منى أبوزيد : هناك فرق – بطولات موازية..!

حين تضيق الجغرافيا بالنزوح واللجوء، تتسع قلوب النساء لتصبح أوطاناً مؤقتة”.. الكاتبة..!

حين تندلع الحروب، تميل العيون وتشرئب الأعناق دائماً نحو الجبهات، حيث الجنود والسلاح وصخب المعارك، حيث تُكتب الأخبار وتُصنع العناوين. لكن في كل حرب توجد جبهات أخرى أقل ضجيجاً. جبهات لا تُدار بالبندقية بل بالصبر، ولا تُحسم بالرصاص بل بالقدرة على الاستمرار..!

في واحدة من تلك تلك الجبهات تقف النساء السودانيات في هذه الحرب، وهنّ يحملن ما تبقى من البلاد على أكتافهن. الحرب التي اندلعت في السودان لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت امتحاناً قاسياً لقدرة المجتمع على البقاء..!

المدن التي كانت تضج بالحياة تحولت فجأة إلى مساحات خوف، والبيوت التي كانت آمنة صارت فجأة أماكن مؤقتة. في هذه اللحظة تحديداً، تحركت النساء بمختلف فئاتهن من موقع الحياة العادية إلى موقع المسؤولية الكاملة، وكأن المجتمع اكتشف فجأة أن عموده الخفي كان دائماً هناك..!

في طرق النزوح الطويلة ظهرت أولى صور هذه البطولة الصامتة. آلاف النساء خرجن من بيوتهن يحملن أطفالاً وحقائب صغيرة وذاكرة أثقل من كل ما حملنه بأيديهن. بعضهن قطعن مسافات طويلة سيراً على الأقدام، وبعضهن وصلن إلى مدن لم يعرفنها من قبل، وبعضهن عبرن الحدود إلى دول أخرى. لكن القاسم المشترك بين كل هذه الرحلات كان شيئاً واحداً “الإصرار على إبقاء حياة الأسرة ممكنة مهما تغيرت الجغرافيا”..!

في معسكرات وبيوت النزوح ودول اللجوء بدأت مرحلة أخرى من البطولة، بطولة لا تُكتب في البيانات ولا تظهر في الصور. هنا ظهرت قدرة النساء السودانيات على صنع الحياة من أقل الإمكانيات. خيمة صغيرة تتحول إلى مطبخ، وزاوية ضيقة تصبح مكاناً للنوم، وأيام قاسية يعاد ترتيبها بطريقة تجعل الأطفال يشعرون بأن العالم لم ينهَر بالكامل. هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي عمل اجتماعي كامل ظلت تبذله النساء بصمت كل يوم..!

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة النزوح واللجوء هو ما يمكن تسميته باقتصاد الصبر. فالمرأة السودانية لم تكتفِ بتحمل أعباء النزوح واللجوء فحسب، بل وجدت طرقاً لخلق مصادر حياة جديدة. في الأسواق الصغيرة داخل الأحياء، وفي الأعمال البسيطة التي بدأت هنا وهناك، ظهرت محاولات مستمرة لإعادة إنتاج الحياة. ليس لأن الظروف تسمح بذلك، بل لأن الحاجة إلى الاستمرار أقوى من قسوة الظروف..!

وفي الوقت نفسه كانت المرأة تقوم بدور آخر لا يقل أهمية هو “حفظ الهوية”، ففي حالات النزوح الطويلة تصبح الهوية أول الأشياء المهددة الذوبان، لكن النساء بطريقتهن الخاصة، ينجحن غالباً في حماية هذه الذاكرة. في الطعام الذي يُطهى بالطريقة القديمة، وفي الأغاني التي تُغنى للأطفال قبل النوم، وفي الكلمات التي تحمل مضامين وقيم التعليم والتربية التي تُقال باللهجة نفسها رغم تغير المكان. بهذه التفاصيل الصغيرة يبقى السودان حاضراً حتى حين يبتعد جغرافياً..!

لكن خلف هذه القدرة المدهشة على الصمود توجد أيضاً ذاكرة ألم ثقيلة. كثير من النساء فقدن أبناءً أو أزواجاً أو بيوتاً في هذه الحرب. بعضهن يحملن حكايات لا تُروى بسهولة، وبعضهن يواصلن الحياة فقط لأن الأطفال يحتاجون إلى من يبقي العالم قائماً من حولهم. هذه المعادلة الصعبة بين الحزن والاستمرار هي ربما أكثر ما يميز تجربة النساء في الحروب..!

لهذا يبدو يوم الثامن من مارس – اليوم العالمي للمرأة – مختلفاً هذه المرة حين نتأمله في سياق حرب السودان. فهو ليس مجرد مناسبة للاحتفال أو الكلمات الجميلة، بل لحظة للتذكير بحقائق إنسانية عميقة. أهم هذه الحقائق أن النساء في أوقات الانهيار لا يكنّ مجرد ضحايا، بل يتحولن غالباً إلى القوة التي تمنع المجتمع من السقوط الكامل..!

التاريخ عادة يكتب قصص المعارك والانتصارات العسكرية، لكنه كثيراً ما يتجاهل القصص التي تجعل الحياة ممكنة بعد كل ذلك. وفي السودان اليوم، هناك آلاف القصص التي لم تُكتب بعد، قصص نساء حملن أطفالهن وذكرياتهن وقلوبهن المرهقة، وسرن بها عبر الدخان والحدود والقلق، فقط كي تظل الحياة مستمرة..!

وربما لهذا السبب تحديداً يمكن القول إن المرأة السودانية في هذه الحرب لم تكن فقط شاهدة على المأساة، بل كانت أيضاً أحد أهم أسباب بقاء المجتمع حياً. وفي عالم يميل دائماً إلى الاحتفاء بالبطولات الصاخبة، تبدو هذه البطولة الهادئة أكثر عمقاً، وأكثر إنسانية، وأكثر استحقاقاً لأن تُروى!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى