركة
الحديث الذي أطلقه الفريق أول ياسر العطا الأسبوع المنصرم أمام حشد كان يستمع إليه بإنصات في وقت، وبهتاف مؤيد في وقت آخر، في إجماله لم يخرج من فكرة هتاف “جيش واحد.. شعب واحد”. وهو من نوعية الهتافات التي لا يمكن أن نحبسها في حدود مخاطبة أشجان الشارع وإلهاب حماسته، بل هو تعبير عن إطار عام لتطبيق مفهوم الجيش القومي الواحد، وتعبير عن الأمة السودانية الواحدة.
وهي شجون كبرى يتعلق بها الوجدان السياسي السوداني منذ زمن ليس بالقريب، باعتبار أن التعدد في البنادق التي تحتكر العنف في الدولة واحد من التعقيدات التي لازمت الدولة منذ استقلالها، والتناسل الملازم للقوى العسكرية ليس بدعة صنعتها حرب أبريل. فالتاريخ السياسي في السودان عرف تعدد الحروب، وفيها كانت هنالك بندقية تخرج لتستقل بنفسها خارج إرادة الدولة، بغطاء سياسي أو بدونه، والتمرد على الجيش بعد 1956م كان البداية الواضحة لذلك.
في اتفاقية أديس أبابا للسلام 1972م كان المشروع في إجماله مشروع اتفاق سياسي يسكت أصوات البنادق، إلا أنه كذلك كان اعترافاً ضمنياً مؤقتاً بتعدد الجيوش، بغرض إدارتها عبر فترة انتقالية تتضمن ترتيبات سياسية تحقق المرتجى من “شعب واحد”، وعسكرية تضمن للدولة “جيشاً واحداً”.
ويبدو الأمر أكثر وضوحاً عندما تم توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005م بين الحكومة السودانية آنذاك والجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA)، حيث تم وبشكل عملي الاعتراف بوجود قوتين عسكريتين. بل وكانت ترتيبات الفترة الانتقالية هي الضامن لاحتفاظ كل من طرفي اتفاقية السلام الشامل (CPA) بجيشه خلال الفترة الانتقالية التي قررتها الاتفاقية. وبمعنى أكثر وضوحاً، فإن الاتفاقية لم تلغ وجود جيوش متعددة بقدر ما وضعت أسساً لإدارة العلاقة بينهما.
جاءت اتفاقية جوبا للسلام 2020م بذات المدرسة الواقعية التي تعترف بوجود قوات متعددة وترتيبات أمنية بجداول زمنية محددة لإدارة العلاقة بينها وإيجاد قوة مشتركة. وهذان النموذجان كرسا في الواقع السوداني فكرة التسويات العسكرية أكثر من نموذج تفكيك الجيوش وإعادة بنائها، بمثل ما ينادي البعض، أو الاحتفاظ بها كفكرة توازي الإصلاحات الأمنية والعسكرية.

(*) اتفاق سياسي وواقع عسكري معقد..

وهذا هو الفضاء الذي جاءت فيه اتفاقية سلام جوبا.
جيش نظامي إضافة إلى قوات شبه عسكرية وحركات مسلحة موقعة على الاتفاق طرح مجموعة من المبادئ تخاطب هذا الواقع المعقد، تمثلت في مبدأ إعادة هيكلة القوات المسلحة بحيث تصبح مؤسسة قومية تنتفي فيها الانتماءات السياسية والجهوية، ووضع منهج وتدابير للدمج في القوات المسلحة وفقاً للقواعد المرعية في ذلك، والتسريح والدمج المدني لكل المقاتلين الذين لم تشملهم برامج الدمج في الجيش، وإسناد مسؤولية حماية المدنيين في دارفور وكل مناطق النزاع لقوات مشتركة، كتمهيد لبناء جيش وطني واحد.
بواقع الحال فإن ذلك لم يكن ممكناً لأسباب متعددة، أهمها عدم توفر كامل الثقة لدى الأطراف الموقعة للاتفاقية بفكرة تسليم السلاح وتفكيك الحركات، خاصة وأن الجدل لم يُحسم بطريقة واضحة حول ملف الترتيبات الأمنية. وفوق ذلك ضعف التمويل اللازم لعمليتي الدمج والتسريح وتعويضات الجنود المسرحين. وكانت قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م هي القندول الشنقل الريكة، فعطلت الاتفاقية وترتيباتها الأمنية معاً.
(*) تحديات قانونية وإجرائية
التعامل مع فكرة دمج الجيوش وكأنها يمكن أن تتم بإصدار أوامر عسكرية فقط فيه ابتسار للفكرة وتقليل من تعقيداتها. وعلى الرغم من الاتفاق نظرياً بين كل فرقاء المشهد السياسي العام في السودان حول ضرورة وجود جيش مهني وقومي واحد ينشأ وفق أسس دستورية، إلا أن تنفيذ ما لوّح به عضو مجلس السيادة يحتاج أولاً لإجابات على أسئلة ذات طابع قانوني.
فعلى سبيل المثال، فإن الترتيبات الأمنية هي جزء من الاتفاق السياسي الذي تم، وبالضرورة فإن أي تعديلات عليها يتطلب التفاوض حول الاتفاق السياسي نفسه.
الحرب خلقت واقعاً جديداً في المشهد العسكري، صارت بموجبه قوات الدعم السريع قوة متمردة على الجيش، بعد أن كانت تشكيلاً عسكرياً ينشأ وفق قانون أجازه البرلمان.
الحرب أيضاً رسخت مفاهيم أصبحت حاكمة في العقل السياسي السوداني، وهي أن أي مشروع سياسي أو مطالب اجتماعية يلزمها قوة عسكرية حتى يتم الاعتراف بها أو بالمظالم التاريخية كمشروع سياسي، والتي دخلت النادي السياسي في السودان من باب العمل العسكري.
والشاهد هنا، لفحص الأثر الكبير الذي أوجدته الحرب في السودان، أنه وعلى الرغم من وجود تصريحات الانتماء للقوات المسلحة والائتمار بأمرها والالتزام بفكرة الجيش الواحد، إلا أن التحذير المشدد الذي أطلقه القائد العام للجيش قبل أيام، قاصداً مجموعة موجودة في الميدان بعدم الخروج عن خط الجيش والدولة، ويضاف إليها التصريحات الأخيرة لعضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا، تقول بأنه لا شيء عملياً ومحدداً في هذا الاتجاه، وأن الحالة السودانية متى ما ضاق صدر شارعها السياسي كان ذلك سبباً في تناسل جديد للمليشيات، لسانها وبرنامجها البندقية، امتثالاً لقاعدة قديمة استنها رئيس النظام المخلوع عندما قال:
“الزارعنا غير الله يقلعنا”.
مع استمرار الحرب حالياً قد لا يكون التوقيت مناسباً للشروع عملياً في تنفيذ فكرة الدمج والتسريح، وما من ضمانات يمكن أن تكبح رغائب بعض من يحمل السلاح الآن في السلطة. إضافة إلى أن العملية نفسها، وفي كل تجارب العالم، كانت تحتاج إلى تمويل مالي يقابل تكاليف عملية الدمج والتسريح والتدريب، وهو غير المتاح الآن في ظروف الحرب المستمرة. فالمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي والمانحين لديهم اشتراط توقف الحرب أولاً كشرط مبدئي للانخراط في تمويل المشاريع ذات العلاقة بدمج القوات.
عملية دمج وتسريح القوات ليست عملية إدارية فقط، بل هي سلسلة عمليات معقدة، أهمها مسألة العقيدة العسكرية الواحدة لجيش قومي واحد، لمجموع حركات مسلحة أنشئت على أساس قبلي وبدوافع سياسية متباينة. ويظل الوضع الاقتصادي الذي فرضته الحرب على السودان العائق الأكبر أمام تحمل نفقات عملية تفكيك الجيوش المتعددة لصالح جيش قومي واحد.
الأوضاع الماثلة الآن أيضاً تدفعنا للقول إن البندقية قد فتحت أبواباً للفساد يصعب إغلاقها بسهولة، لارتباط النشاط المسلح بأنشطة تجارية وشبكات فساد في التعدين والتجارة والاحتكار. والتنازل عن مثل هذه الامتيازات دون مقابل في امتياز سياسي يجعل الأمر صعباً وأكثر تعقيداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى