الإخوان المسلمون في السودان بين التصنيف الأمريكي والواقع.. الفارغة والمقدودة !!

حاجب الدهشة
علم الدين عمر
كلما كان النقاش الدائري يحتدم علي طاولته كان أستاذنا حسين خوجلى يلتفت لى ويقول.. هامساً: أديناهم فارغة وأدونا مقدودة.. وفي كل مرة تعلن فيها الإدارة الأمريكية تصنيفاً جديداً في سياق حربها المفتوحة على ما تسميه “شبكات التطرف”.. يتوقع المراقبون قدراً من الإتساق المنهجي والوضوح المفاهيمي في تحديد الكيانات المستهدفة.. لكن الإعلان الأخير المتعلق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد كونها قراراً سياسياً عابراً ..إذ يكشف عن فجوة معرفية حقيقية في فهم تعقيدات المشهد السوداني.. بل ويشير إلى أن بعض دوائر القرار ربما وقعت تحت تأثير روايات مضللة صاغتها جماعات ضغط سياسية وناشطين نجحوا في تقديم صورة غير دقيقة للواقع..
المشكلة الأولى في هذا القرار تكمن في السؤال البديهي الذي لم يُطرح بجدية: من هم الإخوان المسلمون في السودان؟!!
في الواقع السياسي السوداني.. لا توجد اليوم جماعة فاعلة ومؤثرة تحمل هذا الاسم بالمعنى التنظيمي المعروف في بعض الدول العربية..فـ”الإخوان المسلمون” ككيان محدد هو تنظيم صغير.. شبه غائب عن المشهد العام.. لا يملك حضوراً سياسياً واسعاً ولا تأثيراً يذكر في التوازنات الحالية.. أما التنظيم الذي كان يشكل الفاعل السياسي الأكبر تاريخياً فهو الحركة الإسلامية السودانية.. وهي بنية سياسية وفكرية أكثر تعقيداً وتنوعاً..تفرعت عنها لاحقاً أحزاب وتنظيمات متعددة.. أبرزها المؤتمر الوطني الذي حكم البلاد لثلاثة عقود قبل سقوط نظامه في عام 2019..
هذا التفريق ليس تفصيلاً لغوياً أو تنظيرياً.. بل هو مفتاح فهم المشهد فحين يصدر قرار بتصنيف “الإخوان المسلمين في السودان” دون تحديد دقيق للكيان المقصود يصبح القرار أقرب إلى توصيف فضفاض يخلط بين تاريخ سياسي طويل وبين واقع تنظيمي مختلف تماماً..
الأكثر إثارة للدهشة أن القرار يأتي في وقت يعيش فيه السودان حرباً وجودية معقدة.. تتجاوز الصراعات الأيديولوجية التقليدية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية..فالمعادلة الداخلية اليوم ليست صراعاً بين تيارات إسلامية وعلمانية أو بين أحزاب سياسية متنافسة.. بل هي معركة بقاء للدولة نفسها في مواجهة مليشيا مسلحة تسعى إلى تفكيكها..
في هذا السياق..يبدو إدخال تصنيفات أيديولوجية قديمة في قلب المعركة السودانية أقرب إلى تشويش سياسي منه إلى أداة ضغط فعالة..
فالواقع أن الشارع السوداني..بكل أطيافه..لم يعد معنياً بهذه الإستقطابات القديمة..الحرب أعادت ترتيب الأولويات بصورة جذرية..الدولة أولاً والمؤسسات الوطنية أولاً..والقوات المسلحة في مقدمة هذا المعسكر بإعتبارها الجهة التي تقود معركة الحفاظ على بقاء السودان ككيان موحد..
من هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ما الجدوى السياسية الحقيقية من هذا التصنيف؟..
إذا كان الهدف هو الضغط على قوى سياسية بعينها..فإن توقيته يبدو متأخراً لأن موازين القوى داخل السودان لم تعد تُبنى على أساس الإنتماءات الأيديولوجية القديمة..وإذا كان الهدف هو إرسال رسالة رمزية ضمن سياق الصراع الإقليمي مع جماعات الإسلام السياسي.. فإن إدراج السودان يكشف مرة أخرى عن ميل بعض دوائر القرار الدولي إلى قراءة المنطقة بنماذج جاهزة لا تعكس تعقيداتها الفعلية..
الأرجح أن ما حدث هو نتيجة تراكم روايات ضغط سياسي نجحت في الوصول إلى بعض منصات التأثير في واشنطن..فخلال السنوات الأخيرة نشطت مجموعات من الناشطين السودانيين في الخارج في تقديم ملفات وتقارير تصف المشهد السوداني بطريقة تختزل كل تعقيداته في ثنائية واحدة: “الإسلاميون مقابل الديمقراطيين”.. هذه الرواية المبسطة وجدت آذاناً صاغية في بعض الدوائر الغربية.. لكنها في المقابل تجاهلت حقيقة أن الواقع السوداني أكثر تشابكاً بكثير من هذه الصورة المختلة..
التجربة أثبتت أن المؤسسات الأمريكية نفسها كثيراً ما تعود لاحقاً لمراجعة مثل هذه التقديرات عندما تتضح الفجوة بين التصنيف النظري والواقع الميداني.. والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة..
لكن المفارقة الأهم أن هذا الجدل كله يحدث في وقت تجاوز فيه المجتمع السوداني لحد بعيد.. تلك الإصطفافات القديمة..فالمشهد اليوم تحكمه معادلة واحدة واضحة.. معسكر الدولة مقابل التمرد.. وفي ظل حرب تهدد وجود البلاد نفسها تبدو المعارك الأيديولوجية ترفاً سياسياً لا مكان له في أولويات الناس..
لذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الإستقطابات القديمة.. سواء عبر قرارات دولية أو عبر حملات دعائية داخلية..لن تغير كثيراً في المزاج العام السودانيون.. بعد أكثر من عامين من الحرب القاسية..باتوا أكثر ميلاً إلى الإصطفاف خلف فكرة الدولة ومؤسساتها..وأقل اهتماماً بالمعارك السياسية التي كانت تهيمن على النقاش العام في السنوات السابقة..
من هذه الزاوية.. قد يتحول قرار التصنيف نفسه إلى دليل إضافي على الفجوة بين قراءة الخارج وتعقيدات الداخل السوداني..وهي فجوة لن تُسد إلا عندما يبدأ صناع القرار في التعامل مع السودان كما هو..لا كما تصوره تقارير جماعات الضغط أو القوالب الأيديولوجية الجاهزة..
أما بالنسبة للسودانيين أنفسهم.. فالقضية أبسط بكثير المعركة التي تشغلهم اليوم ليست معركة التصنيفات السياسية.. بل معركة إستعادة الدولة وحماية مستقبلها.. وكل ما عدا ذلك مجرد تفاصيل تشملها مقولة أبوملاذ (فارغة ومقدودة).
////////////////



