د. المعز حسن بخيت يكتب: في زمن الغربة والارتحال

الغربة في زمن الحرب ليست حقيبة يحملها المسافر بل هي اقتلاع من الجذور، هي أن تترك بيتك الذي نشأت فيه، وغرفتك وسريرك الذي اعتدت أن تنام عليه وتناجي السماء بهمومك اليومية، وطموحاتك المستقبلية.. الغربة المفروضة بالنزوح تجعلك تمشي في طرق لا تعرف أسماؤها وتنظر لوجوه لاتعرف ملامحها، وتبحث عن ذاتك فتجد شخصا مختلف، النزوح في زمن الحرب يهرب فيها الإنسان بجسده ويترك قلبه معلقا بحارته وبيته ومعارفه حينها تدرك أن الوطن ليس مجرد مكان علي خارطة، إنما احساس بنعمة الأمن والأمان.
عندما عدت الخرطوم وامدرمان الحبيبة بعد شهور قليلة في عام 2023 وجدت الطمأنينة قد احترقت في قلوب الموجودين، قبل أن تحترق بيوتهم، ومع ذلك وجدت نوعا جديدا من الصبر، وجدت معني الصبر الجميل، معنى أن يبدأ الإنسان من جديد، معنى أن تصنع من الدموع عزيمة، وجدت فرحة مخفية عند الاطفال يشوبها حزن، حينها أدركت أن الأطفال أكثر من يدفعون الثمن، فهم يكبرون مع هذه الفوضى والأحزان تحت سمع اصوات المدافع وحنين العودة للأمن الذي قد تجده في الغربة ممزوجا بوجع لا يُرى لكنه يُحس في كل خطوة وكل نفس.. لكن.. مهما طال الانتظار لابد للعودة للوطن ولرائحة الدعاش التى نفتقدها في بلاد الخريف الشتوي، ومهما طال الانتظار تبقى (العودة) حلما يسكن الوجدان.. حلم أن يعود البيت بيتا والشارع شارع والجار جار.. حلم أن تعود الينا ذكرياتنا الجميلة، لتحل محل كوابيس الحرب وحتى يحين ذلك الوقت، نعيش بين مكانين، مكان به الجسد، ومكان به القلب.
د /معز حسن بخيت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى