البعد الخامس/ صباح المكي: السودان بين السيادة والإدارة الدولية

الجزء الأول
من توصيف الأزمة إلى إعادة تعريف الدولة: ماذا جرى في مجلس الأمن؟
لم يكن اجتماع مجلس الأمن بصيغته الوزارية مجرد متابعة لأزمة إنسانية، بل لحظة إعادة تعريف للملف السوداني سياسياً. وحين تبدو اللغة متوازنة، قد تكون تعيد رسم حدود الدولة. من «لا فاعلين صالحين» إلى «لا حل عسكري»، لم يكن خطاب مسعد بولوس في الجلسة الوزارية توصيفاً للأزمة بقدر ما كان إعادة توزيع للشرعية. هذا المقال يفكك كيف تتحول اللغة الدولية من أداة توصيف إلى أداة لإعادة تعريف الدولة نفسها.
*١. المجلس الوزاري: من توصيف الأزمة إلى تثبيت المسار*
في ١٩ فبراير ٢٠٢٦ لم يكن مجلس الأمن يناقش السودان بصفته كارثة إنسانية فحسب، بل باعتباره ملفاً دخل مرحلة إعادة الترتيب السياسي. الصيغة الوزارية لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل إعلاناً بأن مسار الحرب لم يعد يُترك لتوازنات الداخل وحدها، وإنما أصبح جزءاً من معادلة إقليمية ودولية أوسع.
كان خطاب مسعد بولوس التعبير الأوضح عن هذا التحول. لم يتحدث من موقع وسيط أممي يقف على مسافة متساوية من الأطراف، بل بصفته ممثل سياسة أمريكية عليا بتكليف مباشر. الفارق جوهري. الوسيط يُفترض أن يدير التوازن، أما ممثل الدولة فيسعى إلى تشكيله.
خريطة الطريق التي عُرضت، هدنة، مساعدات، وقف إطلاق نار، انتقال سياسي، انتخابات، إعادة إعمار، بدت تسلسلاً منطقياً. لكن السؤال لم يكن عن ترتيب المراحل، بل عن السلطة: من يملك تعريف كل مرحلة؟ من يحدد شروط الانتقال بينها؟ ومن يمنح شهادة الشرعية التي تسمح بالمرور من وقف النار إلى النظام السياسي الجديد؟
هنا لم يعد الحديث عن إنهاء أزمة، بل عن هندسة مآلات.
*٢. «لا فاعلين صالحين»: إعادة إنتاج منطق الحاكم الأخلاقي*
العبارة «لا يوجد فاعلون صالحون في هذا النزاع» بدت متوازنة، لكنها أعادت توزيع السلطة لا توزيع اللوم.
حين تُوضع القوات المسلحة السودانية، بوصفها مؤسسة دولة عضو في الأمم المتحدة، في الجملة نفسها مع ميليشيا مسلحة، ثم يُسحب عنهما معاً وصف الصلاح، يتحول الفارق القانوني إلى فارق لغوي، ثم يتلاشى تدريجياً. الدولة لا تعود إطار الشرعية، بل تصبح طرفاً. والميليشيا لا تعود تمرداً، بل تتحول إلى ند.
هذه ليست مساواة أخلاقية بريئة، بل معادلة متعادلة ظاهرياً ومختلة بنيوياً. لأنها لا تدين الجميع فقط، بل تعيد تعريف موقع الجميع. الدولة تصبح قابلة للتقييد، والميليشيا قابلة للشرعنة، بينما ينتقل مركز التقييم إلى خارج النزاع.
الأخطر أن العبارة منحت المتحدث موقع الحاكم الأخلاقي. لا يظهر كطرف، بل كمرجع أعلى يقيّم ويصنّف ويمنح صفة الصلاح أو يسحبها. هذه البنية ليست جديدة. في الحقبة الاستعمارية كان الحاكم الأوروبي يضع نفسه وصياً أخلاقياً على الشعوب المستعمَرة. اليوم لم تتغير البنية، بل تغيرت اللغة. لم يعد الحديث عن تمدين الشعوب، بل عن إدارة نزاعاتها.
عندما يُختزل الصراع إلى أطراف جميعها غير صالحة، يصبح المركز وحده صالحاً ضمناً. وهنا تنتقل سلطة التعريف من الداخل إلى الخارج.
*٣. الفاشر ورواندا: حين تُحدد التسمية مستوى الالتزام*
في رواندا عام ١٩٩٤ لم يكن التردد في استخدام كلمة «إبادة» مسألة لغوية، بل سياسية وقانونية. فالتوصيف لم يكن وصفاً أخلاقياً فحسب، بل كان يفتح باب الالتزام بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها. لذلك تأخرت الكلمة، وتأخر معها التدخل.
في الفاشر، وفي لحظة تحدثت فيها تقارير عن سمات إبادة، جاء خطاب مسعد بولوس بلغة عامة عن «انتهاكات جسيمة ارتكبها الطرفان». هذا التعميم ليس حياداً، بل تخفيف لثقل التسمية.
لأن توصيف ما يجري بوصفه «إبادة» لا يضع ميليشيا الدعم السريع تحت ضغط قانوني مباشر فقط، بل يوسّع دائرة الالتزام لتشمل الأطراف التي تتهمها الدولة السودانية بدعم هذه الميليشيا، وفي مقدمتها الإمارات. فالتسمية هنا لا تُحمّل الفاعل الميداني وحده المسؤولية، بل تمتد من المنفذ إلى المموّل، ومن حامل السلاح إلى من مكّنه.
واللافت أن الخطاب تجاهل البعد الإقليمي بالكامل، ولم يأتِ على ذكر الاتهامات السودانية الرسمية للإمارات، رغم ما نُشر من تقارير دولية، وما نوقش في الكونغرس الأمريكي بشأن تدخلها في الحرب ومساندتها لميليشيا الدعم السريع. هذا التجاهل لا يختصر اللغة فحسب، بل يعيد رسم حدود المسؤولية ذاتها.
في القانون الدولي، التوصيف يُنشئ التزاماً. لذلك فإن الانتقال من «إبادة» إلى «انتهاكات جسيمة» ليس انتقالاً في المفردات فقط، بل في مدى اتساع نطاق المساءلة.
وعندما تُختزل الحرب في السودان في معادلة طرفين داخليين، لا يُمحى بعدها الإقليمي فحسب، بل يُعاد رسم حدود المسؤولية بما يُخرج شبكات التمويل والتسليح والتمكين من دائرة المساءلة.
المساحات الرمادية لا تخفف الألم، بل تخفف الضغط القانوني. وعندما تُدار الحرب كلغة متعادلة، يُعاد تعريفها كأزمة محلية قابلة للإدارة، لا كجريمة قد تفتح باب مساءلة عابرة للحدود.
*٤. «لا حل عسكري»: حين يُعاد تعريف السيادة باسم السلام*
في خطاب مسعد بولوس أمام مجلس الأمن، لم تكن عبارة «لا حل عسكري» مجرد دعوة إنسانية لوقف النار، بل كانت جزءاً من إعادة تحديد سقف السيادة السودانية.
في ظاهرها، تبدو العبارة أخلاقية، إذ تضع حماية المدنيين فوق منطق الحسم. لكن في سياق دولة تواجه ميليشيا مسلحة تنازعها احتكار القوة، تتحول العبارة إلى إعادة تعريف لما هو مشروع في ممارسة السلطة.
الدولة الحديثة، كما صاغها ماكس فيبر، تقوم على احتكار العنف المشروع داخل الإقليم. هذا الاحتكار ليس أداة من أدوات الدولة، بل شرط وجودها القانوني والسياسي. وعندما يُقال لدولة تخوض حرباً مع تمرد مسلح إن استعادة احتكار القوة الكامل ليست خياراً مشروعاً، فإن ما يُقيد ليس وسيلة عسكرية فقط، بل تعريف الدولة ذاته.
لكن خطاب «لا حل عسكري» لا يعمل في فراغ. فهو يتحرك داخل مناخ نظري وسياسي أوسع، هو مناخ «الدولة الفاشلة» الذي ترسخ في الأدبيات الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي. ظاهرياً، يُستخدم المصطلح لوصف دول فقدت القدرة على بسط سلطتها أو حماية حدودها. غير أن أثره السياسي يتجاوز الوصف إلى إعادة ترتيب العلاقة بين تلك الدولة والنظام الدولي.
عندما تُوصَف دولة بأنها عاجزة عن احتكار العنف المشروع، فإن ذلك لا يبقى توصيفاً أمنياً، بل يتحول إلى مؤشر على نقص في الأهلية السيادية. ومن هنا يبدأ الانتقال من الاعتراف بالمساواة القانونية إلى التعامل المشروط: سيادة تبقى رسمياً قائمة، لكنها تُمارس ضمن سقف خارجي محدد.
في هذا السياق، يصبح منع الدولة من استعادة احتكار القوة جزءاً من حلقة مغلقة. الضعف يُستخدم لتبرير تدخل سياسي أو هندسة انتقالية. والهندسة الانتقالية تُكرّس التوازنات الهشّة. ثم يُعاد تقديم الهشاشة كدليل إضافي على عدم قدرة الدولة على الحسم. وهكذا يُعاد إنتاج صورة الدولة العاجزة عبر أدوات تبدو إنسانية.
هنا لا يجري فقط منع الحسم، بل تثبيت تعريف معين للدولة. الدولة تُدفع إلى التفاوض مع من ينازعها صفتها كما لو كان نداً كاملاً، بينما يُعاد تأطير استعادة احتكار القوة بوصفها خطراً يجب احتواؤه لا حقاً سيادياً يجب استعادته.
المفارقة أن مفهوم «السلام عبر القوة» يُستدعى بوضوح في سياقات أخرى عندما يتعلق الأمر بدول كبرى أو حلفاء استراتيجيين. أما حين يتعلق الأمر بدولة في الجنوب العالمي، تُعاد صياغة القوة الوطنية كتهديد للاستقرار لا كأداة لحمايته.
الدول التي تنجح في استعادة احتكار القوة تصبح أقل قابلية للاختراق وأقل حاجة إلى ضامنين خارجيين. أما الدول التي يُمنع عنها الحسم وتُدار عبر تسويات انتقالية هشّة، فتبقى مفتوحة أمام شبكات النفوذ.
بهذا المعنى، لا تكون عبارة «لا حل عسكري» مجرد توصية سياسية، بل جزءاً من إعادة رسم حدود الدولة نفسها: ما يُسمح لها به، وما يُمنع عنها، ومن يملك تحديد ذلك.
وعندما يُنتزع من الدولة حق الحسم باسم السلام، فإن السؤال لا يعود كيف تنتهي الحرب، بل من يملك تعريف الدولة بعد انتهائها.
*خاتمة: من اللغة إلى الإدارة*
إذا كان خطاب مسعد بولوس في مجلس الأمن قد أعاد توزيع الشرعية وحدد سقف القوة وحدود الحسم، فإن المسألة لا تتعلق فقط بما قيل في تلك الجلسة، بل بما سيُبنى عليه.
عندما يُعاد تعريف الدولة في اللغة، تبدأ مرحلة أكثر عمقاً. مرحلة لا تُسحب فيها السيادة صراحة، بل يُعاد تنظيمها تدريجياً عبر مسارات انتقال، وآليات وساطة، وأطر إقليمية، وشروط اعتراف تُرسم خارجها.
اللغة لم تكن تفصيلاً بل مدخلاً. لأنها حين تعيد تعريف من هو المشروع ومن هو المقيّد، فإنها تمهد لمرحلة تُدار فيها الدولة تحت سقف جديد لم تحدده وحدها.
السؤال لم يعد ماذا قيل، بل ماذا يُراد أن يُنتج. هل كان ما جرى توصيفاً لحرب، أم خطوة أولى في إعادة هندسة الدولة نفسها؟
هنا ينتقل النقاش من تحليل العبارات إلى تحليل الآليات. من الكلمات إلى البنية. ومن توصيف الحرب إلى إدارة نتائجها.
وهذا هو موضوع الجزء الثاني.
فحين يُعاد تعريف اللغة، تُعاد صياغة السلطة.
bitalmakki@gmail.com



