هناك فرق .. منى ابو زيد // السودان في ظل حرب لا تخصه..!

“حينما تتغير خرائط النار في إقليم ما، تبدأ بعض الحروب البعيدة في إعادة تعريف نفسها”.. الكاتبة..!

حينما تتواجه دولتان مثل إيران وإسرائيل فإن الخرائط لا ترتجف فقط في الشرق الأوسط، بل ترتبك معها بعض الحروب التي كانت تعيش على هامش الضوء. وفي عالم السياسة، الحروب ليست مجرد جبهتان، بل شبكات دعم، وتمويل، وتحالفات، وانتباه دولي. وأحياناً يكفي أن تنشغل العيون والسواعد الكبرى حتى تتغير قواعد لعبة كاملة في مكان بعيد – عن إقليم الحرب الكبرى – مثل السودان..!

الحرب السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تكن يوماً حرباً محلية خالصة، شأنها شأن معظم حروب هذا العصر، معلوم أنها حرب محلية بأصابع خارجية. فبعض الأطراف الإقليمية والدولية لم يكونوا مجرد مراقبين، بل كانوا – بدرجات متفاوتة – جزءاً من إبياذة الخراب..!

لكن حين تندلع مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بين إسرائيل وإيران، فإن كل اللاعبين الإقليميين يعيدون ترتيب أولوياتهم. الدول التي كانت تدير ملفات بعيدة تبدأ فجأة في تقليص حضورها، ليس لأن تلك الملفات فقدت أهميتها، بل لأن الحريق الأقرب دائماً يأخذ الماء أولاً..!

هنا تحديداً يبدأ السؤال السوداني “ماذا يحدث للحروب المحلية المدعومة من الخارج عندما تنفجر الحروب الدولية الكبرى؟. الجواب الأول بسيط في ظاهره” تقل الموارد، ويتراجع الانتباه”. الدول التي كانت تقدم دعماً سياسياً أو مالياً أو لوجستياً تجد نفسها مضطرة لإعادة توزيع جهودها. فالدولة التي تشعر بأن توازنها الإقليمي مهدد لن تستمر طويلاً في إدارة نزاعات بعيدة بنفس الزخم..!

لكن السياسة – كعادتها – أكثر تعقيداً من مثل هذا البسيط. فانشغال العالم بحرب كبيرة قد يخلق تأثيرين متناقضين على الحرب السودانية في آنٍ واحد. التأثير الأول هو التهدئة غير المقصودة. عندما يقل التمويل الخارجي، وتضعف خطوط الإمداد، وتتراجع الضغوط السياسية، تجد الأطراف المحلية نفسها مضطرة للاعتماد أكثر على قدراتها الذاتية. وفي حروب طويلة مثل الحرب السودانية، غالباً ما يكون الإرهاق العسكري والاقتصادي مقدمةً لفتح نوافذ التفاوض..!

لكن التأثير الثاني قد يكون التصعيد المؤقت، لأن بعض الأطراف في الحروب المحلية تدرك أن العالم مشغول، وأن عدسات الكاميرات تحولت إلى جبهات أخرى. وفي غياب الرقابة الدولية، قد تحاول هذه الأطراف تحقيق مكاسب سريعة على الأرض قبل أن يعود إليها الضوء الدولي مرة أخرى..!

وهنا تظهر المفارقة التي يعرفها التاريخ جيداً،

أحياناً تمنح الحروب الكبرى فرصة للحروب الصغيرة كي تتنفس، وأحياناً تمنحها فرصة كي تتوحش.

أما السؤال الأهم فهو “هل سيكون تأثير الحرب الإسرائيلية الإيرانية على السودان طويلاً أم مؤقتاً..!

الإجابة تعتمد على طبيعة تلك المواجهة. فإذا كانت مواجهة قصيرة أو محدودة، فإن الاهتمام الدولي سوف يعود سريعاً إلى الملفات المؤجلة، ومنها السودان. أما إذا تحولت إلى صراع إقليمي طويل، فإن كثيراً من النزاعات الثانوية في المنطقة – ومن بينها الحرب السودانية – قد تدخل مرحلة إعادة تشكيل بطيئة..!

ليس لأن السودانيين سيغيرون مواقفهم فجأة، بل لأن البيئة الإقليمية التي كانت تغذي الصراع ستتغير.

في السياسة، مثلما في الطبيعة، لا تبقى التوازنات ثابتة طويلاً. والحروب الكبرى تشبه الزلازل التي قد لا تسقط البيت البعيد فوراً لكنها تغيِّر الشقوق في جدرانه..!

والسودان اليوم يقف داخل هذه الشقوق.

فإذا انشغلت القوى الخارجية طويلًا، قد يجد السودانيون أنفسهم – لأول مرة منذ بداية الحرب – مضطرين لمواجهة سؤال لم يستطيعوا الهروب منه طوال ثلاثة أعوام إلا قليلاً. هل يمكن للحرب أن تستمر دون رعاة..!

ولأ الحقيقة التي يخفيها ضجيج السلاح دائماً بسيطة ومؤلمة في آنٍ واحد، فإن الحروب المحلية نادراً ما تموت وحدها، لكنها أيضاً لا تعيش طويلاً عندما يتوقف الآخرون عن إطعامها!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى