من صناعة الحرب إلى أزمة الحياد: هل تغيّرت معادلة الخليج بعد حرب إيران؟

الجزء الثالث: الخليج تحت النار: نهاية وهم الحياد

*بقلم. صباح المكي*

*لا حصانة للوسطاء*

كان الدرس الأكثر قسوة في هذه الحرب أن الوساطة نفسها لم تعد تحمي، وأن استراتيجية التحوّط التي أتقنتها العواصم الخليجية على مدى عقود انهارت بالكامل. فقد انكشف الاعتقاد بإمكان لعب دور “الكانتونات السويسرية” المحايدة في الشرق الأوسط، عبر الإبقاء على قنوات مفتوحة مع طهران وواشنطن وتل أبيب في آن واحد، مع البقاء خارج دائرة النار، بوصفه وهمًا استراتيجيًا أكثر منه سياسة قابلة للاستمرار.

وكما قال أحد المحللين بوضوح: الوساطة لا توفّر حصانة. فقطر، التي استضافت قيادة حماس وتشارك إيران أكبر حقل غاز في العالم، لم تسلم من الاستهداف. وعُمان، التي أدّت لعقود دور الوسيط الدبلوماسي المفضّل لطهران، لم تُستثنَ هي الأخرى. وحتى السعودية، التي استثمرت بكثافة في مسار تقارب توسطت فيه الصين مع إيران، شهدت استهداف منشآتها النفطية ومطاراتها.

كان الدرس حاسمًا: عندما يشعر النظام في طهران بتهديد وجودي، لا يعود للحياد وزن حقيقي، ولا للاستثمارات الدبلوماسية قدرة على كبح السلوك. في تلك اللحظة، لا تسأل إيران من حاول تفادي الصدام، بل أين يمكن توسيع دائرة النار.

*جغرافيا الاستهداف: كيف توزعت الضربات على الخليج؟*

تكشف الأرقام وحدها أن الاستهداف الإيراني لم يكن موزعًا بالتساوي بين دول الخليج، بل اتخذ شكلًا هرميًا واضحًا عكس الأولويات الإيرانية في تحديد من يقع داخل قلب المعركة ومن يوجد على هامشها. فبحسب البيانات التي نقلتها رويترز عن وزارات الدفاع والجيوش الخليجية حتى 9 مارس، استحوذت الإمارات وحدها على نحو 65% من إجمالي المقذوفات والأهداف الجوية التي توفرت عنها بيانات منشورة، بعدما رُصد باتجاهها 253 صاروخًا باليستيًا و1,440 طائرة مسيرة و8 صواريخ كروز، أي ما مجموعه 1,701 هدف جوي. في المقابل، سُجل للكويت 428 هدفًا جويًا، بما يعادل نحو 16%، وللبحرين 281، أي نحو 11%، ولقطر 199، أي نحو 8%. أما السعودية وعُمان، فلم تتوافر لهما في ذلك التجميع بيانات منشورة مماثلة.

ولا تشرح هذه الأرقام حجم الهجمات فقط، بل تكشف أيضًا منطق الاستهداف نفسه. فالإمارات لم تكن الأكثر تعرضًا للنار صدفة، بل لأنها قُرئت إيرانيًا بوصفها العقدة الخليجية الأكثر التصاقًا بالبنية العسكرية والسياسية المعادية لطهران. والكويت، رغم خطاب الحياد، لم تبقَ خارج المشهد، فيما بدت البحرين امتدادًا مباشرًا لجغرافيا الوجود العسكري الأمريكي. بهذا المعنى، لا تقدم الأرقام مجرد خلفية كمية للحرب، بل خريطة سياسية مكثفة للكيفية التي أعادت بها إيران تصنيف الخليج بين قلب المعركة وهوامشها.

*دول اتفاقيات إبراهام: حين يصبح التطبيع عبئًا أمنيًا*

*1. الإمارات: بؤرة الاستهداف*

لم يتجلَّ هذا الدرس بوضوح أكبر مما حدث في حالتي الإمارات والبحرين، الدولتين الخليجيتين اللتين وقعتا اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل عام 2020. فقد كشفت تجربتهما أن التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل لم يعمل كدرع ردع، بل تحوّل، في لحظة الحرب، إلى سبب إضافي للانكشاف.

كانت الإمارات الأكثر تعرضًا للاستهداف بين دول الخليج. ورغم اعتراض القسم الأكبر من الهجمات، فإن الحطام المتساقط ألحق أضرارًا بمنشآت مدنية، بينها مبنى برج العرب في دبي، وتسبب في إصابات. غير أن الأثر الأعمق لم يكن ماديًا فقط، بل أصاب في الصميم الصورة التي بنتها الإمارات بعناية طوال سنوات بوصفها دولة آمنة ومزدهرة ومحصنة من اضطرابات الإقليم.

ولم يكن هذا التركيز الناري اعتباطيًا. فقد ربط محللون بين كثافة الاستهداف وموقع الإمارات داخل اتفاقيات إبراهام، باعتبارها جزءًا من إعادة اصطفاف إقليمي صاغه التطبيع وقرّب أبوظبي من الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية. ويُضاف إلى ذلك أن قاعدة الظفرة الجوية تمثل مركزًا حاسمًا للوجود العسكري الأمريكي، ما جعل الإمارات، في الحساب الإيراني، ليست مجرد جار خليجي، بل عقدة تشغيل داخل بنية الردع المعادية لطهران.

هنا ظهر التناقض الإماراتي بأوضح صوره. ففي الوقت الذي وُصفت فيه إيران صراحة بأنها “عدو” للمرة الأولى، حاولت أبوظبي، في الوقت نفسه، الإيحاء بأنها ليست طرفًا مباشرًا في الحرب. وقد عبّر السفير الإماراتي لدى الهند حسين حسن ميرزا عن هذا المأزق حين قال: “إنهم يتقاتلون مع بعضهم البعض على أرضنا. هذا غير مقبول”. كانت تلك صيغة كاشفة: دولة منخرطة في اصطفاف استراتيجي واضح، لكنها لا تزال تحاول التحدث بلغة الوسيط. وهذا تحديدًا ما كشفت الحرب استحالته. فلم يعد ممكنًا الجمع بين الشراكة الأمنية العميقة، والتطبيع السياسي، ثم ادعاء الوقوف خارج المعركة ساعة الانفجار.

*2. البحرين: العقدة المتقدمة*

أما البحرين، فرغم أن حجم الاستهداف كان أقل عدديًا من الإمارات والكويت، فإن دلالته لم تكن أقل خطورة. فقد تسبب هجوم بطائرة مسيرة في أضرار بمحطة حيوية لتحلية المياه، بينما اتهمت وزارة الداخلية البحرينية طهران بـ”استهداف” البنية التحتية المدنية “عشوائيًا”. كما لحقت أضرار بمبانٍ في الجفير والسيف، أي في قلب الجغرافيا المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنامة، وأصابت حطام الصواريخ ثلاثة أشخاص وألحقت أضرارًا بمبنى جامعي في المحرق.

وبوصفها مقرًا للأسطول الخامس الأمريكي، وموقعة على اتفاقيات إبراهام، لم تكن البحرين في المنظور الإيراني هامشًا محايدًا، بل عقدة متقدمة داخل البنية العسكرية والسياسية المعادية لطهران. لذلك لم يكن عرضيًا أن يعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة الجفير الأمريكية في البحرين، بعد أن أصبحت جزءًا من البنية المستخدمة في الهجوم على إيران. بهذا المعنى، قُرئت البحرين إيرانيًا كحلقة تشغيل متقدمة داخل مسرح الحرب نفسه.

*الكويت: سقوط وهم الحياد نفسه*

إذا كانت الإمارات والبحرين قد دفعتا ثمن الاصطفاف والتطبيع، فإن الكويت قدمت الدرس الأكثر إحراجًا لفكرة الحياد نفسها. فالكويت، بخلافهما، لم تطبع مع إسرائيل، وحرصت تاريخيًا على مسافة أكبر من المغامرات العسكرية، وظلت أقرب إلى خطاب الإجماع العربي، وأبقت قنواتها مفتوحة مع مختلف الأطراف. ومع ذلك، لم يوفر لها هذا التموضع أي حماية فعلية.

تعرضت الكويت لضربات مباشرة. فقد استهدفت طائرة مسيرة صهاريج وقود في مطار الكويت الدولي، في ما وصفه الجيش بأنه “استهداف مباشر للبنية التحتية الحيوية”. وقُتل اثنان من حرس الحدود أثناء قيامهما بواجبهما، كما أكدت الكويت في رسالة إلى الأمم المتحدة أن مقتلهما جاء نتيجة الهجمات الإيرانية على البلاد. واندلع حريق في مبنى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في مدينة الكويت بعد إصابة مباشرة، وأعلنت شركة النفط الوطنية الكويتية خفضًا “احترازيًا” لإنتاجها الخام.

غير أن ما جعل الحالة الكويتية أكثر دلالة لم يكن فقط وقوعها تحت النار، بل انكشافها العملي داخل البنية العسكرية للحرب. فقد أكدت رويترز وقيادة المنطقة الوسطى الأمريكية أن الدفاعات الكويتية أسقطت بنيران صديقة ثلاث مقاتلات أمريكية من طراز F-15 كانت تنفذ عمليات مرتبطة بإيران أثناء القتال، وهو ما كشف، في لحظة واحدة، أن الكويت لم تعد تُقرأ كدولة تحتمي بخطاب الحياد، بل كمجال تتحرك عبره عمليات الحرب نفسها. وفي السياق ذاته، استهدفت إيران قواعد أمريكية في الكويت، بينها علي السالم ومعسكر عريفجان، ما رسخ في الحساب الإيراني أن الأرض الكويتية ليست خارج مسرح الصراع، بل داخله.

في الحالة الكويتية، بدا الدرس أكثر قسوة لأنه ينسف الفرضية من أساسها: أن ضبط الخطاب، وتجنب الاستفزاز، والحفاظ على هامش دبلوماسي، يمكن أن يشكل مظلة أمان وقت الانفجار. ما كشفته الحرب هو العكس تمامًا. فعندما تنظر إيران إلى الأراضي الخليجية باعتبارها مجالًا متاحًا للخصم، سواء بسبب وجود قواعد أمريكية، أو البنية الأمنية الإقليمية، أو الجغرافيا العملياتية نفسها، فإن التمييز بين “المحايد” و”المنخرط” يتراجع كثيرًا. عندئذٍ، لا يعود السؤال: من حاول تفادي الصدام؟ بل: من يقع داخل مسرحه؟

*انكشاف التحالف الاستراتيجي*

ما فعلته هذه الحرب لم يكن فقط اختبار متانة الترتيبات الخليجية، بل تعرية حقيقتها. فقد كشفت، كما ذهب أحد التحليلات، البنية الفعلية للتحالف العربي مع إسرائيل، بعد سنوات من إدارته تحت سقف الغموض المقصود.

طوال تلك السنوات، استطاعت عواصم الخليج أن تحافظ على هامش مريح من الإنكار السياسي: توقّع اتفاقيات إبراهام، لكنها تقلل من شأن التعاون الأمني المترتب عليها، وتستضيف القواعد الأمريكية، لكنها تصر على أنها ليست منصات عدوان، وتدعو إلى خفض التصعيد، بينما يستمر التنسيق الاستخباراتي الهادئ مع إسرائيل بعيدًا عن الضوء. كان المطلوب دائمًا هو الجمع بين الشراكة والإنكار، بين التموضع داخل المعادلة الأمنية وبين الاحتفاظ بصورة الوسيط أو الطرف المتزن.

لكن وابل إيران جرّد هذا الغموض دفعة واحدة. فمن منظور طهران، لا تُقرأ المنشآت التي تستضيف بنية عسكرية أمريكية بوصفها مرافق سيادية محايدة، بل بوصفها شرايين لوجستية يمكن أن تدخل، مباشرة أو ضمنيًا، في أي عمل عسكري ضدها. وعندما يُضاف إلى ذلك إرث اتفاقيات إبراهام، وشبكات التنسيق الأمني الهادئ مع إسرائيل، يتراجع وزن الخطاب الدبلوماسي كثيرًا. عند هذه النقطة، لا تعود الدولة الخليجية تُقاس بما تعلنه، بل بما تستضيفه، وما تتيحه، وما يمكن أن يُستخدم انطلاقًا من أرضها.

وهكذا سقطت التفرقة التي حاولت هذه العواصم الحفاظ عليها طويلًا: التفرقة بين الشراكة غير المعلنة والانخراط الفعلي، بين الاستضافة التقنية والتموضع الاستراتيجي، بين الحليف الصامت والوسيط المحتمل. لم تعد إيران ترى في الخليج فسحة رمادية بين الحرب واللاحرب، بل امتدادًا عمليًا لبنية الردع المعادية لها، حتى حين يصرّ أصحابه على أنهم ليسوا طرفًا مباشرًا في المعركة.

لذلك لم يكن نداء السفير الإماراتي إلى وساطة هندية مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل اعترافًا ضمنيًا بالمأزق كله. فقد وجدت دول الخليج نفسها عالقة داخل معادلة مستحيلة: تتعرض للهجوم الإيراني رغم محاولات الحياد، وتتعرض، في الوقت نفسه، لضغوط أمريكية للانخراط الأوضح في المواجهة. هنا لم يسقط الغموض فقط، بل احترق معه السياج الدبلوماسي كله. وكما خلص أحد المحللين، جُرَّت الملكيات الخليجية قسرًا إلى قلب الصراع.

*حدود الضمان الأمني الأمريكي*

إذا كانت هذه الحرب قد كشفت انكشاف التموضع الخليجي، فإنها كشفت، بالقدر نفسه، حدود المظلة الأمنية التي اعتمدت عليها دول الخليج طويلًا. فالولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني الذي لا غنى عنه، لكن الحرب أوضحت أن وجود القواعد الأمريكية لا يضمن الحماية الكاملة من الانتقام، بل قد يحوّل الدولة المضيفة نفسها إلى هدف مباشر.

كان الإحباط الخليجي ملموسًا. فقد عبّر مسؤولون عن امتعاضهم من أن واشنطن لم تبلغهم مسبقًا بالضربات الأولى، تاركة عواصمهم أمام تداعيات لم تستعد لها سياسيًا ولا أمنيًا بالقدر الكافي. ثم جاءت الضربات الإيرانية لتؤكد أن الاستضافة العسكرية الأمريكية لا تُقرأ في طهران بوصفها ترتيبات دفاعية محضة، بل كجزء من البنية التي تُدار منها الحرب أو يمكن أن تُدار منها. وهكذا، بدلًا من أن تعمل القواعد دائمًا كأداة ردع، أصبحت، في بعض الحالات، سببًا إضافيًا للانكشاف.

والأكثر دلالة أن دول الخليج تابعت أيضًا كيف أُعطيت الأولوية في الممارسة لحماية إسرائيل والقوات الأمريكية نفسها، بينما كانت مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى بعض الحلفاء تتآكل بسرعة. وهنا ظهرت الحقيقة التي حاولت العواصم الخليجية تأجيل مواجهتها طويلًا: المظلة الأمريكية ليست التزامًا متساويًا في جميع الاتجاهات، بل نظام حماية انتقائي تحكمه أولويات واشنطن الاستراتيجية أولًا، ثم أمن إسرائيل، ثم ما يتبقى بعد ذلك للحلفاء الآخرين.

لا يعني هذا أن الخليج بصدد الاستغناء عن الشراكة الأمريكية، ولا أن بديلًا جاهزًا بات متاحًا بين ليلة وضحاها. لكنه يعني أن الحرب فرضت مراجعة مؤلمة لسوء الفهم القديم: أن القرب من واشنطن يساوي تلقائيًا الحصانة. ما انكشف هو العكس تقريبًا. فالقرب من الولايات المتحدة قد يوفر السلاح والردع والدعم الاستخباراتي، لكنه لا يلغي كلفة التمركز داخل صراعاتها، ولا يضمن أن يكون أمن الحلفاء مساويًا لأمنها في سلم الأولويات. ومن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية: ليس كيف تُفك الشراكة مع واشنطن، بل كيف يُعاد تعريفها من موقع أقل هشاشة، وأكثر وعيًا بحدودها الفعلية.

*خاتمة: ما بعد الحياد*

بهذا المعنى، لم تكشف الحرب فقط حدود الحياد الخليجي، بل أعلنت نهاية المرحلة التي أمكن فيها الجمع بين التطبيع والتحوّط، وبين الاستضافة العسكرية وادعاء المسافة، وبين الازدهار والانفصال عن الجغرافيا السياسية. لقد مات الحياد، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه خيارًا استراتيجيًا قابلاً للحياة. لكن موت الحياد ليس نهاية القصة، بل بدايتها الأصعب: ماذا يحدث في الخليج حين تسقط الفرضيات التي حكمته لعقود؟ فالمسألة لم تعد مجرد تبدل في التموضع، بل باتت تمسّ العقيدة الأمنية، والنموذج الاقتصادي، والعقد الاجتماعي نفسه. ومن هنا يبدأ الجزء الرابع.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى