طق خاااااص/ خالد ماسا .. اقتصاد الظل.. خارطة نفوذ جديدة في زمن الحرب

ومنذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل من العام 2023م في السودان حدثت تحولات جوهرية في المشهد العام، إلا أن مشهد المعارك العسكرية ظل هو المشهد المسيطر على اهتمام المتابعين، وظل المرسوم من خارطة النفوذ العسكري هو الذي يحظى بالمتابعة اتسع أو ضاق في جغرافيا الحرب، بينما ظلت مشاهد أخرى تصنعها الحرب تتخلق في كواليسها وتصنع واقعاً يتناسب تماماً مع حالة الحرب وتعطي نموذجاً لحالة التكيّف التلقائي مع متغير كبير كالحرب وظهور “ميكانيزم” جديدة تتحرك تروسها باستغلال غياب المحركات الطبيعية المتعارف عليها أوقات السلم.
(*) من يدير الاقتصاد في جغرافيا الحرب؟
وقد تبدو الإجابة على هذا السؤال معقدة بعض الشيء بطبيعة التعقيد العام الذي تخلقه الحرب، إلا أن المشاهدات من الواقع الحي لأي مواطن فرضت عليه الظروف أن يكون متواجداً في جغرافيا الحرب سيلاحظ بأن الفراغ الذي ينشأ بسبب غياب واختفاء المؤسسات الرسمية التي تُدير أو يُدار بها الاقتصاد تحل محلها آليات وأدوات جديدة قادرة على استغلال حالة الفراغ هذه.
في المسافة بين الانهيار التام للنظام المصرفي ونقطة استعادته لقدرته في التأثير على العملية الاقتصادية تظهر مراكز قوة لأفراد يصبحون هم مؤسسة التمويل لعمليات البيع والشراء والتبادل النقدي بمعادلات تخدم مصالحهم الخاصة، ويفرضون ذلك بقوة الشروط التي تضعها الحرب بتحديد القيمة المالية للبضائع وقيمة الخدمات.
واقع الحرب بطبيعته يفرض تغيرات أصيلة في “سلاسل الإمداد”، حيث إن الظرف الأمني الناتج عن الحرب يقطع السلسلة الطبيعية لإمداد المواد والبضائع التجارية ويؤثر في عمليات التصنيع وتحدث تغيرات في مطلوبات التخزين والنقل والتوزيع، وبالتأكيد تتغير الخارطة بتغير نسب توزيع المستهلكين بحركة النزوح وحركة المواطنين، بحيث استعاد أصحاب النفوذ كثرة أو نقصان الطلب بزيادة الأسعار واستغلال ندرة المنتج.
(*) المُرابون ..
في أوان الحرب انهار السقف الأخلاقي ولم تعد هنالك قيود قيمية تضبط حركة الاقتصاد، وظهرت مراكز نفوذ بنت قوتها على احتكار العملة كسلعة يتم تداولها عبر التطبيقات البنكية بنسب فائدة عالية راكمت رؤوس الأموال لدى تلك الفئة دون وجود دائرة نشاط اقتصادي مكتملة تبدأ من نقطة المنتج وتنتهي عند المستهلك، بل تمر عبر سلسلة طويلة يتعدد فيها المستفيدون بشكل “طفيلي”، وتكون الحلقة الأضعف في هذه الدائرة هي المواطن في خارطة الحرب بلا حول ولا قوة.
عدم توفر النقد أظهر أنماطاً جديدة في سياسات البيع والشراء للنافذين، بحيث يكون هنالك أكثر من سعر للبضاعة أو الخدمة الواحدة في حال الشراء بالدفع نقداً أو عن طريق التطبيقات المصرفية أو البيع الآجل، وكل ذلك استثمار في الأزمة التي تصنعها الحرب وتستفيد من ما حدث للنظام المصرفي بسبب الحرب، وكان سبباً في زيادة نفوذ الشبكات البديلة مثل شبكات الحوالات اليدوية و”سماسرة” ووسطاء التحويلات المالية بسبب انعدام الثقة في المصارف.
وهذا أيضاً يزيد من نفوذ المشتغلين في “السوق الموازي” على حساب القنوات الرسمية، وباستمرار أوضاع الحرب أصبح لهؤلاء النافذين شبكات منظمة تفرض شروطها وطريقتها في المعاملات التجارية، وتكمن خطورة هذا النوع من الشبكات والممارسات أنها تحدث خارج إطار الرقابة الحكومية، لأن الأموال عند تعطل الحركة الطبيعية للعمل المصرفي لا تنتظر بل تبحث عن منافذ بديلة.
(*) استغلال الهشاشة الأمنية ..
فاتورة الهشاشة الأمنية في سلاسل الإمداد تضاف قيمتها مباشرة على أكتاف المستهلك، وتظهر مهام أخرى للبندقية غير الحرب باعتبارها توفر الحماية المفقودة وتطلب في مقابلها ما يصنع لها النفوذ ويجعل من يقفون وراء زنادها الحلقة الأهم في اقتصاديات الحرب.
هشاشة الوضع الأمني تتحكم أيضاً في نشاط وحركة رؤوس الأموال، فمع ازدياد المخاطر الأمنية في جغرافيا الحرب تنتقل رؤوس الأموال لخيارات أقل كلفة من حيث المخاطر والتهديد، بينما تنشأ مراكز قوى جديدة تسيطر على النشاط الاقتصادي، وعلى سبيل المثال فإن مدينة كالخرطوم كمركز اقتصادي ومع أول رصاصة للحرب فيها بدأت في فقدان ثقلها القائم على استحواذها على النسبة الأكبر من رؤوس الأموال المستثمرة في الصناعات، وكان اقتصاد ما قبل التحرير تديره عصابات كان استثمارها الرئيسي قائماً على حالة اللادولة واللامؤسسات، تملأ أسواقها مواد وبضائع تجد طريقها للأسواق على قلتها عن طريق “التهريب” والاتجار في كل ما هو ممنوع، وامتلاك السلاح أو العلاقة مع مسلحين كان كافياً لتحويل المعدمين إلى نافذين يتحكمون في السلع الاستراتيجية ومعاش الناس.
(*) مراكز اقتصادية بديلة ..
ومن مظاهر الحرب الواضحة أيضاً أنها قد ساهمت في نقل رأس المال البشري كعامل للحركة الاقتصادية ونقلته أولاً كمستهلك إضافي في مدن كان اقتصادها في حدود المواطنين الموجودين في الولاية، والحركة التجارية فيها بمستوى أقل قبل الحرب، وتصلح مدن كمدينة عطبرة وبورتسودان كنموذجين لمراكز اقتصادية تأثرت إيجاباً بالحرب بانتقال رؤوس الأموال بأنشطتها أو بأنشطة بديلة إليها، وبتطاول أمد الحرب وامتدادها ظهر فيها نفوذ لأصحاب الأراضي والعقارات بسبب الحاجة الملحة للإيجارات والشراء وظهور أنماط استهلاكية جديدة فرضها الوافدون الجدد وأصبح لديهم يد نافذة بسبب هذه المتغيرات.
الدولة الآن محتاجة لجملة إجراءات أكثر صرامة من عملية “استبدال العملة” التي كانت فكرتها في أصلها قائمة على محاربة اقتصاد الظل القائم على المال المنهوب من البنوك والكتلة النقدية التي تسرح خارج تغطية العين الرسمية ويتم استخدامها في أنشطة اقتصادية هدامة ولا يستفيد منها الاقتصاد الكلي للدولة إن لم يتم تدويرها لصالح أنشطة معادية، كما أنها تحتاج لتوسيع شبكة التغطية في المعاملات الرقمية والعمل على استعادة الثقة في النظام المصرفي وحزمة قرارات وسياسات مشجعة ومحفزة للاستثمار.



