رسالة الي وزير الإعلام.. صورة لإدارة التوجيه المعنوي

معركة الوعي.. حين تتحول المعلومة إلى سلاح ضد الدولة

حرب الشائعات في زمن الذكاء الاصطناعي

الإعلام الوطني أمام اختبار المسؤولية

الفبركة الرقمية ومحاولات تشويه صورة السودان

الكلمة والصورة في ميدان المعركة

بقلم: الفريق أول يحي محمد خير أحمد

تشهد هذه الأيام منصات ومواقع تابعة لمليشيات الجنجويد وبعض المجموعات السياسية المعروفة نشاطاً مكثفاً في بث مقاطع فيديو مفبركة ومركبة بصورة متقنة، تستهدف شخصيات قيادية في الدولة، عسكرية ومدنية، وهي شخصيات معروفة تظهر في مناسبات عامة مختلفة.

وتعتمد هذه المنصات على تقنيات حديثة في التلاعب بالمحتوى، حيث يتم تركيب المقاطع أو إعادة صياغتها بطريقة توحي بمفاهيم ومواقف لم تصدر أصلاً عن تلك القيادات. وغالباً ما تتجه هذه الفبركات إلى الإيحاء بتأييد جهات أو دول بعينها، أو الترويج لدلالات سياسية قد تضع السودان في مواقف محرجة مع الدول الشقيقة والصديقة.

إن خطورة هذا الأمر لا تكمن فقط في الكذب والتضليل، وإنما في توقيته أيضاً. فالسودان اليوم يخوض معركة كبيرة ومعقدة في عدة محاور، فهي ليست معركة عسكرية فقط، بل هي معركة سياسية وإنسانية واجتماعية ودبلوماسية في آنٍ واحد.

وفي مثل هذه الظروف تصبح المعلومة جزءاً من ميدان المعركة، وقد تتحول الكلمة أو الصورة إلى أداة تأثير لا تقل خطورة عن أي سلاح آخر.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي، رغم ما يحمله من إمكانات هائلة لخدمة البشرية، أحد أخطر أدوات العصر عندما يُساء استخدامه في صناعة الأكاذيب وتشويه الحقائق وبناء محتوى مضلل يخدم أجندات معادية.

وفي المقابل، فإن التناول الإعلامي لبعض القضايا الداخلية دون التحقق الدقيق من المعلومات أو التأكد من مصادرها أصبح ظاهرة متزايدة في بعض الوسائط ومنصات التواصل الاجتماعي. إذ تُنشر الأخبار والتحليلات بسرعة كبيرة، أحياناً دون مراعاة لخطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، أو لما قد يترتب على ذلك من آثار على الرأي العام وصورة الدولة في الخارج.

ولا يخفى على أحد أن السودان يواجه عدواً غاشماً يجد ــ في كثير من الأحيان ــ دعماً سياسياً وإعلامياً في بعض دوائر المجتمع الدولي، في مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من الضوابط الأخلاقية.

ومن هنا يصبح من الضروري طرح سؤال واضح: ما المطلوب من أهل الإعلام ومن الناشطين في هذه المرحلة الدقيقة؟

الحقيقة أن الحلول ربما تكون موجودة، لكنها تحتاج إلى تفعيل وإرادة قوية لتنفيذها. ومن أهم هذه الآليات مجالس التنسيق الإعلامي التي يفترض أن تضع الخطط الاستراتيجية بالتنسيق مع المؤسسات الرسمية، وأن تضطلع بدورها في توجيه الخطاب الإعلامي بما يخدم المصلحة الوطنية ويحمي صورة الدولة.

كما تبرز ضرورة مراجعة القوانين المنظمة للعمل الإعلامي والمعلوماتي حتى تواكب التطورات التقنية الهائلة، خاصة في ما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي والتلاعب الرقمي بالمحتوى.

ولا يقل عن ذلك أهمية دور الجهات الرقابية المختصة في ضبط الخطاب الإعلامي ومتابعة ما يُنشر، حتى لا يتحول ــ عن قصد أو دون قصد ــ إلى مادة يستفيد منها الخصوم في حملاتهم الإعلامية.

ومن الظواهر التي تستحق التوقف عندها أيضاً قيام بعض الناشطين بتصوير الأوضاع في العاصمة وشرحها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن كثيراً من هذه المبادرات تنطلق من نوايا حسنة، إلا أن بعض تلك الصور أو الرسائل قد تعكس أحياناً صورة سلبية أو غير مكتملة عن الواقع.

كما أن الإكثار من مناشدة المواطنين للعودة قد يعطي انطباعاً عاماً بوجود حالة من الفراغ أو الغياب، بينما تشير الوقائع إلى أن برامج العودة الطوعية تمضي في مسار إيجابي ومتواصل.

إن ما نطرحه هنا ليس اتهاماً لأحد، بل هو دعوة لنقاش جاد بين أهل الاختصاص من إعلاميين وخبراء ومؤسسات رسمية، لأن المرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم هو:

كيف يمكن أن نُنتج خطاباً إعلامياً يخدم المعركة الوطنية في أبعادها العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، بدلاً من أن يتحول ــ دون قصد ــ إلى ثغرة يستغلها الخصوم؟

إن معركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، بل ربما تكون في بعض الأحيان خط الدفاع الأول عن الدولة وصورتها ومستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى