ملح الأرض “اختفاء الطبقة الوسطى… التحول الصامت في المجتمع السوداني”

بقلم: خالد ماسا
وإلى وقت قريب، قبل اندلاع الحرب في السودان، كانت “الشجون” هي عنوان لاجترار الذاكرة السودانية واحتشادها بكل التفاصيل المتعلقة بالطبقة الوسطى.
حضورها في طبقات الاقتصاد الاجتماعي وتأثيرها الواضح في المشهد السياسي والثقافي، وهي الطبقة التي لم تغب حتى من بيت الفن السوداني بأغنياته التقليدية والحديثة، الشيء الذي يؤكد التأثير الكبير لهذه الطبقة في تشكيل الوجدان السوداني، الذي بدأ مبكرًا يتحسس انحسار هذه الطبقة وبداية تآكلها لأسباب مختلفة.
وفي الحالة السودانية كانت فئة الموظفين الحكوميين والمعلمين والأطباء والمحامين والمهندسين وموظفي البنوك والشركات والأكاديميين هي من تمثل هذه الطبقة، وتمثل العمود الفقري للمجتمع الحضري في مدن السودان، قبل أن تتنازل هي ذاتها عن مدينيتها للخرطوم.
(*) تفاصيل ما حدث ..
الاعتماد على “الراتب”، وهو الثابت الوحيد في قيمته أمام متغيرات كثيرة في الاقتصاد السوداني، هو واحد من أسباب تآكل الطبقة الوسطى في السودان وعدم قدرتها على مواجهة طوفان التضخم الذي قلل من قيمته الشرائية وضيق الخناق على هذه الطبقة، وأفقدها أحد أهم أدواتها في مواجهة الوضع المعيشي في السودان، الذي لم يعد فيه بالإمكان وضع أرقام شهرية قادرة على السيطرة عليه توفرها رواتب الطبقة الوسطى.
فرضت الحرب المندلعة في أبريل 2023م على غالبية سكان جغرافيا الحرب “النزوح” إلى جغرافيا يختلف واقعها تمامًا عن الواقع الذي تشكلت فيه الطبقة الوسطى، وفي عشية وضحاها توقفت كل مصادر الدخل التي تعتمد عليها، وباتت “لقمة العيش” مرتبطة بأنشطة غير تلك التي صنعت خبراتهم وراكمت معارفهم، وبات البحث عن مصادر رزق تحتاج لمؤهلات مختلفة هو فرض العين لمقابلة مستجدات فرضتها الحرب.
أصحاب “البصيرة” قادتهم تحليلاتهم لِمآلات الحرب إلى اختيار الهجرة والتفكير عمليًا في تأسيس حياة جديدة خارج الوطن، ولو بشروط اللجوء القاسية. فكانت الخسارة الأكبر في الحرب متمثلة في “النزيف” في الكوادر البشرية المؤهلة، والتي ضاقت عليها سبل العيش الكريم، ووجدت الفرص في سوق الهجرة، المنافسة فيه قائمة على الكفاءة، وليس على تلك التي ضيقت أي واسع على مكونات هذه الطبقة الآخذة في التآكل يومًا بعد يوم.
“اللجوء”، وعلى قساوته ومراراته، إلا أننا نعتقد بأنه قد فتح آفاقًا جديدة على الطبقة الوسطى السودانية، وذلك عبر اكتشاف جغرافيا جديدة لم تكن ضمن نطاق البحث عن الهجرة والبحث عن بدائل، فانفتحت أبواب الجوار الإفريقي للكفاءات السودانية بعد سيطرة لعقود لأسواق العمل في الخليج وأوروبا.
“التجريف” الذي حدث بسبب الحرب، إما بالنزوح أو اللجوء، أكمل حلقات اهتزاز التوازن في الدولة السودانية، وأخذت الفجوة بين الفقراء والأغنياء في اتساع كأحد تمظهرات تآكل الطبقة الوسطى لصالح طبقات صنعتها الظروف العامة في السودان، وفي مقدمتها أولياء السلطان وأثرياء الحرب والناشطون في مجالات الاقتصاد غير الرسمي والهامشي، وتعدد سبل الكسب السريع كالتعدين العشوائي والتهريب.
تآكلت هذه الطبقة عندما قل الصرف من موازنة الدولة على التعليم والاجتهاد في تجويد مخرجاته بمستوياته الأولية والعليا، وبالتالي لم تعد مؤسسات التعليم قادرة على تعويض الفاقد من تآكل هذه الطبقة لصالح طبقات تكونت بفعل الحرب، صارت تفرض شروطها وقيمها المجتمعية.
(*) الحرب .. خارطة جديدة للمجتمع ..
وبقدر ما أن الحرب في مظهرها الأكثر وضوحًا في السودان يبدو اقتصاديًا، إلا أن الحرب الآن ترسم خارطة تحول اجتماعي كبيرة، الخاسر فيها بالمقام الأول هي الطبقة الوسطى، والتي ظلت لعقود عمادًا للاستقرار الاجتماعي والإداري في السودان.
وإذا اعتمدنا على تقديرات البنك الدولي حول الفقر والطبقات الاجتماعية في إفريقيا للنظر حول تأثيرات الحرب على الطبقة الوسطى في السودان، فإننا سنجد أن الذين يعيشون بمتوسط دخل أكثر من 11 دولارًا يوميًا هم قلة تمثل الطبقة الوسطى المستقرة بنسبة 5%، بينما تشير ذات التقديرات إلى أن من يعيشون بأقل من ذلك يمثلون الطبقة الوسطى الهشة بنسبة 20%، والأغلبية الأكبر يمثلون الطبقة الفقيرة في السودان.
وهذه الأرقام المشار إليها تثبت معلومة أن السودان في فترة ما قبل الحرب كانت الطبقة الوسطى فيه تمثل شريحة صغيرة جدًا، وأن موجات اقتصاد الحرب المتعددة قد جرفت بطوفانها هذه الطبقة، إما بالتضخم الذي أقعد القوة الشرائية للرواتب، أو بالتسبب في فقدان الوظائف بسبب توقف عجلة الدواوين الحكومية والشركات وقطاع التعليم، والباقي تكفلت به “الهجرة المهنية”، والتي تكفلت بخسارة السودان للأطباء والمهندسين والمعلمين.
وبسبب الحرب انزلقت نسبة كبيرة ممن اختاروا البقاء إلى الفقر، ليبدو خط الترسيم الاجتماعي في السودان بعد الحرب يفصل بوضوح بين طبقتين: صغيرة ميسورة الحال، وأخرى فقيرة تمثل غالبية الشعب السوداني، تتمثل فيها هشاشة الاقتصاد السوداني.
(*) سودان ما بعد الحرب .. كنتور اجتماعي جديد ..
والتجارب الإنسانية مع الحروب تقول إن المجتمعات لا تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب غالبًا، وأنها تعيد تشكيلها من جديد تحت تأثير اقتصاديات الحرب. والباب الذي خرجت منه الطبقة الوسطى من تركيبة وخارطة البناء الاجتماعي في السودان يمكن أن تعود منه بمعالجات اقتصادية تبدأ بالإنتاج المؤدي إلى إيقاف التضخم، السبب الرئيس في تآكل الرواتب، والتفكير عمليًا في التأسيس لمراكز حضرية متعددة اتضح أنها واعدة بعد انتقال رؤوس الأموال والمستثمرين إليها، الشيء الذي يزيد من نسبة الوظائف فيها.
مشروعات إعادة إعمار ما دمرته الحرب تمثل فرصًا واعدة لإعادة تشغيل واستيعاب الطبقة الوسطى والاستفادة من خبراتها، وتتيح لهم استعادة المسار المهني والوظيفي والدخول ضمن خارطة الاقتصاد الرسمي، واستعادة لياقة “الراتب” في مقابل متطلبات الطبقة الوسطى.
تضرر قطاع الخدمات بشكل كبير بسبب الحرب، وحاجة الدولة لاستعادته لاستعادة الحياة وتشجيع المواطنين على العودة الطوعية تفتح الباب أمام جزء كبير من الطبقة الوسطى لاستعادة مساهمتهم في هذا القطاع الخدمي، وبالتالي تقليل نسبة الهدر في الكفاءات والقدرات التي ظل السودان يفقدها بسبب الهجرة أو تغيير النشاط الاقتصادي.
الاقتصاد الرقمي والتطور الكبير في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات يشكل القفزة الأكبر في الاقتصاد العالمي، والسودان ليس بعيدًا عن هذا السوق، وباجتهاد بسيط يمكن أن يشكل الانفتاح عليه ـ بدخول الشركات العالمية وضخ استثماراتها في الاقتصاد السوداني ورقمنة العمليات الحكومية ـ من شأنه أن يؤسس بناءً قويًا لطبقة وسطى جديدة في خارطة بناء المجتمع السوداني.
الخسائر التي تسببت فيها الحرب وعواملها الاقتصادية، وتسببت في فقدان جزء كبير من الطبقة الوسطى بسبب الهجرة، يمكن أن تكون إضافة للاقتصاد السوداني حال الاستفادة من زيادة نسبة التحويلات المالية للمغتربين والمهاجرين السودانيين، والتي من شأنها أن ترفع مستوى دخل الأسر، وتوفر قدرًا من التعليم الجيد، وتفتح بابًا لاستثمارات صغيرة للمنتجين، وبالتالي ترتفع القدرة المالية والاقتصادية للطبقة الوسطى الجديدة.
الحقيقة الماثلة الآن، والتي يجب العمل على الاستفادة منها، هي أن الحرب قد تسببت في تفكيك مركزية الاقتصاد السوداني في الخرطوم، وأن هنالك مظاهر لبناء اقتصاد الولايات وبناء مراكز قوة اقتصادية في مدن غير الخرطوم، الشيء الذي يضمن توزيعًا غير مركزي للطبقة الوسطى.
الطبقة الوسطى في السودان ليست مجرد تصنيف في المجتمع السوداني، بل هي الحامل وأساس الدولة الحديثة، والتي تبدأ بالتأسيس لاستقرار سياسي، وهو العامل المهم لاستعادة الطبقة الوسطى لتأثيرها ووجودها على أسس جديدة في السودان، إضافة لإعادة النظر في استراتيجيات التعليم في السودان والعمل على إصلاح السياسات التعليمية فيه، لأن جودة مخرجاته هي التي تعطي الطبقة الوسطى مكانتها وتأثيرها وبناءها على أسس متينة وجديدة.
إعادة التفكير في أسس بناء الاقتصاد السوداني على الأنشطة التي هو مؤهل فيها للانطلاق بقوة، كالاهتمام بالزراعة والصناعة، لأن الاقتصاد الإنتاجي يعيد تشكيل الطبقة ويستفيد من إمكانياتها وخبراتها.
كما تقوم مؤسسات الدولة الفعالة على أكتاف هذه الطبقة، والتفكير في أولوية بناء الدولة مؤسسيًا يستعيد للطبقة الوسطى دورها في الدولة السودانية ويفتح المجال لبناء اجتماعي جديد للطبقة الوسطى.



