البعد الخامس : *من صناعة الحرب إلى أزمة الحياد: هل تغيّرت معادلة الخليج بعد حرب إيران؟*

الجزء الأول: كيف صُنعت الحرب: من فبركة التهديد إلى هندسة التصعيد

*بقلم. صباح المكي*

نادراً ما تبدأ الحروب في الميدان وحده. تبدأ أولاً في اللغة، ثم في الصورة، ثم في التفسير السياسي الذي يُعاد فرضه على الوقائع حتى يبدو التصعيد ضرورة لا قراراً. وهذا ما حدث في الأسابيع التي سبقت عملية «الغضب الملحمي» وما تلاها من تصعيد واسع مع إيران. فقد صاغت إدارة دونالد ترامب خطاباً متدرجاً بدأ بالحديث عن تهديد نووي وشيك، وبرامج تسليح خفية، وقدرات صاروخية متعاظمة، لكنه لم يتوقف عند حدود الردع، بل مضى شيئاً فشيئاً نحو غاية أوسع: تهيئة المناخ السياسي لفكرة تغيير النظام في إيران. لكن مراجعة هذه الادعاءات، في ضوء تقارير مدققي الحقائق، وتقييمات خبراء منع الانتشار، ومواقف أجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها، تكشف أن الأمر لم يكن توصيفاً دقيقاً لخطر داهم بقدر ما كان بناءً متدرجاً لسردية تهديد صُممت لتجعل الحرب تبدو حتمية، وتُضفي على فكرة تغيير النظام مظهراً من مظاهر الضرورة الاستراتيجية.

*التضليل الرقمي وصناعة أجواء الحرب*

مع تصاعد التوتر، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور زُعم أنها توثق أسر عناصر من قوة دلتا الأمريكية داخل إيران، ما غذّى الانطباع بأن واشنطن ربما انزلقت بالفعل إلى مواجهة برية مباشرة.

لكن الصور لم تكن حقيقية. فقد أكد مدققو الحقائق أنها مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، وظهرت فيها مؤشرات واضحة على ذلك، من العلامة المائية لأداة جيميني التابعة لجوجل إلى التشوهات البصرية المعروفة في هذا النوع من المحتوى. والمفارقة أن ترامب نفسه كان قد استبعد علناً إرسال قوات برية إلى إيران. ومع ذلك، أدت هذه الصور وظيفة سياسية ونفسية بالغة الأثر: لم تثبت حرباً برية، لكنها ساهمت في تطبيع تصورها وجعلها جزءاً من مناخ التصعيد.

*مفاعل طهران: كيف تُصنع الذريعة التقنية*

أحد الأعمدة المركزية في خطاب الإدارة الأمريكية كان مفاعل طهران للأبحاث. فقد جرى تقديمه كما لو كان غطاءً تقنياً يُستخدم لإخفاء أنشطة مرتبطة بتسليح نووي أو لتخزين مواد حساسة. غير أن هذا الادعاء واجه سريعاً تفنيداً من خبراء منع الانتشار النووي.

فالمفاعل المذكور هو مفاعل أبحاث صغير يعمل بالماء الخفيف، أنشأته الولايات المتحدة نفسها عام 1967 في إطار برنامج «الذرة من أجل السلام»، ووظيفته الأساسية إنتاج النظائر المشعة للاستخدامات الطبية والزراعية. وقد وصفت إيلينا سوكوفا، المديرة التنفيذية لمركز فيينا لنزع السلاح ومنع الانتشار النووي، تقييم الإدارة الأمريكية بأنه «مربك ومضلل» وينطوي على أخطاء فنية واضحة. فالمفاعلات البحثية من هذا النوع لا تخصب اليورانيوم أصلاً، ولا تصلح كمخازن تشغيلية لمواد أسلحة نووية. وبذلك، فإن أحد أبرز المبررات الفنية التي جرى تسويقها للرأي العام لم يكن مجرد مبالغة، بل كان مفتقراً إلى الدقة العلمية من أساسه.

*المفاوضات التي لم تكن: كذبة «القنابل الإحدى عشرة»*

في مقابلة على قناة فوكس نيوز، قدم المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف واحدة من أكثر الروايات إثارة في تبرير التصعيد. فقد ادعى أن المفاوضين الإيرانيين تفاخروا خلال محادثات جنيف بامتلاك ما يكفي من اليورانيوم المخصب لصنع 11 قنبلة نووية، مضيفاً أنهم كانوا «فخورين بذلك». لكن هذه الرواية لم تصمد أمام ما نقله دبلوماسي خليجي مطلع مباشرة على مجريات المحادثات.

فبحسب هذه الشهادة، لم يتفاخر الإيرانيون بامتلاك مادة تكفي لصنع قنابل، بل شرحوا أن التخصيب الذي لجؤوا إليه جاء بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015. والأهم أنهم أبلغوا الجانب الأمريكي باستعدادهم للتخلي الكامل عن اليورانيوم المخصب في إطار اتفاق جديد مقابل رفع العقوبات. وقد أظهرت التقارير المتعلقة بالمقترح الأمريكي أن مسألة تصدير مخزون اليورانيوم المخصب خارج إيران كانت مطروحة بالفعل داخل المسار التفاوضي. وهنا تتجلى المفارقة: المادة التي قُدمت باعتبارها قرينة على خطر وجودي وشيك كانت في الواقع جزءاً من مادة التفاوض الممكن. لم تكن المسألة إذن مجرد تهويل سياسي، بل إعادة تفسير لمسار تفاوضي باعتباره إنذاراً عسكرياً.

*ادعاء الصاروخ العابر للقارات الذي لم تؤكده الاستخبارات*

في خطابه أمام الكونغرس، قال ترامب إن إيران تعمل على تطوير صواريخ ستتمكن قريباً من الوصول إلى الولايات المتحدة. بدا التصريح مصمماً لتحويل إيران من تهديد إقليمي إلى تهديد مباشر للأراضي الأمريكية. غير أن هذا الادعاء لم يجد ما يسانده في التقييمات الاستخباراتية المتاحة.

فقد نقلت رويترز عن مصادر مطلعة أن تصريح الرئيس كان مبالغاً فيه ولا يستند إلى تقييم استخباراتي مؤكد. وحتى داخل الإدارة نفسها، جاءت اللغة أكثر تحفظاً. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن إيران قد تصبح «قادرة يوماً ما» على تطوير مثل هذه القدرات، من دون الحديث عن تهديد وشيك. كما ظل تقدير وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية يشير إلى أن إيران لن تمتلك صاروخاً عابراً للقارات قابلاً للعمل قبل عام 2035 على الأقل إذا استندت إلى تقنيتها الحالية. وهنا أيضاً يظهر النمط نفسه: ليس توصيف الخطر كما هو، بل رفعه إلى مستوى يخدم الانتقال من الردع إلى التبرير السياسي للحرب.

*حصيلة قتلى المتظاهرين: رقم تجاوز التقديرات المتاحة*

في السياق نفسه، قال ترامب أمام الكونغرس إن السلطات الإيرانية قتلت 32 ألف متظاهر خلال الاحتجاجات. والرقم، بحجمه ووقعه، يؤدي وظيفة سياسية واضحة: شيطنة الخصم إلى أقصى حد وصناعة مناخ أخلاقي يجعل التصعيد ضده أقرب إلى الواجب.

لكن هذا الرقم لم يكن منسجماً مع التقديرات الحقوقية المتاحة آنذاك. فقد نقلت رويترز، في 31 يناير 2026، عن وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA)، وهي جهة حقوقية مقرها الولايات المتحدة وتعتمد على شبكة من النشطاء داخل إيران وخارجها، أن الحصيلة بلغت 6,563 قتيلاً على الأقل، بينهم 6,170 متظاهراً و214 من عناصر الأمن. وحتى وفق هذا التحديث اللاحق، بقي الرقم الذي استخدمه ترامب أعلى بكثير من الأرقام الموثقة.

*التناقض داخل واشنطن*

ربما لم يكن أخطر ما في هذه السردية ادعاءً بعينه، بل الهوة بين خطاب الإدارة التعبوي والتقدير الرسمي الصادر عن أجهزتها الاستخباراتية. فبينما مضى ترامب في تصوير إيران بوصفها مشروعاً نووياً متحفزاً تقوده «طموحات خبيثة»، كانت المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فقد أكدت تولسي جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، في تقرير رسمي، أن مجتمع الاستخبارات الأمريكي لا يزال يقدّر أن إيران لا تبني أسلحة نووية.

ولم يكن هذا التقييم معزولاً، بل انسجم مع موقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقد أكد رافائيل غروسي، مديرها العام، قبيل الضربات مباشرة، أن الوكالة لا تملك دليلاً على أن إيران تبني قنبلة نووية، وأنها لم تكن على بعد أيام أو أسابيع من امتلاك واحدة. وهنا تتضح المفارقة: بينما كان الخطاب السياسي يدفع نحو الحرب بمنطق الخطر الوشيك، كانت المؤسستان الاستخباراتية والرقابية تنزعان عن ذلك الخطر صفة الإلحاح التي بُنيت عليها شرعية التصعيد.

ومن هذه الفجوة جاءت مداخلة النائبة فيرونيكا إسكوبار حادة وقاطعة، لا بوصفها اعتراضاً حزبياً عابراً، بل إدانة مباشرة لمنهج كامل في صناعة الحرب. إذ قالت: «إما أن إدارة ترامب كانت تكذب آنذاك، أو أنها تكذب الآن حين تزعم أن بلادنا تواجه تهديداً وشيكاً. ولأن الرئيس وأعضاء إدارته كذبوا على الشعب الأمريكي بهذه السهولة، فلا يمكن التعامل مع أقوالهم بجدية». ولم يكن جوهر هذا الاتهام في قسوته، بل في أنه أصاب لبّ المسألة: لم تكن الأزمة أزمة معلومات، بل أزمة تسخيرٍ سياسي للمعلومات من أجل إنتاج ذريعة.

*ما وراء السردية: من الذي دفع فعلاً نحو الحرب؟*

إذا كانت الذرائع المعلنة لا تصمد أمام التدقيق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي دفع فعلاً نحو الحرب؟

الجواب لا يكمن في الخطاب الرسمي وحده، بل في تقاطع استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد مع حسابات سياسية أمريكية داخلية. فالحرب لم تكن مجرد رد فعل على تهديد نووي وشيك، بل لحظة التقت فيها رغبة إسرائيل في إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي مع حاجة البيت الأبيض إلى إنجاز صاخب يعيد تشكيل المشهد السياسي في الداخل.

*المهمة الوجودية لإسرائيل وأجندة نتنياهو*

كان ثمة شبه إجماع بين عدد كبير من المحللين وخبراء الجغرافيا السياسية على أن إسرائيل كانت المحرك الرئيسي لهذا الصراع. وبالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، لم تكن الحرب مع إيران مجرد خيار تكتيكي، بل تتويجاً لمهمة طويلة الأمد امتدت على مدى أربعة عقود. تهدف إلى إنهاء ما تعتبره إسرائيل تهديدها الوجودي الأول.

*فرصة ما بعد 7 أكتوبر*: منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، تحركت حكومة نتنياهو ضمن مسار واضح لتفكيك «محور المقاومة» المحيط بإسرائيل، من حماس وحزب الله إلى إيران بوصفها الراعي الاستراتيجي لهذا المحور. ومن هذا المنظور، لم تكن الحرب الحالية انحرافاً عن هذه الاستراتيجية، بل امتداداً منطقياً لها.

*وضع الأجندة:* نجحت القيادة الإسرائيلية في فرض منطقها على مسار التصعيد، ودفع الولايات المتحدة إلى التحرك داخل الإطار الذي رسمته هي. وقد عزز هذا الانطباع إقرار ماركو روبيو بأن واشنطن دخلت الحرب بعقلية «الضربة الاستباقية»، جزئياً لاحتواء تداعيات هجوم إسرائيلي لم تستطع منعه. كما أقر ترامب لاحقاً بأن إدارته كانت تعرف بخطط إسرائيل، وأنها حاولت دفع إيران إلى اتفاق قبل انقضاء مهلة كان قد حددها. وهذا يكشف حجم التداخل بين المسارين الأمريكي والإسرائيلي، ويجعل من الصعب النظر إلى الحرب بوصفها استجابة أمريكية مستقلة بالكامل.

*البعد الديني ونهاية الأزمنة*

إلى جانب الحسابات الأمنية والسياسية، أحاطت بالحرب لغة دينية متصاعدة داخل بعض الدوائر اليمينية الإنجيلية في الولايات المتحدة. ففي هذه الأوساط، لم تُقرأ المواجهة مع إيران بوصفها صراعاً جيوسياسياً فحسب، بل جرى تأطيرها أحياناً ضمن سردية «نهاية الأزمنة» و«هرمجدون». كما ظهرت تقارير تفيد بأن بعض الجنود الأمريكيين اشتكوا من استخدام رؤسائهم لغة دينية متطرفة لتبرير الحرب باعتبارها جزءاً من «خطة إلهية». وهذا لا يعني أن الحرب كانت دينية في أهدافها الرسمية، لكنه يعني أن التصعيد تغذّى أيضاً بخيال أيديولوجي خلاصي منح الصراع، في بعض الخطابات المحيطة به، معنى يتجاوز الردع والاستراتيجية إلى أفق أكثر خطورة واندفاعاً.

*الخلاصة: الحرب التي بدأت في السردية*

عند جمع هذه الخيوط معاً، يصعب قبول الرواية التي قدمت الحرب بوصفها استجابة مباشرة لتهديد نووي وشيك. فالمشهد الذي يتكشف أكثر تركيباً: تضليل إعلامي ورقمي، مبالغات تقنية واستخباراتية، إعادة تأويل للمفاوضات بوصفها قرائن حرب، واستراتيجية إسرائيلية دفعت باتجاه التصعيد وكسر إيران.

بهذا المعنى، لم تكن الحرب نتيجة حدث مفاجئ، بل ثمرة هندسة تدريجية للضرورة. لكن ما إن بدأت حتى ظهرت مفارقتها الأولى: الحروب التي تُصنع بسهولة في السردية لا تسير دائماً وفق الأهداف التي أُعلنت لها.

ومن هنا يبدأ *الجزء الثاني: حين تعثرت الحرب، ووجد ترامب نفسه بين الارتباك والبحث عن مخرج، بينما تمسّك الخليج برفض الانخراط*.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى