نقطة ارتكاز/ مرتضى ميرغني: “كسر الجمود”

في المدن لا يُقاس التعافي بعدد البيانات الرسمية ، بل بوقع الأقدام في الأسواق وبضجيج الحياة حين يعود إلى الشوارع .. في أم درمان والخرطوم وبحري ، لم تعد الحركة مجرد محاولة لاستعادة الإيقاع بل واقع يتشكل كل يوم بصورة أوضح .. العاصمة آمنة ، وقد تجاوزت أزمتها ، لكنها تعود بطريقتها الطبيعية خطوة بعد خطوة ، وبثقة تعرف طريقها ..
مشهد المدينة اليوم مختلف الأسواق تستعيد زحامها المركبات تمضي في خطوطها المعتادة ، والوجوه التي غابت عادت إلى مواقعها .. ليس المشهد صاخبا إلى حد الاندفاع ولا بطيئا إلى حد التردد ، إنه تعاف متدرج يعكس وعيا بأن البناء المستقر أهم من القفز السريع ..
اقتصاديا ، تبدو الصورة أكثر وضوحا .. حين يُنظم معرض «صنع في السودان» في أرض المعارض ببري فذلك ليس مجرد فعالية عابرة ، بل إعلان ثقة في بيئة عادت آمنة وقادرة على استيعاب النشاط الإنتاجي .. المنتج المحلي يُعرض أمام جمهوره ، ورجال الأعمال يلتقون ، وسلاسل التوريد تستعيد ترابطها .. الاقتصاد هنا لا يتحرك بردة فعل ، بل بإرادة استقرار ..
وفي موازاة ذلك ، يواصل الشباب ضخ الحيوية في شرايين المدينة عبر البازارات والمبادرات الصغيرة .. الطاولات و الفرشات البسيطة التي تُنصب في الساحات ليست مجرد منصات بيع ، بل إشارات واضحة إلى أن روح المبادرة عادت ، وأن رأس المال الصغير وجد مساحته مجددا .. هكذا يبدأ التعافي الحقيقي من القاعدة من التفاصيل اليومية ، من ثقة الناس في يومهم وغدهم ..
أما ثقافيا ، فعودة الفعاليات الفنية والاجتماعية تؤكد أن الفضاء العام استعاد معناه .. حين يرتفع صوت فنانة مثل إيمان الشريف في ساحات مفتوحة ، فإن الغناء يصبح عنوان اطمئنان ، لا مجرد طرب .. المدينة التي تغني في ساحاتها مدينة تشعر بالأمان وتستعيد توازنها النفسي والاجتماعي ..
وفي هذا الإطار تأتي صدور صحيفة العودة لتكون انعكاسًا حيا للمرحلة التي يمر بها السودان .. الاسم لم يُختر صدفة ، فهو يعكس روح هذه الأيام التي تشهد استعادة الحياة والنشاط ويستشرف مستقبلًا مشرقًا .. الصحيفة تمثل رحلة الحاضر نحو المستقبل ، حيث يُنظر إلى كل صفحة كخطوة في إعادة ترتيب الواقع وبناء الثقة ، وما تنقله من أخبار وتحليلات ليس مجرد نقل للوقائع ، بل إشعال لحركة المجتمع نحو المزيد من الازدهار والانفتاح ..
ولا يمكن أن نغفل التحية للمدير العام للصحيفة الأستاذ المؤسس أيمن كبوش ، الذي قام بمجهود جبار لتأسيس مؤسسة إعلامية متكاملة ، تبدأ بالصحيفة الورقية وتمتد إلى موقع إلكتروني ومنصة رقمية ، لتعكس رؤية شاملة لإعلام عصري ومتفاعل مع الواقع. والتحية أيضا لكل الفريق العامل معه ، الذي جعل من هذه الرؤية حقيقة على الأرض ..
ما يجري اليوم ليس مجرد بداية، بل محطة استعادة طبيعية للمدينة .. العاصمة المثلثة عادت آمنة ومستقرة ، وتتحرك بخطى متدرجة نحو اكتمال تعافيها .. كسر الجمود أصبح حقيقة ، والحياة تعود لتملأ الشوارع والأسواق بروح جديدة ، مع إرادة واضحة لمستقبل أفضل حيث تُكتب صفحة جديدة من الاستقرار والنهوض بعد سنوات من الصمت والتحديات.



