ملح الأرض: ماذا لو توقفت الحرب؟

ومن الممكن جدًا، وبنفس الطريقة التي بزغت فيها شمس يوم السبت الموافق 15 أبريل من العام 2023م، وتفاجأ كل الشعب السوداني بأن الحرب قد اشتعل حريقها في قلب الخرطوم، وأن ما كان مستبعدًا في أقصى تصورات أكثر المتابعين تشاؤمًا قد صار حقيقة ماثلة، وأن صوت الرصاص والمدافع وأزيز الطائرات المقاتلة لم يكن “كابوسًا” سيزول بمجرد أن يصحو الصائمون من نومتهم في ذاك الصباح، من الممكن جدًا أن نصحو على واقع جديد في السودان غير واقع الحرب، ونصبح أمام السؤال المهم والضروري: هل نحن في كامل جاهزيتنا للإجابة على سؤال: ثم ماذا بعد الحرب؟

(*) القفز في الظلام...

والتجربة السودانية في التاريخ القريب، وعلى أيام ثورة ديسمبر 2018م، كان هذا النوع من الأسئلة يُطرح في مواجهة كل من تحدثه نفسه بالتغيير، على سبيل لجم جماح الشارع الثائر وقتها، ووضع “المتاريس” أمام رغبات التغيير التي وصلت ذروتها إلى حد وصف أحد رموز النظام السابق بأن عدم الإجابة على هذه الأسئلة قبل إنتاج فعل التغيير هو بمثابة “القفز في الظلام”.

عندما وقعت القوى السياسية المعارضة لنظام الثلاثين من يونيو 1989م ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي في 21 أكتوبر، أعلنت بذلك تمام جاهزيتها لمرحلة المقاومة للتغيير الانقلابي، وكانت الوثائق الصادرة عن مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية هي الإجابة على أسئلة: ثم ماذا بعد إسقاط النظام، وتحديدًا فيما يخص شكل الحكم والقضايا الخلافية كمسألة الشريعة الإسلامية وقضايا فصل الدين عن الدولة وهياكل الدولة.

وبإجراء مسح ضوئي لكل الأحداث السياسية التي أعقبت سقوط النظام في 11 أبريل، مرورًا بمحطات الوثيقة الدستورية، ثم تشكيل هياكل السلطة الانتقالية وطبيعة الشراكة مع المكون العسكري، والانقسام حول طريقة التعامل مع مرحلة ما بعد نجاح الثورة السودانية، يمكننا الجزم بأن الإجابة على نوعية سؤال: ثم ماذا بعد السقوط، لم تكن تشغل بال النادي السياسي أكثر من سؤال: كيف يتم إسقاط النظام؟ فكان ما حدث نتاجًا طبيعيًا يجب الاعتراف به من جانب القوى المدنية بأن الجاهزية لمعارك ما بعد إسقاط النظام لم تكن في تمامها، الشيء الذي سهّل من مهمة الانقضاض على مشروع الحكم المدني والانتقال الديمقراطي في 25 أكتوبر 2021م.

(*) أسئلة قديمة تتجدد..

والانقسام حول الموقف من الحرب نفسها بالضرورة يقود لرسم تصورات حول ماهية الحال بعد توقفها، والإجابة على أسئلة: ثم ماذا بعد توقف الحرب؟ لأنه ومباشرة سيكون السودان أمام أسئلة لا بد من توفر إجابات عملية لها، وإلا ستعاود عجلة الفشل دورانها.
برأيي أن النادي السياسي السوداني يواجه صعوبات كبيرة أمام الإجابة على أسئلة ما بعد الحرب، باعتبار أن هنالك طرفًا يرى بأن نقطة الوصول لنهاية الحرب هي محطة ما قبل سقوط نظام البشير واستعادة نظامه للسلطة، وآخر يرى غير ذلك بأن اليوم الأول بعد الحرب هو اليوم الذي سبق اشتعال فتيل الحرب في 15 أبريل، وبين هذا الرأي وذاك هنالك من يرى بوجوب العودة لتاريخ ما قبل انقلاب 25 أكتوبر، وهذه المواقف تكشف إلى أي مدى أن هنالك تعقيدًا في إيقاف الحرب وتعقيدًا أكثر في تصورات إدارة الدولة السودانية حال توقفت الحرب.

قد تتولد الإجابات على الأسئلة التي يخلقها توقف الحرب بالتدريج، إذ ليس من الملائم الحديث عن حل سياسي شامل ولا تزال البنادق تطلق الرصاص، وبالتالي جزء من شروط تهيئة المناخ لإجابات ما بعد الحرب هو أن يُدار النقاش حولها وهنالك اتفاق لوقف إطلاق النار، وهذا الوقف لإطلاق النار تتناسل منه الحلول لعدد من التعقيدات التي تنتجها الحرب، وفي مقدمتها معالجة الأوضاع الإنسانية التي صنعتها الحرب وفتح مسارات لدخول المساعدات الإنسانية.
المسافة الشاسعة بين الأطراف السودانية وتصوراتها حول الطريقة التي يجب أن تنتهي بها الحرب تعطي انطباعًا عما ستكون عليه الأوضاع حال انتهت الحرب، وما من مقاربات الآن تم التفكير فيها لتصنع حلولًا عملية تقود السودان للتعافي من الحرب ومن الصراع السياسي حول الحكم.
تأجيل النظر في عملية الاتفاق السياسي الشامل إلى مرحلة ما بعد سكوت الرصاص قد لا يوفر الضمانات لاستقرار الحالة السودانية، وما من مؤشرات تقول باتباع مسارات تلازم بين إيقاف الحرب والحل السياسي الشامل.

(*) تحدي الحرب والسلام..

واحدة من أهم التحديات التي صنعتها الحرب هي الموقف السياسي من الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت، وستظل عالقة في ذهن الشعب السوداني، وما من كفارة سياسية يمكن بها الاغتسال من ذنوبها، بالإضافة لعقبات أخرى خلقتها المصلحة من استمرار الحرب أو توقفها، وفي مقدمتها “شيطنة” الحل السياسي المفضي لتوقف الحرب أو حتى التفاوض للوصول لإيقافها، وكلها تحديات فرضتها الحرب واستمراريتها لسنوات.
تحديات السلام قد لا تقل صعوبتها عن التحديات التي تفرضها الحرب، التي قد تنتهي بأسرع مما يتخيل من يسيء الظن في إمكانية حدوث ذلك بكثير، ولكن الأصعب برأيي هو أن مرحلة السلام في بلد كالسودان مرّ بتغيرات كبيرة مثل الثورة بعد حكم دكتاتوري استمر لثلاثة عقود، وحرب وصلت إلى حدود اختبار وجود الدولة السودانية في حد ذاته، هي الامتحان الأصعب الذي سيمر بالدولة السودانية.
في مقدمة ذلك تحديات أزمة الثقة بين المكونات السياسية السودانية، والأزمة النفسية والاجتماعية التي أفرزتها الحرب جراء حالة الاستقطاب الحادة التي صاحبت الحرب، وخطاب التعبئة الذي باعد المسافات بين مكونات المجتمع السوداني، إضافة للسرديات المتباينة حول من يتحمل المسؤولية جراء ما حدث.

العودة لنقطة الصفر التي قادت الدولة السودانية للحرب بعد الثورة أيضًا ستكون من ضمن التحديات التي سيواجهها السلام في السودان، وهي سؤال: من سيحكم السودان بعد توقف الرصاص؟ هل هو تكوين عسكري باعتبار أن السلام ستفرضه البنادق، أم هو حكم انتقالي مدني، أم هو عودة لنقطة الشراكة في الحكم بين العسكريين والمدنيين؟ وهل ستكون لبنية الدولة السودانية المناعة التي تمكنها من احتمال عملية انتخابية مبكرة تعقب الحرب مباشرة؟
تعقيدات المشهد الاقتصادي، وبقدر مساهمته في تنازع أوتاد الفترة الانتقالية ما قبل الحرب، إن لم تكن السلاح الذي أذهب ريحها، سيكون العقبة الكؤود أمام مسيرة السلام بعد الحرب التي ضربت عصب الاقتصاد السوداني وأنهكت موارده.
معركة أخرى لا تقل عن تكلفة الحرب، وهي معركة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في سنواتها الثلاث، واستقطاب التمويل اللازم لذلك، واستعادة سلامة مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية ونظامها المصرفي والصحي.

الحرب ليست فعلًا سياسيًا يمكن المرور فوق تأثيراته ببساطة، والذي حدث فيها لا بد له من أدوات ومناهج تمنع عودته، وتجعل من حرب أبريل، كما يتمنى السودانيون، آخر حرب في التاريخ السوداني، وبالتالي لا بد من إعمال آليات ومناهج للعدالة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، إذ إن غيابها في مراحل سابقة من التاريخ السياسي السوداني كان أحد محركات ومحددات الحرب الحالية.

الحرب، بطبيعتها، فرضت تأثيرًا وتأثرًا بالمحيط الإقليمي للدولة السودانية، وبالتالي فإن استبعاد هذا المتغير الإقليمي من معادلة الحل سيبقي استقرار حالة السلام مهزوزًا بشكل كبير.
ترتيبات اتفاقيات السلام والترتيبات الأمنية التي لم تكتمل، والظرف الأمني الذي خلقته الحرب، سيحتاج في وقت السلام لحلول فيها تحديات الوصول لجيش مهني واحد يمنع تعدد مراكز القوى، ومن بعد مواجهة تحديات التفكير في بناء الشرعية الانتقالية، لأن هذا الأمر يشهد منازعات جعلت منه التعقيد الأصعب أمام حالة السلام في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى