حاجب الدهشة .. علم الدين عمر : وزارة الإعلام..إنصاف مجلس الوزراء وضرورة المراجعة..

ومما رسخ في ذاكرتي من مقولات شيخ العرب إسماعيل.. إبن العمدة الطاهر (أبوكلابيش) شقيق الوزير والبرلماني الشهير محمد أحمد أبوكلابيش (الخارطة ليست هي الطريق).. التي كان يصر علي قولها كلما أستدعت الحاجة المراجعة والتقويم للقرارات في أمر الناس والأحداث.. وحين تصبح القرارات الإدارية الصغيرة جزءاً من الصورة العامة للدولة وهي تعيد ترتيب أدواتها في مواجهة الأزمات..تصبح المراجعة طريقاً سالكاً للنجاح.. ومن بين القرارات التي تستحق اليوم مراجعة هادئة ومسؤولة.. القرار المتعلق بسحب صفة الناطق الرسمي بإسم الحكومة من وزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار.. ليس لأن المنصب في ذاته يمثل قيمة رمزية فحسب..بل لأن طبيعة هذه المرحلة تُظهر بوضوح أن وظيفة الناطق الرسمي هي في جوهرها إمتداد طبيعي لدور الوزارة ومسؤولياتها المؤسسية في إدارة الخطاب الإعلامي للدولة..
ففي التجارب الحكومية المعاصرة لا تُعد صفة الناطق الرسمي تكليفاً شخصياً بقدر ما هي وظيفة مؤسسية متصلة ببنية وزارة الإعلام نفسها.. وبالدور الذي تضطلع به في إدارة الرواية الوطنية..وتنسيق الرسائل الرسمية.. وشرح السياسات العامة للرأي العام.. ومع اتساع معركة الرواية التي تخوضها الدولة السودانية منذ إندلاع الحرب..يصبح من المنطقي إعادة النظر في ذلك القرار.. ليس من زاوية الأشخاص.. ولكن من مقتضيات المرحلة وأولوياتها..
وإذا كانت السياسة في نهاية المطاف هي فن قراءة اللحظة وإدارة الممكن فإن تقرير أداء مجلس الوزراء لعام 2025 قدم دليلاً عملياً على الدور المحوري الذي لعبته وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث..بل في تاريخه كله..
فقد أظهر التقرير تصدر الوزارة قائمة الوزارات الأكثر تقديماً للموضوعات التي نوقشت في مجلس الوزراء..بعد أن قدمت ثمانية ملفات كاملة جرى إعدادها عبر اللجان الفنية المختصة وإجازتها جميعاً داخل المجلس.. وهذه ليست مجرد أرقام إدارية في تقرير سنوي.. بقدر ما هي مؤشر على حيوية مؤسسة حكومية ظلت تعمل تحت ضغط إستثنائي.. وفي ظروف حرب شملت الدولة ومؤسساتها..ومجتمعها وهوامشه..
وراء هذا الأداء يقف فريق عمل صغير نسبياً في عدده لكنه كبير في أثره يتقدمه الوزير خالد الإعيسر الذي وجد نفسه منذ إندلاع الحرب في موقع بالغ الحساسية.. فقد كان على الرجل أن يدير قطاعاً واسعاً يضم الإعلام والثقافة والآثار والسياحة..في وقت كانت فيه البلاد تواجه حرباً شرسة إستهدفت بنيتها المؤسسية وروايتها الوطنية في آن واحد..
لم تكن المهمة سهلة بالطبع.. فقد تعرض الإعيسر.. كما هو معلوم في الأوساط السياسية والإعلامية.. لسلسلة من الضغوط ومحاولات التعطيل والتكبيل..ولو لم يكن الرجل مسلحاً بعزيمة قوية وصبر طويل وثقة راسخة من القيادة السياسية.. لكان من السهل أن يختار طريقاً أقل كلفة.. وأن يغادر المشهد تماماً.. عائداً إلى حياته المهنية في بريطانيا حيث ينتظره عمل ناجح وشبكة علاقات واسعة.. وظهور دائم في الفضائيات الدولية..
غير أن الرجل إختار البقاء في موقعه.. وهو قرار لا يمكن فهمه إلا في إطار العلاقة التي تربطه برئيس الوزراء ورئيس مجلس السيادة وأعضاء المجلس..وهي علاقة تقوم على الثقة في إمكانياته الشخصية وهمته العالية ووطنيته التي يصعب المزايدة عليها..
وقد إنعكست هذه الثقة في الأداء المؤسسي للوزارة خلال عام 2025.. حيث تحولت إلى واحدة من أكثر المؤسسات الحكومية نشاطاً رغم شح الموارد والظروف الإستثنائية التي فرضتها الحرب..
فخلال عام واحد فقط نظمت الوزارة خمسين مؤتمراً صحفياً لتقديم تنويرات منتظمة حول تطورات الأوضاع وأنشطة مؤسسات الدولة.. في محاولة منظمة لكسر الضباب الإعلامي الذي أحاط بالحرب.. كما لعبت دوراً مهماً في إعادة ربط السودان بالمجتمع الدولي في مجالات الثقافة والتراث.. عبر تفعيل إتفاقيات ظلت مجمدة لسنوات طويلة تتعلق بحماية الممتلكات الثقافية ومنع الإتجار غير المشروع بالآثار..
كما أسهمت الوزارة في إسترداد عدد من الآثار المنهوبة.. وأعادت تنشيط التعاون مع بعثات التنقيب الدولية.. إلى جانب ترتيب زيارات لوفود صحفية عربية وأجنبية للإطلاع على آثار الحرب على الأرض.. وهي خطوة هدفت إلى نقل صورة واقعية عن الصراع بعيداً عن الروايات الدعائية التي حاولت تشويه حقيقة ما جرى..
وفي المجال الإعلامي..شهدت المؤسسات القومية تطوراً ملحوظاً مقارنة بعام 2024.. سواء في التغطيات أو في الأداء البرامجي.. إلى جانب توسع البث الإذاعي وإعادة تشغيل عدد من المؤسسات التي توقفت بسبب إعتداءات المليشيا المتمردة..
لكن أكثر ما يمنح هذه التجربة بعدها الحقيقي هو الثمن الذي دفعه بعض العاملين في القطاع.. فقد قدمت الوزارة شهداء في أكثر من حادثة.. وأستُهدف الإعلام كفصيل متقدم في معركة الدفاع عن الدولة..
كل ذلك لم يكن عملاً فردياً بالطبع.. فقد عمل إلى جانب الوزير فريق متماسك يضم وكيلة الإعلام الأستاذة سمية الهادي..ووكيل الثقافة الدكتور جراهام عبدالقادر.. ومديري الإدارات العامة.. ومنسوبي الهيئات والمؤسسات الإعلامية الرسمية..وفي مقدمتها وكالة السودان للأنباء التي ظلت تمثل صوت السودان الرسمي في مواجهة محاولات التعتيم والتشويش..والتلفزيون القومي والإذاعة القومية..
واليوم..ومع صدور تقرير أداء مجلس الوزراء..تبدو هذه النتيجة بمثابة شهادة مؤسسية على تجربة وزارة ظلت تعمل في صمت نسبي بينما كانت الدولة كلها تخوض معركة وجود.. وهي شهادة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم،..بقدر ما ترتبط بفكرة الدولة نفسها حين تصر على أن تبقى مؤسساتها فاعلة تحت كل الظروف..
وفي مثل هذه اللحظات تحديداً يصبح من الحكمة أن تُراجع الدولة أدواتها.. وأن تعيد النظر في بعض القرارات الإجرائية التي أُتخذت في ظروف مختلفة..فمعركة الرواية الوطنية لا تقل أهمية عن معركة الميدان.. ووزارة الإعلام بطبيعتها المؤسسية تظل المكان الأكثر منطقية لإدارة هذه المهمة..
ولهذا ربما يكون الوقت مناسباً لإعادة الإعتبار للدور الكامل للوزارة..بكل وظائفه المؤسسية..بما في ذلك موقع الناطق الرسمي للحكومة.. حتى تكتمل الحلقة بين الأداء الفعلي على الأرض والرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج..
فالدولة تحتاج دائماً إلى صوت واضح وأتساق منطقي بين الخط السياسي والإعلامي..



