من صناعة الحرب إلى أزمة الحياد: هل تغيّرت معادلة الخليج بعد حرب إيران؟

الجزء الثاني: حين تعثرت الحرب: ترامب بين البحث عن مخرج ورفض الخليج الانخراط*

بقلم: صباح المكي

*استراتيجية «مخرج الطوارئ»: إعلان النصر والبحث عن مخرج*

مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، حلّت محل الغاية القصوى المعلنة لتغيير النظام رسالة مشوشة ومتناقضة من البيت الأبيض. ولم تعد تصريحات ترامب تُقرأ بوصفها نداءً للحسم الكامل، بقدر ما بدت بحثاً محموماً عن مخرج من صراع بدأ يفلت من السيطرة. ففي أول مؤتمر صحفي له منذ بداية الحرب، أرسل إشارتين متعارضتين تماماً. فمن جهة، أعلن أن الولايات المتحدة «تحقق تقدماً كبيراً» وأن الأهداف العسكرية «اكتملت إلى حد كبير»، بل وصف الحملة القصفية الهائلة بأنها مجرد «مناوشة»، في خروج واضح عن دعواته السابقة إلى «هزيمة العدو بشكل كلي وحاسم» وفرض «الاستسلام غير المشروط» على النظام الإيراني. ومن جهة أخرى، هدّد في الوقت نفسه بأنه سيذهب «إلى أبعد من ذلك» إذا لزم الأمر، تاركاً نقطة نهاية الصراع غامضة عمداً. ولم تُقرأ هذه الرسالة المزدوجة بوصفها تعبيراً عن الثقة، بل كإشارة إلى أن الإدارة تبحث عن طريقة للخروج. فإعلان النصر، في مثل هذه اللحظات، لا يكون دائماً دليلاً على الحسم، بل وسيلة لصناعة غطاء سياسي يتيح إنهاء الحرب من دون تحقيق أهدافها الأصلية.

*«النموذج الفنزويلي» وتقليص الطموحات*

الإشارة الأكثر دلالة على هذا التحول كانت تغيّر تعريف ترامب نفسه لـ«النصر». فعندما سُئل عمّا يشكل فوزاً، لم يعد يتحدث عن تغيير النظام، بل أشار إلى «النموذج الفنزويلي»، مقترحاً أنه سيكون راضياً بوجود زعيم جديد داخل النظام الإيراني يمكنه «العمل معه».

هذا مثّل خفضاً واضحاً لسقف الطموحات. وقد أشار خبير الأمن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جيم والش، إلى أن مطلب «الاستسلام غير المشروط» كان من أسوأ التكتيكات الممكنة، لأنه لا يدفع الخصم إلى التراجع، بل إلى القتال بشراسة أكبر. ومن هذه الزاوية، بدا ترامب وكأنه يحاول، بصورة متأخرة وغير متقنة، صناعة مخرج يحفظ ماء الوجه. لم يعد الهدف تدمير النظام، بل إيجاد صيغة توقف القصف من دون اعتراف صريح بالفشل.

*البحث العلني والخاص عن مخرج*

ترامب نفسه اعترف، في مقابلة مع أكسيوس، بأن لديه عدة «مخارج طوارئ» تحت تصرفه. وطرح سيناريو يقوم على «الانسحاب خلال يومين أو ثلاثة» مع الاكتفاء بتحذير إيران من إعادة بناء برنامجها، والتهديد بجولة جديدة من القصف إذا فعلت. وكان هذا النهج، القائم على التوقف والعودة إلى القصف عند الحاجة، بعيداً كل البعد عن صورة الضربة الحاسمة التي تنهي الحرب، والتي سوّقتها الإدارة في بدايتها. وهكذا بدا «مخرج الطوارئ» الذي لوّح به ترامب أقرب إلى رغبة أمريكية في وقف حرب متدحرجة من كونه تسوية ناضجة أو متفقاً على شروطها.

ولم يقتصر البحث عن هذا المخرج على الخطاب العلني، بل توازى مع اتصالات ومحاولات وساطة في الخلفية. فقد جرى الحديث عن تواصل غير مباشر وقنوات خلفية لبحث شروط إنهاء الحرب، كما طُرحت وساطات، كان أبرزها العرض الروسي. غير أن ما تكشفه هذه القنوات لم يكن اندفاعاً إيرانياً نحو التهدئة، بل بحثاً أمريكياً عن وقفٍ للنزف في مقابل رفض إيراني لوقف نار تقليدي ما دامت الضربات الأمريكية والإسرائيلية مستمرة. وقد نفت طهران أنها تواصلت مع واشنطن طلباً لمحادثات سلام، وأكدت أن أي حديث عن التهدئة لا يمكن فصله عن شروط أوسع تتعلق بالعقوبات، والضمانات، وحدود أي تفاوض لاحق على البرنامجين النووي والصاروخي.

ولم تعد الحرب تهدد الإقليم وحده. فمع إغلاق إيران مضيق هرمز عملياً، وانهيار حركة الملاحة فيه إلى مستوى شبه الشلل، بدأت كلفة التصعيد تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي نفسه. وهنا لم يعد البحث عن مخرج مجرد خيار سياسي، بل ضرورة تفرضها أيضاً كلفة الحرب المتسعة.

*تردد دول الخليج: كلفة الانخراط في الحرب*

بينما كان ترامب يبحث عن مخرج، حاول في الوقت نفسه توسيع التحالف ضد إيران، وبخاصة عبر الضغط على دول الخليج العربية الغنية للانضمام إلى القتال. ولم تُخفِ إدارته رغبتها في إشراكها. فقد صرح سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، بأنه يتوقع «المزيد من العمل الدبلوماسي وربما العسكري» منهم في الأيام والأسابيع المقبلة. ثم جاء تصريح أكثر عدوانية من السناتور ليندسي غراهام، الذي خاطب السعوديين مباشرة قائلاً: «إذا كنتم غير مستعدين لاستخدام جيشكم الآن، فمتى ستكونون مستعدين؟ … إذا لم تفعلوا، ستكون هناك عواقب». وقد صُممت هذه الحملة لإجبار دول الخليج على اختيار جانب علناً، وتأطير الصراع بوصفه معركة مشتركة ضد عدو إيراني واحد.

لكن هذه الجهود قوبلت بمقاومة واضحة. فدول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، لم تكن أطرافاً متحمسة لهذه الحرب، بل كانت ترى فيها تهديداً مباشراً لاستقرارها وأمنها ونموذجها الاقتصادي. فقبل عقد من الزمن، ربما كانت بعض هذه العواصم سترحب بضربة أمريكية ضد إيران. أما اليوم، فقد أصبحت أكثر انخراطاً في إدارة التوتر مع طهران لا تفجيره، لأن مشاريعها الطموحة للتنويع الاقتصادي تعتمد أساساً على الاستقرار. ومن هذه الزاوية، لم يكن الخليج شريكاً مندفعاً في الحرب، بل طرفاً يخشى أن يتحول إلى أحد أكبر الخاسرين فيها.

وقد تكشف هذا الخوف سريعاً على الأرض. فالضربات التي طالت منشآت وخوادم تابعة لخدمات أمازون ومايكروسفت السحابية في الإمارات والبحرين أظهرت أن البنية التحتية الرقمية لم تعد خارج بنك الأهداف. فقد نقلت رويترز، في 2 مارس 2026، أن مرفقين في الإمارات تعرضا لضربات مباشرة، بينما تضرر مرفق ثالث في البحرين بسبب ضربة قريبة، ما تسبب في أعطال وانقطاعات في الخدمات. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد النقاش محصوراً في أمن الموانئ والطاقة، بل امتد إلى مراكز البيانات نفسها بوصفها أصولاً استراتيجية في حروب القرن الحادي والعشرين، خصوصاً في الخليج، حيث تتداخل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي مع الأمن والطاقة والاتصالات.

ولم يتوقف أثر الحرب عند حدود القصف والردع، بل امتد إلى القلب الاقتصادي للخليج نفسه. فقد أعلنت قطر والكويت والبحرين القوة القاهرة، كلٌّ في نطاق مختلف من عملياتها النفطية والغازية، مع توقفات طالت التسييل والتكرير والشحن، فيما دفعت الاضطرابات في مضيق هرمز أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع الحاد، مؤكدة أن كلفة الحرب لن تبقى محصورة في الميدان العسكري. أما الإمارات، فبدت من أكثر المتضررين اقتصادياً وفي صورة الأمان التي بنتها لنفسها. فإلى جانب الضربات التي طالت مرافق مرتبطة بالطاقة والبنية التحتية الرقمية، تعرضت صورة دبي نفسها لاهتزاز عميق. فالمدينة التي بُنيت علامتها على الرفاهية والأمان والانفصال عن اضطراب الإقليم، بدت في بعض مشاهدها التجارية والسياحية أقرب إلى الشلل والفراغ منها إلى الحيوية التي طالما سوّقت لها، في تطور أصاب أسطورة «الملاذ الآمن» في صميمها، وهزّ صورة الرفاهية المحصنة أكثر مما هزّ الأبراج ذاتها.

وفي هذا السياق، لم يكن رفض دول الخليج الانخراط في الحرب مجرد تردد عابر، بل خياراً فرضته كلفة الانخراط نفسها. فالدخول في المواجهة لم يعد يعني فقط الاصطفاف مع واشنطن، بل تعريض الاقتصاد، والبنية التحتية، وصورة الاستقرار الخليجي نفسها، لضربات مباشرة.

*التمسك بالموقف: لماذا رفض الخليج؟*

ومع ذلك، تمسكت دول الخليج بموقفها. ولم يكن رفضها الانخراط في الحرب مجرد تردد عابر، بل موقفاً نابعاً من الغضب، والمصلحة الاستراتيجية، وانعدام الثقة العميق في طريقة إدارة واشنطن للصراع.

*الخيانة وعدم الإخطار:* عبّر مسؤولون خليجيون عن استيائهم العميق من أن الولايات المتحدة لم تُخطرهم مسبقاً بالضربات الأولى ضد إيران، ما تركهم مكشوفين وغير مستعدين لموجة الرد الإيراني. وقال أحدهم إن مخزون بلاده من صواريخ الاعتراض «يستنزف بسرعة»، لأن الولايات المتحدة ركزت على حماية إسرائيل وقواتها، تاركة دول الخليج تدافع عن نفسها.

*«هذه حرب نتنياهو»:* ساد في المنطقة تصور واسع بأن إسرائيل، لا الولايات المتحدة، هي المهندس الحقيقي لهذا الصراع. وقد قال الأمير تركي الفيصل علناً: «هذه حرب نتنياهو. لقد أقنع الرئيس بطريقة ما بدعم وجهات نظره». ومثل هذا التصور جعل قادة الخليج أكثر تردداً في التضحية بأمنهم وثرواتهم من أجل أجندة يرونها إسرائيلية في جوهرها.

*حساب «أهون الشرين»:* بالنسبة إلى قادة الخليج، لم تكن الخيارات جيدة. فالانضمام إلى الولايات المتحدة يعني دعوة انتقام إيراني مباشر ومستمر، بما يهدد الرفاه والاستقرار اللذين بُنيا على مدى عقود. أما البقاء على الهامش، فيعني المخاطرة بإغضاب الحليف الأمريكي. وهكذا وجدوا أنفسهم، كما وصف أحد المحللين، «بين حرب لم يريدوا خوضها وحامٍ هو من بدأها». وفي النهاية، اختاروا تحمل الضغط الأمريكي على المجازفة بدمار إيراني مباشر.

*انهيار التفاهم مع طهران*

كان أحد الأسباب الرئيسية لغضب الخليج انهيار تفاهم غير معلَن مع طهران. فقد كشف مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش عن وجود «اتفاق شرف» يقضي بعدم استخدام الأراضي الخليجية لمهاجمة إيران، مقابل امتناع إيران عن استهدافها.

لكن مع انطلاق الضربات على إيران من أصول أمريكية متمركزة في الخليج أو من المجال المرتبط به، انهار هذا التفاهم عملياً، ووُضعت دول مثل الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين في موقع لا يُحتمل، فيما بدت الإمارات الأكثر تعرضاً للضربات والأشد تضرراً اقتصادياً وفي صورة الأمان التي بنتها لنفسها. فمن منظور طهران، لم تعد المسألة حياداً خليجياً كاملاً، بل عجزاً عن منع استخدام الأرض والمجال الجوي والقواعد في حرب تُشن عليها، أو قبولاً ضمنياً بذلك. وبذلك تحطمت سياسة التحوط التي اعتمدتها هذه الدول لسنوات، ووجدت نفسها أمام خلاصة مرة: محاولات التوازن بين واشنطن وطهران لم تمنع الخطر من الوصول إليها.

وفي الوقت نفسه، انكشفت حدود المظلة الأمريكية نفسها. فبدلاً من أن تؤمّن واشنطن الحماية لحلفائها عند لحظة الاختبار، وجدت دول الخليج نفسها مضطرة إلى حماية القواعد والأصول الموجودة على أراضيها بقدراتها هي. وهنا لم يعد السؤال مقتصراً على كلفة الانخراط في الحرب، بل امتد إلى معنى الشراكة نفسها: ما جدوى الوجود الأمريكي إذا كانت قواعده تستجلب الخطر، بينما تبقى مهمة الحماية الفعلية عبئاً على الدول المضيفة؟

في هذا السياق، لم يكن رفض دول الخليج الانضمام إلى الحرب مجرد تردد، بل قراراً استراتيجياً نابعاً من غضب مزدوج: غضب من واشنطن لأنها بدأت حرباً انطلقت من أصول وقواعد متمركزة في المجال الخليجي، فعرّضت هذه الدول للخطر من دون أن توفر لها حماية مكافئة، وغضب من طهران لأنها تعاملت مع هذا الواقع بوصفه مبرراً لاستهدافها. ومع استمرار الحرب، وجد ترامب نفسه في أسوأ وضع ممكن: غير قادر على تحقيق نصر حاسم، يبحث علناً عن مخرج، ويقاتل من دون الحلفاء الإقليميين الذين كان يحتاج إليهم لإطالة الحملة.

*الخاتمة: من مأزق الحرب إلى أزمة الحياد*

لكن تعثر الحرب لم يكشف مأزق واشنطن وحده، بل فتح سؤالاً أكبر عن الخليج نفسه: عن حدود الحماية، وهشاشة التحوط، وإمكان البقاء خارج النار مع إبقاء كل القنوات مفتوحة. ومن هنا يبدأ *الجزء الثالث: أزمة الحياد، أو كيف كشفت الحرب هشاشة المعادلة الخليجية نفسها*.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى