إرهاصات ما قبل الطامة (٢-٧): أرجوحة الشتات ونذر الرماد

بقلم: مهندس محمد عبد اللطيف هارون

​وكما جرت العادة التي لم يقطعها إلا وجع البلاد، قضيتُ الأيام الأولى من رمضان في الخرطوم، أرتشف من “بساط المحبة” ما يكفيني من زاد الروح، قبل أن أشد الرحال نحو القاهرة، حيث أسرتي الصغيرة التي اختارت الملاذ الآمن منذ عام ٢٠٢٠.

​هجرة قسرية.. ووطنٌ تحت الحصار

​لقد تشتت شملنا في أصقاع الأرض؛ “همام ومصعب ومعاذ” استقروا في بلادٍ “تموت من البرد حيتانها”، بحثاً عن مستقبلٍ سرقته منا التقلبات السياسية. ومنذ رحيلهم، انقلب وجه الخرطوم الذي نعرف؛ استوطن “فايروس الخوف” في الشوارع، وظهرت غول “٩ طويلة”، وتفشت جرائم السطو، بينما أصيبت الجامعات بالشلل جراء صرخات الشباب الغاضب في المليونيات.

كانت الشوارع “تُتَرَّس” بالخيبات قبل الحجارة، كباري مغلقة، وشبابٌ يغلي من “التسويف” في دماء شهداء القيادة العامة، ويهتف بمرارة ضد مساومات السياسة: “بي كم بي كم قحاتة باعوا الدم”. وسط هذا العبث، كانت هجرتنا للقاهرة بحثاً عن “طمأنينة” مفقودة، وظللتُ أنا “بندولاً” يتأرجح بين أشغالي في السودان الذي أعشق، وبين أسرتي في مصر المؤمّنة ..

و بينهما ​منتدى “البرش” و محاولات تشريح ” الاتفاق الإطاري” و كل البلاد فوق فوهة بركان ، ​في تلك الأيام من مارس ٢٠٢٣، وقبل الكارثة بثلاثة أسابيع، كان “الاتفاق الإطاري” هو القيد الذي يربط الجميع، واللغز الذي يحاول الكل حله. تحول “برش الإفطار” عقب الصلاة وقبل القهوة إلى “برلمان شعبي” حي.

إذا كان عام ٢٠٢٢ قد سكنه وجع “انقلاب أكتوبر”، فإن هذا العام كان مثقلاً بتبعات الخامس من ديسمبر ٢٠٢٢؛ يوم وقع العسكر والمدنيون “الاتفاق الإطاري”. كنا نراقب الورش والجداول الزمنية، ونحبس أنفاسنا بانتظار تشكيل الحكومة المدنية، لكن الأصوات المعارضة كانت ترتفع كدخان الحريق القادم.

​برزت أصوات “الحركة الإسلامية” مهددة بعواقب وخيمة، وفي المقابل، كان قادة “قحت” (بابكر فيصل، جعفر حسن، ومحمد الفكي) يرددون في كل مائدة رمضانية تحذيراً واحداً: “إما الإطاري.. أو الحرب البشعة”.

​كان للبروفيسور الساعوري، بعين الأكاديمي الخبير، رأيٌ يقطر حكمة وعقلانية؛ يرى أن أي اتفاق يُبنى على “الإقصاء” هو مشروع حرب مؤجلة. كان يحذر من تهميش “الكتلة الديمقراطية” أو الاستهانة بـ”الحركة الإسلامية” ككتلة اجتماعية بعيداً عن أخطاء حزبها الحاكم. كان الساعوري يؤمن بقانون “الحد المعقول من التراضي”، وينصح بالتريث قبل القفز في المجهول.

​لكن الأسئلة كانت تصفع الوجوه: قحت متمسكة بـ”الإطاري” كفرصة أخيرة، والجيش يرفض التوقيع دون إجماع شامل، والدعم السريع يدافع عن الاتفاق “قلباً وقالباً” نكايةً في الجيش، وتشبثاً بمدة السنوات العشر لدمجه.

​لم نكن بحاجة لـ”زرقاء اليمامة” لنبصر ما خلف الأكمة؛ فالإقصاء لا يلد إلا ضغينة، ولغة الكراهية لا تنبت إلا دماً. حين سمعتُ وعيد قادة “قحت” بالحرب، أيقنتُ أنهم يدركون نية “الدعم السريع” في التمرد. وحين قرأتُ ما بين سطور تهديدات “الناجي عبد الله”، وعيتُ تماماً أن الفوضى قد سُرجت خيولها.

​غادرتُ الخرطوم إلى القاهرة في الحادي والثلاثين من مارس، قضيتُ عشرة أيام هناك، ثم عدتُ فجر العاشر من أبريل.. عدتُ لأستقبل الكارثة في داري، ولم يكن يفصلني عن “الطامة الكبرى” سوى خمسة أيام فقط!

​نواصل ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى