مولانا سالم: المجلس التشريعي سيأتي “ديكوراً سياسياً” ما لم تُسد الثغرات

الخبير القانوني مولانا محمد أحمد سالم لـ “العودة”:
المجلس التشريعي سيأتي “ديكوراً سياسياً” ما لم تُسد الثغرات
سقوط القسم الدستوري من الوثيقة خطأ فادح يهدد شرعيتها
تعديلات 2025 أفرغت المجلس من هيبته ومهمته الرقابية
العضوية يجب أن تكون “طوعية” منعاً للارتزاق باسم التشريع
ترهل العضوية “عطالة سياسية” تستنزف موارد البلاد وقت الحرب
لا عزل لأي مكون ونرفض إعادة إنتاج “فخ” الإقصاء
تركيز السلطة بيد أفراد وضع معيب ينهيه المجلس التشريعي
حاوره: رمضان محجوب
الدكتور محمد احمد سالم من القامات القانونية السامقة واحد فقهاء الدستور والفكر البرلماني ليس على نطاق السودان فحسب بل وعلى المستوى الاقليمي..اذ مزج بين التاهيل الاكاديمي الرفيع والخبرة العملية في مجال التشربع والفقه البرلماني والنظم الانتخابية وحقوق الانسان والعلوم السياسية..لقد عمل مستشارا للبرلمان السودانية المتعاقبة لمدة ٢٠ عاما ثم مسجلا للاحزاب السياسية ثم مستشارا للحكم الاتحادي ثم مستشارا بمجلس الامة الكويتي واخيرا وزيرا للعدل.. ويأتي هذا الحوار في توقيت مفصلي تترقب فيه البلاد ميلاد المجلس التشريعي الانتقالي، ليفكك الدكتور سالم بوعيه القانوني العميق نصوص الوثيقة الدستورية، مستشرفاً مستقبلاً يوازن بين رمزية التمثيل وكفاءة الأداء، ومحذراً من الانزلاق في فخ “الديكور السياسي” الذي قد يعيق مسيرة الإصلاح.
■ مولانا د. محمد أحمد سالم، كيف تقرأ التحركات الحالية لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي في ظل الظرف الراهن؟
— من حيث المبدأ، أرى أن الشروع في تكوين جسم تشريعي، ولو بالتعيين في هذا الظرف، يعد توجهاً حكيماً وصائباً؛ فهو ينسجم مع الخطوات السابقة لصالح التحول الديمقراطي والمدني، مثل تعيين رئيس وزراء مدني وإحياء دور مجلس القضاء العالي، كما أنه ينهي وضعاً معيباً يتمثل في تركيز مقاليد الأمور في أيدي عدد محدود من الأفراد.
■ هل تعتقد أن قيام هذا المجلس سيضيف ثقلاً حقيقياً للقرارات السيادية القادمة؟
— بكل تأكيد، قيام المجلس سوف يشكل قاعدة شعبية مساندة، ويضفي على القرارات والسياسات شرعية وثقلاً سياسياً ودستورياً أعظم، خاصة في شأن القضايا المصيرية المتعلقة بالحرب والسلام ومستقبل البلاد.
■ حدثنا عن التطور التشريعي الذي طرأ على نصوص تكوين المجلس بين وثيقة 2019 وتعديل 2025؟
— الوثيقة الدستورية لعام 2019 كانت قد خصصت فصلاً كاملاً للمجلس، لكنه لم يقم في الأجل المضرب، إلى أن صدر تعديل 2025 الذي ألغى الفصل السابع تماماً واستعاض عنه بمادتين فقط (24 و25)، مع إشارات متفرقة للمجلس هنا وهناك، مما أوجد فراغاً في بعض التفاصيل الإجرائية.
■ ما هو تقييمك للبنية الهيكلية للمجلس في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة؟
— النص الحالي يتميز بالمرونة والواقعية لخلوه من عناصر الإقصاء والعزل لأي فئة، فلا يجوز عزل أي مكون من مكونات الأمة السودانية جماعياً بسبب اختلاف الفكر أو اللون السياسي، فهذا يتناقض مع وثيقة الحقوق ويستحيل إنفاذه عملياً.

■ لكن، ألا ترى نقصاً في النص الحالي فيما يخص آلية الترشيح والجهة المشكلة للمجلس؟
— نعم، يؤخذ على المادة 24 إغفالها تحديد الجهة التي تشكل المجلس وآلية الترشيح، ونحن نرى أن يناط بمجلس السيادة ذلك، شريطة التشاور الواسع مع سائر القوى السياسية والمدنية لضمان التمثيل الشامل.
■ ما هي المعايير التي يجب مراعاتها في اختيار أعضاء هذا المجلس المرتقب؟
— يجب مراعاة التمثيل لكل مكونات المجتمع والمناطق الجغرافية والفئات العمرية، مع التركيز بشدة على الملاءمة بين التمثيل الفئوي والكفاءات المهنية لإثراء المجلس بكوادر متخصصة في كافة المجالات.
■ لاحظتم غياب شروط العضوية في النصوص الحالية، ما هي الشروط التي تقترحونها؟
— نلاحظ بأسف أن النص لم يتضمن شروطاً كالسن، والمؤهلات العلمية، وحسن السير والسلوك، وخلو الصحيفة الجنائية، كما أغفل حالات فقدان العضوية كالاستقالة أو الوفاة، وهي مسائل جوهرية يجب تداركها.
■ ماذا عن “القسم الدستوري”، هل سقط سهواً من النصوص المنظمة للمجلس؟
— بالفعل، أغفل النص اشتراط تأدية القسم الدستوري وصيغته المعروفة التي درجت عليها الدساتير السودانية، وهذا نقص يجب معالجته لضمان الالتزام الأخلاقي والقانوني للعضو.
■ حدد النص سقف العضوية بـ 300 عضو، هل تجد هذا الرقم مناسباً للظرف الحالي؟
— شخصياً، أرى أن يكون العدد أقل من ذلك بكثير؛ فنحن بصدد كيان شوري في ظرف استثنائي وليس مؤسسة منتخبة في وضع مستقر، والمطلوب الآن تمثيل نوعي ورمزي وليس ترهلاً عددياً.
■ ما هي المخاطر التي قد تترتب على زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي؟
— ترهل العضوية يترتب عليه تكلفة مالية باهظة، وصعوبة في توفير النصاب القانوني، وبطء في اتخاذ القرار، علاوة على الاعتبارات الأمنية ودواعي السرية التي قد تقتضيها المرحلة.
■ بالانتقال للمهام، ما هي الصلاحيات الجوهرية التي تعتقد أن المادة 25 قد أغفلتها؟
— أغفل النص مهمتين جوهريتين: الأولى هي إجازة المراسيم الدستورية، والثانية هي إقرار السياسات العامة للدولة والخطط الاستراتيجية؛ فمن غير المنطقي أن يمر تعديل دستوري دون عرض على المجلس.

■ كيف ترون دور المجلس في مراقبة أداء السلطة التنفيذية؟
— المادة 25 منحت المجلس سلطة مراقبة أداء مجلس الوزراء ومساءلته وسحب الثقة منه، وهذا دور محوري يضمن التوازن بين السلطات ويمنع انفراد الجهاز التنفيذي بالقرار.
■ ما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في رئيس المجلس التشريعي القادم؟
— التجارب أثبتت أن شخصية الرئيس وسعة أفقه تلعب دوراً مفصلياً في النجاح؛ لذا نحتاج لشخصية قيادية تملك حساً سياسياً وخلفية معرفية رصينة، كما كان الحال في تجارب السودان البرلمانية السابقة.
■ اقترحتم تقليص عدد اللجان المتخصصة، لماذا هذا التوجه؟
— نرى أن تكون اللجان قليلة العدد، لا تزيد عن ست لجان (للتشريع، الاقتصاد، الخدمات، الأمن، الخارجية، والحكم الاتحادي)، لضمان الفاعلية الفنية بعيداً عن التعقيدات الإدارية.
■ أين يجب أن يكون مقر المجلس، وهل يجوز انعقاده خارج العاصمة؟
— الأصل أن يكون المقر في العاصمة القومية، مع جواز انعقاده استثناءً في غيرها وفقاً لما تقتضيه الضرورة الأمنية أو السياسية.
■ قضية التعويضات المالية للنواب تثير جدلاً دائماً، ما هي رؤيتكم لهذا الملف؟
— في ظل الظرف الاقتصادي الحرج، نرى أن تكون العضوية “طوعية” ودون تفرغ كامل، وتتكفل الدولة فقط بمصروفات الانتقال الضرورية، كما كان متبعاً في برلمانات الحكم الوطني الأولى.
■ هل تخشى أن يتحول العمل التشريعي إلى مهنة للتكسب في هذا الوقت الصعب؟
— نعم، ويجب أن نتجنب إرهاق الموازنة بمرتبات وبدلات وسيارات، حتى لا نكرر أسوأ ممارسات الماضي التي خلقت “عطالة سياسية” وتسببت في صرف مبالغ طائلة على آلاف الأعضاء دون طائل.
■ كيف يمكن سد الثغرات القانونية الناتجة عن اختصار النصوص الدستورية المنظمة للمجلس؟
— هنالك خياران: إما إجراء تعديل للوثيقة الدستورية يشتمل على الأحكام الرئيسة، أو سن قانون متكامل للمجلس التشريعي الانتقالي يحتوي كل التفاصيل كما هو متبع في دول مثل مصر وسوريا.
■ ما هي الرسالة الأخيرة التي توجهها بخصوص الإرادة السياسية اللازمة لإنجاح هذا الجسم؟
— لا بد من إرادة سياسية قوية لخلق جسم تشريعي ورقابي فاعل ومقتدر، وأن لا يكون المجلس القادم مجرد “ديكور شكلي” للترضيات والمظاهر، يستنزف موارد البلاد دون تقديم إضافة حقيقية.
■ كلمة أخيرة حول مستقبل المجلس في ظل الفترة الانتقالية؟
— المجلس التشريعي ضرورة ملحة لسد الفراغ الحالي، وعمره يجب أن يكون مرتبطاً بعمر الفترة الانتقالية، شريطة أن نحسن اختيار القيادة والأعضاء ليكون خطوة حقيقية للأمام.



