معروضات أروما تكشف الفساد 2-2 (عدالة تُبدَّد عمداً)

العودة : نشوة أحمد الطيب
حين تسرق العدالة نفسها، يصبح المواطن بلا مأوى، ويغدو القانون مجرد نص بلا روح صحيفة (العودة) سبق وأن تناولت البلاغ رقم 5 طوارئ لسنة 2024، الخاص بضبط شحنة مستحضرات تجميل في نقطة تفتيش ريبا بمحلية أروما، وكشفت حينها الخلل الواضح في إدارة المعروضات وتلاعب بعض الأجهزة بها و إفادة المتحري المتهم فيها، لكنه اليوم يكتسب بعداً أشد خطورة؛ إذ لم تتحرك النيابة رغم صدور أمر تحقيق من مساعد أول النائب العام، والمعروضات خرجت بعلم قسم شرطة أروما بحسب إفادة مصدر شرطي رفيع ووصلت إلى صاحبها، بينما المسؤول الحقيقي عن هذه الجريمة ظل مجهولاً بلا محاسبة. هذه الوقائع تكشف تهاون الأجهزة العدلية، وتطرح سؤالاً مباشراً: من المذنب الحقيقي ومن سيحاسبه؟ فحين تتواطأ السلطة على نفسها تصبح الصحافة صرخة الحق الوحيدة، والعودة مستمرة في كشف الحقيقة حتى ينال كل ذي حق حقه.
/المحامي مجاهد عثمان: “الموضوع عبارة عن لوبي فاسد بالكامل، والأشخاص المتورطون يجب محاكمتهم فردياً.”
/عميد شرطة معاش د. عبد الشكور: “أي ضياع أو تلاعب بالمعروضات يهدم القضية بأكملها ويعرض الجميع للمساءلة القانونية.”
/مستشار قانوني د. عثمان: “التضارب بين إفادات الشرطة والنيابة يخلق شكاً قاتلاً ويهدد سلامة الإجراءات القضائية.”
/مصدر شرطي رفيع: “المعروضات خرجت بعلم الشرطة ووصلت إلى صاحبها، ومسؤولية اختفائها تقع على منسوبي القسم بالكامل.”
/محامية حقوق الإنسان رحاب: “إخفاء البضاعة دليل تواطؤ واضح، والفساد أصبح يغطي كل مؤسسات الدولة.”

مصدر يكشف المستور (معروضات خرجت رسمياً)
في إفادة خاصة، كشف مصدر شرطي رفيع المستوى ـ فضّل حجب اسمه ـ أن البلاغ رقم (5) طوارئ لسنة 2024م، الخاص بضبط (150) كرتونة من مستحضرات التجميل في نقطة تفتيش ريبا بمحلية أروما، شهد تلاعباً واضحاً في معروضاته، رغم أن المتهم لا يزال مجهولاً ولم يتم القبض عليه حتى الآن. وأوضح أن القيد رقم (15) بدفتر المعروضات بقسم شرطة أروما يثبت خروج المعروضات بعلم القسم، ونقلها بواسطة دفار الشرطة المخصص له، وتحت حراسة أفراد يتبعون له، قبل أن يتم إيصالها إلى صاحبها كما هو مثبت في السجلات الرسمية. وأضاف أن أسماء ورتب القوة المرافقة معلومة ومحددة، وسيتم الكشف عنها لاحقاً، في إشارة إلى أن المسألة لا تتعلق بغموض في الوقائع، بل بسؤال مباشر حول من سمح بذلك وتحت أي مسوغ قانوني.
تحقيق متوقف عمداً؟
وأشار المصدر إلى أن هذه الوقائع تأتي في ظل تناقضات في روايات الشرطة، وفي وقتٍ لم تحرك فيه النيابة ـ وهي الجهة المخولة بالإشراف على الدعوى الجنائية ـ إجراءات حاسمة، رغم صدور أمر تحقيق من مساعد أول النائب العام. واستشهد بالمادة (19) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م التي تنص على أن النيابة تشرف على سير الدعوى الجنائية وتوجه التحري وتباشر الاتهام أمام المحاكم، مؤكداً أن هذا النص يجعلها الأمين القانوني على الدعوى وما يتصل بها من إجراءات. كما أشار إلى المادة (25) الفقرة (د) التي تُحمِّل الشرطة مسؤولية التفتيش والضبط والتحريز وفق توجيهات النيابة، ما يعني أن مسؤولية حفظ المعروضات تقع ابتداءً على عاتق قسم شرطة أروما. وتساءل المصدر عن مبرر توقف التحقيق لما يقارب العام والنصف دون الوصول إلى نتائج معلنة، في واقعة وصفها بأنها تكشف عن تهاون خطير أو محاولة لطمس معالم الجريمة.
رسالة لا تحتمل الصمت
ووجّه المصدر رسالة مباشرة إلى وزارة الداخلية والنيابة العامة، داعياً إلى استكمال التحقيق عبر لجنة محايدة من خارج شرطة ولاية كسلا، على أن يكون ذلك تحت إشراف المدير العام لقوات الشرطة، وبمشاركة لجنة من كبار رؤساء النيابة العامة، ضماناً للحياد والشفافية. وأكد أن البلاد وهي تخرج من أتون الحرب نحو إعادة البناء لا يمكن أن تستعيد ثقة مواطنيها من دون مواجهة الفساد داخل الأجهزة العدلية نفسها، مشدداً على أن حسم هذا الملف ـ بالمحاسبة الصارمة أو بإثبات البراءة ـ هو الطريق الوحيد لحماية هيبة القانون، وإعادة الطمأنينة إلى مجتمع بات يتساءل بقلق: من يحرس العدالة إن اختلّ حراسها؟

أساس المعروضات
قال عميد الشرطة بالمعاش والمحامي د. عبد الشكور حسن في حديثه لصحيفة (العودة) إن التلاعب بالمعروضات أمر بالغ الأهمية، فالمعروضات تُسمى أمام المحكمة بهذا الاسم وتُعرف لدى الشرطة بالمضبوطات، وهي مهمة جدًا، إذ تتعلق بها الجرائم وجودًا وعدماً، وخاصة في جرائم الحيازة مثل حيازة المخدرات وحيازة الأسلحة وجرائم الجمارك، فوجود المعروضات ضروري لأنها تمثل لحظة التثبت من الواقعة، فالشخص الذي يحمل هذه المعروضات أو التي تخصه تكون دليلًا مباشرًا على تورطه، ولذلك تدور مسألة وجودها وعدمه. وإذا ضاعت المعروضات أو أهملت من قبل الشرطة، فإن أول خطوة يقوم بها الجهاز النظامي هي تشكيل مجلس تحقيق أو تحديد الحقائق، ومن ثم مجلس التحقيق للنظر في أسباب تضيع المعروضات، وبعدها تُخطر النيابة العامة بأن المعروض الفلاني قد ضاع، وإذا لم تكن هناك بينة أخرى، فإن القضية تفشل لأنها قائمة على هذه المعروضات فقط، أما إذا وُجدت بينة أخرى، فعلى النيابة تقديم ما تبقى من المحضر إلى المحكمة، وتوضيح أن هناك معروضات قد طاعت أو نقصت أو تم استبدالها، لأن المحكمة لديها ثلاث حالات، فإذا حكمت بالبراءة تُعاد المعروضات إلى صاحبها، وإذا كانت المعروضات تالفة وحكم على الشخص تُتلف هذه المعروضات، وإذا كانت المعروضات نافعة فتُصادر لصالح الحكومة. وأكد أن هذه النقاط الثلاث تمثل نوعًا من الحكم، وكل من يخالف أو يتستر على هذه المعروضات يكون معرضًا للمساءلة، فالإنسان يقدم العدالة وفق القانون، إذ أن ضياع المعروض أو الدليل يعرض الشخص للمسؤولية القانونية، لأن المعروض يُعرض أمام المحكمة ويُستخدم في المحاكمة.
بطلان القضايا
أوضح د. عبد الشكور أن المحكمة العليا أرست قواعد كثيرة جدًا، فإذا كانت المعروضات تتعلق بالجريمة وجودًا وعدماً، فإن فقدانها يؤدي إلى بطلان القضية، كما في حالة متهم بحيازة ثلاث كيلوغرامات من المخدرات ولم يُعثر إلا على جزء منها، حينها تنتهي القضية، أما إذا وُجدت بينة أخرى وقدمت إلى المحكمة، فإن القضية تكون مكتملة وتستمر، وإذا لم تكن هناك بينة سوى هذه الحيازة، فتُبطل القضية وفق هذه الحالات الثلاث التي أرستها المحكمة العليا، وهي مبادئ مهمة جدًا. وأشار إلى أن المعروضات في قضايا الحيازة، وفي الجرائم المستمرة، وفي التزبير، مهمة جدًا، فوجودها أو فقدانها يحدد مصير القضية، وإذا ضاعت هذه المعروضات يعرض المتسبب لمخالفة قانونية.
خلل الحفظ
وأضاف أن المضبوطات تُستلم دائمًا عند لحظة التفتيش، مع تحرير كشف يوضح عدد وسلاح ونوع وطبيعة المعروضات، ويوقع عليه الحاضرون، ثم تُسلم إلى المخزن، ويستلم رقم خاص ويُقيد في دفتر المعروضات، ما يجعل ضياعها أمرًا صعبًا جدًا، لكنه قد يحدث أحيانًا في مواد مثل البنزين أو الغاز أو الأجهزة التي تكون راكدة خارج المخزن، وقد يحصل فيها تلاعب سواء من النيابة أو الشرطة، لذلك لابد من الحرص على العدالة وضرورة اليقظة في حفظ هذه المعروضات، وأي فقدان متعمد للمعروضات يعني وجود خلل في سير العدالة وتلاعب بالقضية. وأوضح أن قيد بلاغ ضد مجهول رغم وجود وسيلة نقل معلومة وصاحب بضاعة معروف قد يكون تحفظيًا مشروعًا إلى حين اكتمال التحري، لكن إذا توفرت قرائن أولية كافية، فإن القيد ضد مجهول قد يفسر لاحقًا كتحييد للمسؤولية أو تعطيل لمسار الاتهام. كما أكد أن البروتوكول القياسي لتحريز المعروضات يقوم على الجرد الفوري، والتحريز في أحراز مختومة ومؤرخة وموقعة، وإثباتها في دفتر المعروضات، والإيداع الفوري في المخزن، مع سلسلة عهدة واضحة، وتشمل الضمانات التوقيع المتبادل، الكاميرات، سجلات الاستلام والتسليم، والمراجعة الدورية المفاجئة، وأن أي اختفاء للمعروضات بعد القيد يعني خللًا في سلسلة العهدة، ومسؤولية المناوب إذا لم يثبت التحريز السليم، وأمين المخزن إذا استلم دون تدقيق أو أخل بالحفظ، وقيادة القسم إذا قصرت في الرقابة، وفي النهاية هي مسؤولية منظومة رقابية لا فرد واحد فقط.
العدالة المهددة
وأشار د. عبد الشكور إلى أن تسليم المعروضات دون أمر مكتوب من النيابة لا يجوز مطلقًا، وأي تسليم دون إذن مكتوب يُعد مخالفة إدارية جسيمة وقد يرقى إلى جريمة تبديد أو إساءة استعمال سلطة، وأن التصرف الفردي يكون حين يخالف الفرد تعليمات واضحة ومعلنة ويستغل غياب الرقابة الفعالة، أما إذا كان الإجراء شائعًا أو الرقابة غائبة، فتتحول المسؤولية إلى القيادة والإشراف، وأضاف الفرق بين مجلس التحقيق الإداري الذي يركز على الانضباط الوظيفي وتحقيق النيابة الذي يبحث في المسؤولية الجنائية وسلامة الدليل، مؤكداً أن الجزاء الإداري لا يغني عن الجنائي، وأن بقاء المعروضات في العربة لا يكون مشروعًا إلا لضرورة مؤقتة ومثبتة بمحضر رسمي، كما أن تضارب إفادات الشرطة والنيابة يمس هيبة الجهاز وثقة الجمهور، والشفافية في إعلان النتائج ضرورة مؤسسية، وغالبًا ما يشمل ذلك بيانًا رسميًا موحدًا ولجنة مشتركة وإعلان نتائج التحقيق بشفافية، وأن غياب المحاسبة الجنائية المعلنة قد يشجع على التكرار، وأبرز الثغرات التي تسمح بوقوع مثل هذه الأحداث هي ضعف التدريب على إدارة المعروضات، ضغط العمل، غياب التفتيش المفاجئ، وخلل في سلسلة القيادة، مؤكداً أن أول إجراءات القرار يجب أن تشمل تجميد المعنيين إداريًا، حصر المعروضات فورًا، تكليف جهة مستقلة بمراجعة سلسلة العهدة، توحيد الخطاب الإعلامي، وضمان حماية المتعاونين مع النيابة، مع تطوير نظام المعروضات إلكترونيًا، باركود لكل معروض، كاميرات داخل المخزن، مراجعة دورية خارجية، وتدريب إلزامي دوري، مختتمًا بمبدأ أساسي: الدليل تحت الحراسة لا تحت الاجتهاد، وأن مسؤولية النائب العام تتطلب التدخل الفوري عند المساس بسلامة الدليل، والصمت الطويل يصبح جزءًا من الإشكال المؤسسي لا موقفًا محايدًا، وأن قضية المعروضات ليست مجرد خطأ إجرائي بسيط، بل تمس جوهر العدالة الجنائية، فالقيمة المهنية تقول: إذا اهتزت سلسلة العهدة، اهتزت الدعوى بأكملها.

فساد الإجراءات
قالت المحامية وناشطة حقوق الإنسان رحاب مبارك سيد أحمد في حديثها للصحيفة إن قيد بلاغ ضد مجهول في حالة واضحة وصريحة يوجد فيها متهمون، أو في بلاغ يحتوي على معروضات (مضبوطات)، لا يُعد مجرد خلل إجرائي، بل يُمثل فسادًا في الإجراءات الجنائية، مما يدل على أن القانون السوداني لم يعد رقيبًا حقيقيًا في إرساء مفهوم العدل والعدالة وإرجاع الحقوق لأصحابها، وأن أي تأثير على سير هذه الإجراءات ينطوي على تواطؤ واضح، سواء كان بسبب فساد الإجراءات نفسها، أو دفع رشاوى للأطراف المسؤولة عن التحقيق، والدليل على ذلك إخفاء البضاعة وغيرها من الأمور المماثلة، مشيرة إلى أن الأشخاص المسؤولين يتمتعون بحصانات تجعلهم متأكدين من أنهم سيفلتون من العقاب، فلا أحد يحاسبهم، ولا أحد يراقبهم، ولا أحد يضعهم في دائرة المساءلة.
مسؤولية السائق
وأضافت أن المسؤولية القانونية بالنسبة لسائق الشاحنة تعتمد على الوضع، فإذا كان يحمل هذه البضاعة وهو يعلم أنها مسروقة أو لها أي ارتباط بالسرقة، فإنه يعد متهمًا وشريكًا في الجريمة بسبب نقله لمال مسروق، وبالتالي يكون مسؤولًا وفق جريمة استلام المال المسروق، أما إذا ثبت أنه لا يملك أي علاقة أو فكرة، وأن الأشخاص حملوا البضاعة وتعاقدوا معه لنقلها بطريقة طبيعية، فسيكون بريئًا تمامًا وليس له أي ارتباط بالأمر، وهي نقطة مهمة في تحديد المسؤوليات القانونية.
خلل المنظومة
وأوضحت أن أغرب ما حدث في هذه القضية هو أن المعروضات تُحجز وتُسجل في دفاتر رسمية، ثم بعد فترة تُفقد، ما يوضح الخلل في الإجراءات وفساد المنظومة العدلية ذاتها، ويبين كيف أن النيابة لا تقوم بواجبها على أكمل وجه، وكيف أن الشرطة أصبحت المتحكم الأساسي في كل إجراء، وأصبحت هي الآمر الناهي، ما قد ينسحب حتى على المتهم نفسه، وأكدت أن هناك دلائل على أنهم يسعون لتخليص المتهم، وربما تم الاتفاق معه مسبقًا، بحيث يتم تغيير بلاغات واضحة تحتوي على معلومات المتهم لتُقيد على أنها بلاغات ضد مجهول، وهو ما أسمته المحامية بالمفهوم الشعبي “الشرطة قتلت البلاغ”، أي أنه تم إنهاؤه بطريقة خاصة بعد تلقي رشاوى محتملة في هذا الشأن.
انهيار العدالة
وأشارت إلى أن الرشوة قد تكون شاملة، فقد تشمل وكلاء النيابة، وضباط الشرطة، وربما القضاة أنفسهم، الذين أصبح تركيزهم الآن على بلاغات التعاون، وكيفية مهاجمة قوى الثورة، وفرض السيطرة على المواطنين، متناسين مهامهم القانونية والعدلية الأساسية، بحيث لم تعد بلاغات السرقة والابتزاز وغيرها تجد اهتمامًا أو نظرًا قانونيًا صحيحًا، مؤكدة أن هذا يوضح بجلاء الوضع القانوني الحالي في البلاد، وأن إعادة الثقة تتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا، إذ لا يمكن إصلاح قضية واحدة بينما المنظومة بأكملها منهارة، وأن هذا الإصلاح يحتاج إلى وقت طويل، ولن ينجح في ظل وجود بقايا النظام السابق المعروف بـ “الكيزان”، وفي ظل الحرب المستمرة في مناطق متعددة، مشيرة إلى أن الحل الأمثل هو إصلاح جذري للبلد بأكمله، بما في ذلك إصلاح المؤسسة العدلية وسلطة القضاء، لتعود العدالة حقيقية وفاعلة، ويستعيد المواطن ثقته بالقانون والمؤسسات.

خطأ البداية
قال المحامي مجاهد عثمان في حديثه لصحيفة العودة إن فتح البلاغ منذ البداية كان خاطئاً، مؤكداً أن الخطوة الأولى عند ضبط البضاعة يجب أن تكون احتجاز وسيلة النقل وسائقها. وأضاف: “تقع المسؤولية على وسيلة النقل طالما قامت بالنقل، والنقل يتم بأوراق رسمية، فلا تقع على السائق مسؤولية قانونية ابتدائية، لكن يتم القبض عليه واحتجازه حتى يحضر المالك الحقيقي للبضاعة، وبعد ذلك يُفرج عنه”.
وأوضح أن الوضع يختلف إذا كان النقل عبر شركة أو باتفاق رسمي: “في هذه الحالة يكون للسائق صفة عامل لدى الشركة، والنيابة لها الحق منذ البداية في احتجاز البضائع دون احتجاز السائق، لأنه ليس ناقلاً خاصاً، ولم يتم التعامل معه مباشرة مع البضاعة”.
وأشار عثمان إلى أن المعروضات بعد التحري لا يجوز للنيابة تسليمها قبل اكتمال البلاغ، وأن تسليمها قبل القبض على المتهم يعد مخالفة صريحة للقانون. وقال: “البضاعة يجب أن تُسلم لمالكها، ومالكها من المفترض أن يُدرج في دفتر القيد ويُعتبر متهمًا، وما حدث هو مخالفة قانونية واضحة”.
ولفت إلى أن وكيل النيابة المختص وصف الوضع بأنه أدى إلى إشكاليات، وأن الاتفاق تم بين رئيس القسم والنيابة، مع تدخل جهات أمنية أخرى، ما جعل التسليم غير قانوني.
مسؤولية المتحري
أشار عثمان إلى الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها تسليم المعروضات، مثل الأشياء القابلة للتلف أو الحيوانات التي تحتاج رعاية، مع التأكيد على أن هذا البلاغ لم يكن من هذه الحالات، ما يجعل ما جرى غير قانوني.
خيانة الأمانة
واستعرض عثمان الفرق بين المخالفة الإدارية والجريمة الجنائية، مشيراً إلى أن المعروضات في هذا البلاغ تحيط بها ألغاز واضحة: “إذا أخذ شخص ما البضاعة ولم تُسلم لمالكها الحقيقي، فذلك قد يشكل جريمة خيانة أمانة بموجب المادة 177، وهي جريمة موظف عام تصل عقوبتها إلى السجن 14 عاماً أو حتى الإعدام”.
وشدد على أن حفظ البلاغ دون إجراء تحقيق قانوني صحيح غير جائز، قائلاً: “إذا تم حفظ البلاغ دون تحقيق فهذا يعني أنك قد أنهيت المسألة وطويتها، وهذا التضارب يدل على أن الإجراءات غير قانونية”. وأشار إلى أن تضارب إفادات الشرطة والنيابة يعكس عدم سلامة الإجراءات القانونية.
فساد اللوبي
أكد عثمان أن الوقائع تمس مبدأ سيادة حكم القانون وثقة الجمهور في العدالة، وقال: “الموضوع عبارة عن لوبي فاسد بالكامل، وليس له علاقة بمؤسسات الدولة، وإنما الأشخاص الموجودون في هذه النقطة بالتحديد، وهم مدير القسم، والجهة الأمنية التي تدخلت، ومعهم وكيل النيابة، هؤلاء مسؤولون شخصياً ويجب محاكمتهم بصفتهم الفردية”.
وأشار إلى أن مؤسسة الشرطة كانت بريئة، مستشهداً بإفادة المتحري ووكيل النيابة الذي جاء لاحقاً لتولي التحريات: “لم يتواطأ كمؤسسات، بل سعيا لفتح تحقيق ورفع البلاغ للنيابة العامة، لكن جهة نافذة تدخلت لدى رئيس النيابة العامة وأوقفت الإجراءات بعد أن كانت تسير نحو التحقيق”.

قضايا مشابهة
قال د. عثمان عبد الوهاب المستشار القانوني في حديثه لصحيفة (العودة) إن قضية معروضات «أروما» قد تكون واحدة من القضايا التي وجدت طريقها إلى وسائل الإعلام، غير أن الأرجح ـ بحسب تقديره ـ أن هناك قضايا مشابهة لم تحظَ بالتغطية، ولم تُكشف للرأي العام لتعرية الخلل والفساد القائم في بعض مفاصل المنظومة العدلية، ولا سيما على مستوى الشرطة. وأوضح أنه لا يذهب إلى تعميم اتهام الفساد على النيابة كاملة، غير أنه أشار إلى أن بعض البلاغات تصل في حالة وهن شديد، «ميتة ومتهالكة» بحسب وصفه، خالية من اكتمال البينات، وهو أمر يتناقض مع الأصول؛ إذ إن النيابة لا تحيل بلاغاً إلى المحكمة، حتى وإن كانت العقوبة المتوقعة فيه تصل إلى الإعدام، ما لم يكتمل التحري وتتوفر المعروضات والمتهم والبينة الكافية. وأكد أن أي جريمة تفتقر إلى متهم محدد، أو إلى معروضات محفوظة، أو إلى أدلة كافية، فإن المحكمة قد تشطب الاتهام من أول جلسة وتفرج عن المتهم لغياب الأساس القانوني للإدانة.
عدالة تختبر الآن
ورأى عبد الوهاب أن هذا البلاغ يمثل اختباراً حقيقياً للأجهزة العدلية في السودان ما بعد الثورة: هل تمارس سلطاتها كاملة وفق ما يمنحها الدستور والقانون لتحقيق العدالة، أم تتراجع أمام الضغوط والتواطؤ؟ وشدد على أن لا تنازع في الاختصاصات بين الشرطة والنيابة؛ فالشرطة تملك بموجب لوائحها الداخلية حق محاسبة منسوبيها إدارياً، غير أن ذلك لا يمنع النيابة من مساءلة أي شرطي أو متحرٍ جنائياً إذا ثبت أنه تسبب في إتلاف أدلة أو سرقة معروضات أو الإفراج غير المشروع عن متهم. فالمحاسبة الإدارية ـ كما قال ـ لا تُغني عن الجزاء الجنائي متى توافرت أركانه، لأن الأمر حينها يتجاوز المخالفة الوظيفية إلى الجريمة التي تمس صميم العدالة.
انتقام مغلف بالقرار
وفي رده على سؤال حول مشروعية إيقاف متحرٍ عن العمل بدعوى «تعاونه مع النيابة»، أكد عبد الوهاب أن التعاون مع النيابة واجب قانوني وأخلاقي، وأي عقوبة تُوقع بسبب أداء هذا الواجب تُعد انحرافاً جسيماً بالسلطة وإجراءً باطلاً بطلاناً مطلقاً. واعتبر أن مثل هذا القرار، إن صح، يمكن توصيفه بوصفه إجراءً انتقامياً يندرج تحت عرقلة سير العدالة وإساءة استعمال السلطة، وربما مخالفة أنظمة حماية الشهود والمبلغين. وأوضح أن للمتضرر حق الطعن أمام القضاء الإداري طلباً للإلغاء والتعويض، كما أن للنيابة سلطة التدخل لحماية المتحريين بوصفهم من معاونيها في إنفاذ القانون، ضماناً لاستقلال التحقيق وسلامته من الترهيب.
تضارب يهدم الدليل
وحول أثر التناقض بين إفادات الشرطة والنيابة، شدد على أن التضارب الأساسي يضرب في الصميم مصداقية الدليل ويُضعف يقين القاضي. فالعبرة قانوناً ـ في الأصل ـ بتحقيقات النيابة بوصفها صاحبة سلطة التحقيق، وأي اختلاف جوهري معها يُلقي بظلال الشك على محضر الشرطة. ويبلغ الأمر حد البطلان إذا مسَّ التناقض أركان الجريمة ذاتها، كتباين وصف المعروضات أو وزنها، أو اختلاف الروايات بشأن كيفية وتوقيت الضبط، أو استحالة التوفيق زمانياً ومكانياً بين الإفادتين. ففي هذه الحال يكون «الفساد في الاستدلال» مدخلاً قوياً لدفع الدفاع بعدم معقولية الواقعة، والقاعدة المستقرة أن الشك يُفسر دائماً لمصلحة المتهم.
المعروضات خط أحمر
وأشار عبد الوهاب إلى أن غياب المعروضات بعد تقييدها رسمياً يحول الواقعة إلى شبهة جريمة مستقلة قد تندرج تحت خيانة الأمانة أو الإهمال الجسيم في حق الجهة الحارسة، ولا يجوز ـ قانوناً ـ حفظ البلاغ الأصلي قبل كشف مصيرها؛ لأن التصرف في الدعوى، حفظاً أو إحالةً، يفترض وجود المعروضات للفصل في ردها أو مصادرتها. ومن ثم فإن الإجراء الملزم هو وقف التصرف في البلاغ وفتح تحقيق جنائي مستقل بشأن فقدان الأحراز، مع مساءلة المسؤولين إدارياً وجنائياً. وأوضح أن المسؤولية الجنائية تبقى شخصية حتى يثبت الفعل بيقين، غير أن المسؤولية الإدارية والمدنية قد تكون تضامنية على إدارة القسم والطاقم المناوب لقصورهم في حفظ السجلات وضبط «سلسلة الحيازة». وختم بأن استعادة الثقة تستلزم سحب البلاغ لفحصه على مستوى أعلى، وفتح محاضر مستقلة عن ضياع المعروضات، وتمكين الجهات الرقابية من أداء دورها، لأن اختفاء الأحراز ليس خطأً إجرائياً عابراً، بل كسرٌ صريح لسلسلة الحقيقة التي يقوم عليها بناء العدالة كله.



