مواقيت الرحيل العالي: عندما تآمرت التواريخ على “أهرامات” السودان

​بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون

ثمة تواريخ في تقويم الوجدان السوداني لا تمر كأرقام مجردة، بل تأتي كصدمات كهربائية تعيد فتح جرح الذاكرة .. هي تواريخ لم تكتفِ بسرقة الأجساد، بل أعلنت نهاية حقبٍ كاملة من الإبداع، وكأن حركة التاريخ والأرقام -كما أؤمن- لا تحكمها الصدفة، بل هو قدرٌ ممهورٌ بدلالات عميقة .. ففي كل يناير و فبراير تستدعي ذاكرة الأحزان رحيل الأهرامات..

​مطار الخرطوم و نبوءة الرحيل المر

في مساء 14 فبراير 2012، وفي صالة المغادرة بمطار الخرطوم، كان اللقاء الذي لم أخطط له مع ابن عمي، النطاسي البارع الدكتور الفاضل الملك. لم يكن هو “الفاضل” الذي أعرفه بابتسامته المعهودة كان وجهه غيماً من الأسى. أخبرني بصوت متهدج أنه جاء لمعاودة “الهرم” محمد وردي في مشفاه، وأن الحالة بلغت من التدهور مبلغه ، فهو الخبير بحالته اذ هو من أجرى له عملية نقل الكلى قبل سنوات بالدوحة ..
​افترقنا هو إلى الدوحة وأنا إلى الصين، وبيننا سؤال ينهش الروح : “هل فعلاً سيفارقنا وردي؟”. وبعد أربعة أيام فقط، في 18 فبراير، جاء الخبر اليقين ليقطع الشك باليقين.. ترجل الإمبراطور، وانطوت برحيله أضخم صفحة في كتاب الأغنية الأفريقية والعربية.
​تناص الموت والحياة: مصادفات أم أقدار؟
​يستوقفني هذا “التناص” العجيب الذي يربط بين رموزنا. فكما توحد مصطفى سيد أحمد ومحمود عبد العزيز في تاريخ رحيلهما (17 يناير)، وكأن الرقم 17 صار وشماً على خاصرة النخيل الشامخ.. ها هو التاريخ يعيد نفسه بقدسية ملفتة في 18 فبراير.
​في هذا التاريخ، رحل “عبقري الرواية العربية” الطيب صالح عام 2009، وبعده بثلاث سنوات وفي ذات اليوم، لحق به محمد وردي عام 2012. وكأن “موسم الهجرة إلى الشمال” التقى بـ”نشيد الاستقلال” في برزخ الخلود . و كأن مصطفى سعيد امتطى اجنحة عصافير الخريف الى مسارح الآرام ، ولم تتوقف المصادفة عند حدود النيل، بل امتدت لتشمل عملاق الرواية السينمائية العربية يوسف السباعي الذي غادرنا أيضاً في 18 فبراير.
​إرث لا يغيب ، ​لقد اتفق هؤلاء العمالقة في باذخ العطاء، واتحدوا في مرارة الداء العضال، لكنهم لم يستبقوا شيئاً أعطونا عصارة أرواحهم.
​بينما كان وردي يزرع فينا الطاقة الإيجابية وهو ينادي “عزة” فنهبّ معه ملبين، كان الطيب صالح يغوص بنا في منحنيات النيل وشخوصه الأسطورية، ليرتقي بنا إلى مراقي الروح.
​وبينما كان مصطفى يغزل الحلم بالحرية، كان الحوت يجسد عشقاً جماهيرياً لم تشهد له البلاد مثيلاً.
ألا ​رحم الله تلك الأهرامات التي لم ترحل إلا لتسكن فينا وظلت تواريخ رحيلهم منارات تذكرنا بأن هذا البلد وإن أوجعه الفقد فإنه ولودٌ بالجمال، باقٍ بقاء النيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى