هل يكفي البيان؟ الخرطوم بين حدود السيادة وميزان الشرعية

*تطبيع التمرد | الجزء الثاني*
*بقلم. صباح المكي*
في الجزء الأول، جاء المقال في سياق الاستقبال الرسمي الذي حظي به قائد ميليشيا الدعم السريع في أوغندا، إلى جانب ما سُمّي بـ“الحكومة الموازية”، حيث جرى تفكيك الكيفية التي تُصنع بها شرعية الميليشيا خارج حدود السودان: عبر الصورة قبل القرار، والبروتوكول قبل الاعتراف، والتطبيع التدريجي بدل الإعلان الصريح. رأينا كيف يتحول الاستقبال إلى إعادة تأهيل، وكيف تُدار المعادلة الإقليمية بحيث تبقى الميليشيا حاضرة على الطاولة، ولو تحت عناوين “الوساطة” و”الاستقرار”. كما تبيّن أن المسار لا يقوم على صدفة تكرار الزيارات، بل على هندسة نفوذ أكثر انتظامًا، تقودها شبكات إقليمية يتقدمها نظام أبوظبي، تسعى إلى منع العزل السياسي وتثبيت قابلية التفاوض.
لاحقًا، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا رسميًا يُدين استقبال قائد الميليشيا، ويؤكد رفض الدولة لأي محاولة لإعادة تأهيله سياسيًا أو التعامل معه بوصفه ممثلًا شرعيًا. البيان سجّل موقفًا واضحًا من حيث اللغة، وأعاد تثبيت تعريف الدولة لخصمها داخل الإطار الرسمي. لكن في لحظات إعادة تشكيل الشرعية، لا يُقاس الموقف بما يُقال، بل بما يُغيّر.
لكن بعد تفكيك البنية الخارجية، ومع صدور البيان، يبقى السؤال الأصعب: كيف تُدار هذه اللحظة من داخل الخرطوم؟ إذا كانت الشرعية تُعاد هندستها في العواصم، فهل البيان تكتيك محسوب أم اعتراض بلا أثر؟ وهل ما يجري تعبير عن واقعية دولة في زمن حرب، أم بداية تآكل في قدرتها على فرض تعريفها للصراع؟
هنا ينتقل النقاش من تحليل “كيف تُصنع الشرعية للميليشيا”، إلى مساءلة أعمق: هل تستطيع الدولة الحفاظ على احتكار تعريفها لنفسها في زمن تتكاثر فيه المنصات والصور والوساطات؟
*١. تفكيك حدود البيان: بين الواقعية والمخاطرة المؤجلة*
رغم صدور بيان رسمي، فإن في الأعراف الدبلوماسية ليست كل الاعتراضات تُدار أمام الكاميرات. قد تكون هناك مذكرات احتجاج رسمية أُرسلت عبر القنوات الدبلوماسية، أو رسائل تحذيرية مباشرة بين وزارات الخارجية، أو تفاهمات غير معلنة تهدف إلى احتواء الموقف دون تصعيد علني. الدول أحيانًا تتجنب تحويل كل خلاف إلى أزمة إعلامية، لأن التصعيد العلني يفرض على الطرف الآخر ردًا علنيًا قد يكون أكثر حدّة من الموقف الأول.
لكن المشكلة ليست في صدور البيان، بل في أثره التراكمي. فالاعتراض، سواء كان علنيًا أو غير معلن، إذا لم يتحول إلى مسار واضح، لا يصنع كلفة سياسية عامة. هو قد يُخاطب الدولة المستضيفة، لكنه لا يُعيد ضبط البيئة الإقليمية، ولا يوقف إنتاج الصورة السياسية للميليشيا.
قد تكون الأولوية للحسم الميداني، باعتبار أن الشرعية الخارجية تتبع الوقائع العسكرية. قد تكون أدوات الضغط محدودة في ظل حرب تستنزف الموارد. وقد تكون حسابات عدم التصعيد محاولة لتفادي تثبيت اصطفافات معادية. كل ذلك مفهوم ضمن منطق الدولة في زمن حرب.
لكن التكتيك إذا طال دون إطار مُلزم يتحول إلى إعادة تموضع تدريجية في ميزان الشرعية. ومع كل تكرار، يصبح سؤال السيادة أقل حضورًا في المشهد، ويحل محله سؤال “إدارة النزاع”. وهنا يكمن التحول الأخطر: من دولة تدافع عن احتكارها للشرعية، إلى دولة تُطالب بإدارة أزمة بينها وبين “طرف”.
*أ. أولوية المعركة الداخلية*
السودان يخوض حربًا مفتوحة متعددة الجبهات. الموارد السياسية والعسكرية محدودة، والقرارات تُتخذ تحت ضغط الزمن والواقع الميداني. فتح جبهة صراع دبلوماسي مع عدة دول جوار في وقت واحد قد يؤدي إلى توتير حدود حساسة أمنيًا، وتعقيد مسارات الإمداد والعبور، وزيادة الضغط الاقتصادي، وتوسيع دائرة الخصومة الإقليمية.
في زمن الحرب، قد تختار الدولة تركيز طاقتها على تثبيت الميدان، باعتبار أن الشرعية الخارجية تتبع السيطرة الفعلية. لكن هذا الخيار يفترض أن الزمن يعمل لصالحها، وهو افتراض محفوف بالمخاطر إذا كانت الشرعية تُعاد هندستها في الخارج بوتيرة أسرع من الحسم في الداخل.
*ب. محدودية أدوات الضغط*
السؤال الجوهري: هل يمتلك السودان اليوم أدوات ضغط كافية لفرض كلفة على الدول التي تستضيف قيادة التمرد؟ أدوات الضغط التقليدية تشمل نفوذًا اقتصاديًا، وتحكمًا بممرات حيوية، وثقلًا سياسيًا داخل مؤسسات قارية، ودعمًا واضحًا من قوى دولية كبرى.
الواقع أن السودان، تحت وطأة الحرب والانقسام الاقتصادي، لا يتحرك من موقع قوة تفاوضية كاملة. هذا لا يعني أنه بلا أوراق، لكنه يعني أن تفعيل تلك الأوراق مكلف، وقد لا يحقق نتيجة فورية. والدولة التي لا تملك قدرة على فرض كلفة مباشرة قد تختار تجنب معركة رمزية لا تملك أدوات حسمها.
*ج. حسابات عدم التصعيد*
التصعيد العلني ضد دولة تستضيف قيادة التمرد قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من تثبيت اصطفافها الكامل ضد الخرطوم، إلى دفعها إلى تعميق علاقتها بالميليشيا بدل تقليصها، إلى تحويل الاستضافة المؤقتة إلى اعتراف سياسي معلن.
أحيانًا تختار الدول عدم منح الخصم ذريعة لتشديد موقفه. لكن هذا المسار يفترض أن الطرف الآخر سيتوقف عند حدود معينة. وإذا لم يتوقف، يتحول ضبط النفس إلى مساحة مفتوحة.
*٢. أوراق الدولة: بين الامتلاك والتفعيل*
السؤال المفصلي ليس إن كان السودان يملك أوراقًا، بل إن كان قادرًا على تحويلها إلى كلفة.
*أ. الورقة الجغرافية*
السودان ليس دولة هامشية. موقعه يربط البحر الأحمر بالقرن الإفريقي وبالعمق الإفريقي الأوسط. استقراره أو انهياره لا يبقى شأنًا داخليًا، بل يمتد أثره إلى تدفقات هجرة، واختلالات أمنية عابرة للحدود، وإعادة تموضع إقليمي، وتدخلات دولية. لكن هذه الورقة سيف ذو حدين، واستخدامها ضغطًا يعني الاقتراب من حافة فوضى قد تُضعف الدولة نفسها. ولذلك تبقى هذه الورقة ضمن حدود الردع الضمني، لا التصعيد العلني.
*ب. الورقة القانونية: معركة السردية*
الدولة التي أعلنت الميليشيا متمردة تملك أدوات قانونية يمكن أن تتحول إلى مسار طويل الأمد، من توثيق الاستضافات بوصفها مساسًا بالمرجعية السيادية، إلى تحريك الملفات داخل مؤسسات قارية، إلى بناء سجل رسمي يُستخدم في أي تسوية أو مساءلة مستقبلية.
القانون الدولي لا يفرض سلوكًا فوريًا، لكنه يصنع سردية. ومن لا يبني سرديته مبكرًا، يجد نفسه يدافع داخل إطار صاغه الآخرون. المشكلة ليست في غياب الأداة، بل في غياب تحويلها إلى أثر سياسي تراكمي. الاستضافة حين لا تُوثّق سياسيًا، تتحول إلى حدث عابر. والحدث العابر، حين يتكرر، يصبح قاعدة.
*ج. الورقة الميدانية*
الميدان ليس فقط ساحة قتال، بل ساحة تعريف. كل تقدم عسكري يُعيد ضبط سقف التفاوض، وكل جمود يُغذي خطاب “الطرفين”. لكن حتى الميدان يحتاج إلى خطاب متسق. إذا لم يُترجم التعريف السياسي للميليشيا إلى موقف دبلوماسي ثابت، فإن البيئة الإقليمية ستستمر في التحوط. الدولة التي لا تُحوّل استضافة قيادة ميليشيا متمردة إلى قضية سيادية مُعلنة تترك الحدث في مستوى بروتوكولي. والبروتوكول، حين يتكرر، يُنتج سياسة.
*٣. هل يكفي البيان لحماية الهيبة السيادية؟*
السؤال هنا ليس انفعاليًا، بل بنيوي. السيادة لا تُقاس بصدور بيان احتجاج، بل بقدرة ذلك البيان على إعادة ضبط السلوك الإقليمي. قد تُعلن الدولة رفضها، لكن إن لم يتحول الرفض إلى كلفة، فإن البيئة السياسية تتكيف مع الحدث كما لو أنه مقبول ضمنيًا.
في العلاقات الدولية، ما يُحتسب ليس الصوت، بل الأثر. حين يتكرر التعامل مع الميليشيا كـ“طرف”، ويُقابل ذلك ببيان لا يتبعه مسار، فإن الفارق بين الدولة والمتمرد يبدأ في التآكل في الخطاب قبل أن يتآكل في الواقع.
البيان قد يُطمئن الداخل، لكنه إن لم يُغيّر قراءة الخارج، يبقى في مستوى اللغة. وهنا يتحدد الخطر البنيوي: ليس في غياب الاعتراض، بل في تحوّله إلى إجراء لا يعيد رسم الحدود.
إذا بدأت العواصم الإقليمية تتعامل مع الميليشيا بوصفها فاعلًا سياسيًا قابلًا للوساطة، فإن تعريف الدولة لذاتها يدخل منطقة رمادية. والمنطقة الرمادية لا تبقى معلقة طويلًا، بل تُملأ.
المعركة لم تعد على من يتكلم، بل على من يفرض تعريفه. لأن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا قالت الخرطوم؟ بل: من يمثل السودان؟
إذا أصبح تعريف الدولة موضع تفاوض، فإن جوهر الشرعية نفسه يدخل ميزان المقايضة. وهذا أخطر من خسارة موقع عسكري، لأنه يمس أساس المرجعية.
ومن يخسر معركة التعريف، يجد نفسه لاحقًا يتفاوض داخل إطار لم يصغه.
*٤. الامتناع عن التصعيد: من تكتيك ظرفي إلى خطر بنيوي*
تمتلك الدولة أدوات تصعيد دبلوماسي واضحة: استدعاء السفير، سحب السفير، تدويل المسألة قاريًا أو أمميًا، مراجعة التعاون الثنائي. غياب استخدامها لا يعني غيابها. لكن في لحظات التحول التاريخي، الامتناع ذاته يصبح رسالة.
قد يكون القرار محسوبًا. قد تكون كلفة التصعيد مرتفعة. قد تُفضّل الدولة الحفاظ على قنوات مفتوحة في بيئة إقليمية معقدة. لكن عندما تتكرر استضافة قيادة ميليشيا أعلنتها الدولة متمردة، ولا تتحول تلك الاستضافة إلى كلفة سياسية ظاهرة، فإن الإقليم لا يقرأ الحذر، بل يقرأ حدود الحركة. والحدود التي لا تُختبر يُعاد دفعها تدريجيًا.
الامتناع عن التصعيد في واقعة واحدة يمكن فهمه كتكتيك. أما الامتناع عند التكرار فيتحول إلى نمط. والنمط، في السياسة الدولية، يصنع توقعات جديدة ويُعيد ضبط السلوك دون إعلان رسمي.
هنا لا يتعلق الأمر بأوغندا وحدها، بل بالبيئة الإقليمية الأوسع التي تتحرك فيها شبكات نفوذ منظمة، وفي مقدمتها نظام أبوظبي، لإعادة تثبيت صياغة الصراع بوصفه نزاعًا بين “طرفين”، لا تمرّدًا على دولة. وإذا لم تُقابل كل محاولة إعادة تأهيل بخط سيادي ثابت، فإن الرسالة التي تتشكل تدريجيًا هي أن توصيف الخرطوم لخصمها ليس نهائيًا، بل قابلًا للاختبار.
السيادة لا تُنتقص بقرار واحد، بل عبر تراكمات صغيرة تُعاد صياغتها في الخطاب. “تمرد” يتحول إلى “طرف”، و”مليشيا” إلى “فاعل سياسي”، والدولة إلى أحد أطراف أزمة تُدار لا مرجعية تُحسم.
المشكلة ليست في تجنب التصعيد، بل في غياب معادلة مضادة واضحة. وإذا لم يُربط البيان بمسار مؤسسي وقانوني ولغوي متسق، فإن البيئة الإقليمية ستتكيف مع المشهد الجديد. والتكيف، في ميزان الشرعية، أخطر من المواجهة المباشرة.
الدول لا تُختبر فقط في قدرتها على الحسم الميداني، بل في قدرتها على تثبيت مركزها التعريفي. فإذا أصبح توصيف الصراع موضع مساومة ضمنية، فإن موقع الدولة نفسه يدخل منطقة إعادة تقدير.
وهنا تتحدد اللحظة:
إما أن يبقى تعريف الدولة لصراعها هو الإطار الحاكم،
أو تُعاد صياغة المعادلة خارجها ثم يُطلب منها الانضمام إليها.
*٥. الخاتمة: إعادة ترتيب المعادلة خارج الدولة*
السيادة لا تُنتزع دائمًا عبر القوة المباشرة. أحيانًا يُعاد تشكيلها بهدوء، عبر تراكم وقائع لا تُقابل بمعادلة تعادلها. ما يبدأ كحدث بروتوكولي قد يتحول، مع التكرار، إلى قاعدة سياسية تتكيف معها البيئة الإقليمية.
السؤال لم يعد في قدرة الخرطوم على الحسم الميداني وحده، بل في قدرتها على منع انتقال مركز الضبط خارجها. حين تُترك الوقائع دون أثر يوازنها، تُعاد قراءة الحدود، ويُعاد تقدير السقف.
المسألة ليست زيارة بعينها، ولا بيانًا بعينه، بل الاتجاه الذي تسير فيه الترتيبات. هل يبقى مركز القرار واضحًا، أم تُدار المعادلة خارجه ثم يُطلب منه التكيّف معها؟
في لحظات التحول، لا تُختبر الدول فقط في ميادين القتال، بل في قدرتها على منع انتقال مركز التحديد خارجها. لأن المعادلة التي تُرتَّب في الخارج، لا تعود إلى الداخل بالشروط نفسها.
وهنا يتحدد الفارق:
إما أن تُضبط المعادلة من موقع الدولة،
أو تُعاد صياغتها خارجها ثم تُعرض عليها كأمر واقع يُسوَّق تحت عنوان السلام.
bitalmakki@gmail.com



